قد يكتب شخص رسالة قصيرة على الإنترنت من دون أن يذكر اسمه أو يضع صورته أو يقدم أي معلومات مباشرة عن هويته، معتقدًا أن إخفاء البيانات الشخصية كافٍ للبقاء مجهولًا.
لكن النص نفسه قد يحمل مجموعة من الإشارات التي تساعد الأنظمة والبرمجيات على ربطه بصاحبه، بدءًا من الكلمات التي يختارها ووصولًا إلى طريقة بناء الجمل وعلامات الترقيم.
ومع تطور تقنيات تحليل النصوص والذكاء الاصطناعي، أصبحت بصمة الكتابة مجالًا يمكن استخدامه لدراسة الأسلوب ومقارنة النصوص وتقدير ما إذا كانت كتابات مختلفة صادرة عن الشخص نفسه.
الكلمات تكشف العادات
كل شخص يمتلك عادات لغوية تتكرر من دون قصد، حيث قد يفضل كلمات معينة، أو يستخدم تعبيرات محددة، أو يبدأ الجمل بطريقة متشابهة، أو يميل إلى طول معين للجمل.
وهذه التفاصيل تبدو عادية عندما تظهر منفردة، لكنها تصبح أكثر أهمية عند تحليل عدد كبير من النصوص.
ويمكن للأنظمة دراسة المفردات المتكررة، وترتيب الكلمات، وأنماط استخدام الأفعال والصفات، وحتى الكلمات التي يتجنبها الكاتب باستمرار.
ولا يعني ذلك أن اختيار كلمة واحدة يمكن أن يكشف هوية شخص ما، بل إن مجموعة كبيرة من الخصائص قد تشكل نمطًا أكثر تميزًا.
علامات الترقيم
حتى علامات الترقيم تدخل في تحليل الأسلوب. فبعض الأشخاص يستخدمون الفواصل بكثرة، بينما يفضل آخرون الجمل القصيرة والنقاط المتتالية.
كما يمكن أن تظهر أنماط في استخدام الأقواس، وعلامات التعجب والاستفهام، والمسافات، وطريقة كتابة الأرقام أو الاختصارات.
وهذه السلوكيات الكتابية المتكررة يمكن أن تصبح أشبه ببصمة أسلوبية، خصوصًا عندما تتوافر مجموعة كبيرة من النصوص للمقارنة.
طريقة بناء النص
لا يتعلق تحليل الكتابة بالكلمات وحدها. فالبرمجيات تستطيع دراسة بنية الجمل، ومتوسط طولها، وطريقة الانتقال بين الأفكار، واستخدام الجمل المباشرة أو المركبة.
وقد يمتلك كاتبان الموضوع نفسه والمفردات نفسها تقريبًا، لكن طريقة بناء النص قد تختلف بينهما بدرجة تساعد أدوات التحليل على التمييز بين أسلوبيهما.
ولهذا تستخدم بعض تقنيات تحليل النصوص مفهوم البصمة الأسلوبية، وهي مجموعة من الخصائص التي تميز طريقة شخص معين في الكتابة.
قدرات التحليل
أسهم تطور الذكاء الاصطناعي في جعل تحليل اللغة أكثر تعقيدًا.
فالأنظمة الحديثة تستطيع التعامل مع كميات كبيرة من النصوص واكتشاف أنماط يصعب ملاحظتها بالعين المجردة.
ويمكن استخدام هذه التقنيات في مجالات مشروعة، مثل التحقق من نسبة الأعمال إلى أصحابها، ودراسة الأدب، واكتشاف بعض حالات الانتحال، وتحليل النصوص مجهولة المصدر.
لكن القدرة نفسها تثير أسئلة تتعلق بالخصوصية، خصوصًا عندما تستخدم لتحليل منشورات أو رسائل كتبها أشخاص وهم يعتقدون أنهم لا يكشفون معلومات تعريفية عن أنفسهم.
تغيير أسلوب الكتابة
تغيير بعض الكلمات أو استخدام أسلوب مختلف لا يضمن بالضرورة إزالة البصمة الأسلوبية.
فالتحليل قد يعتمد على مجموعة واسعة من الخصائص بدلًا من الكلمات الواضحة فقط.
ولهذا، فإن إخفاء الاسم أو حذف المعلومات الشخصية من النص لا يعني دائمًا أن النص أصبح مجهول المصدر.
وفي النهاية، قد لا تكون هوية الكاتب موجودة في الاسم أو البريد الإلكتروني فقط، بل في الطريقة التي يكتب بها أيضًا.
ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل اللغة، تتحول أساليب الكتابة إلى نوع جديد من البيانات التي يمكن دراستها وربطها ومقارنتها.

