الرئيسية مقالاتكل الملفات تغلق إلا ملف غزة!

كل الملفات تغلق إلا ملف غزة!

من admin
A+A-
Reset

الدكتور نضال المجالي

كل أزمة مرت تركت وراءها ملفاً، وملفاتنا العربية تعشق الأدراج، تُفتح مع المؤتمرات، وتُغلق مع انتهاء المؤتمرات، تُكتب البيانات، وتُلقى الخطب، وتُلتقط الصور، ثم يُطوى كل شيء في أرشيف السياسة.

إلا غزة… هي الملف الوحيد الذي لم يُغلق، لأنه لم يجد من يجرؤ على إغلاق جراحه.

كتبنا المقالات، وأصدرنا التصريحات، وعقدنا الاجتماعات، وأحصينا آلاف الضحايا، امتلأت حواسيبنا بالبيانات، وامتلأت شاشاتنا بالتحليلات، بينما امتلأت غزة بالركام.

صرنا نستهلك المأساة كما نستهلك الأخبار، نغضب دقائق، ثم ننتقل إلى العنوان التالي، أما غزة، فما زالت عالقة في العنوان الأول.

هناك من غيّر مواقفه، وهناك من بدّل خطابه، وهناك من اكتشف أن المصالح أوسع من المبادئ، وأن الحسابات أثقل من الدم، تغيرت خرائط التحالفات، وتبدلت الأولويات، وسقطت أقنعة كثيرة.

لكن وسط هذا المشهد، بقي موقف لم يتغير، لم يكن لأن أحداً ألقى على عاتقه هذا الدور، ولم يكن سعياً إلى بطولة إعلامية، بل لأنه إرث سياسي، وعقيدة دولة، وإيمان راسخ بأن الحق لا يصبح باطلاً بطول الزمن، وأن القضية الفلسطينية ليست ملفاً تفاوضياً يُفتح ويُغلق، بل قضية عدل وشرعية وكرامة.

لهذا ظل جلالة الملك عبدالله الثاني يحمل القضية الفلسطينية في كل محفل دولي، ويعيد التذكير بغزة كلما حاول العالم أن يطوي صفحتها، لم يتغير الخطاب الأردني لأن البوصلة لم تتغير، ولم تتبدل السياسة الخارجية لأنها لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على ثوابت استقرت عبر عقود.

قد يختلف الناس في السياسة، وهذا حقهم، لكن من الصعب إنكار أن الأردن بقي يطرق أبواب العالم دفاعاً عن وقف الحرب، وإدخال المساعدات، وحماية المدنيين، والدفاع عن القدس ومقدساتها، بينما كان كثيرون ينتقلون إلى ملفات أخرى.

المؤلم أن العالم أتقن صناعة البيانات أكثر من صناعة السلام، وأصبح عدد المؤتمرات يفوق عدد الحلول، وعدد الإدانات يفوق عدد الأفعال.

غزة اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل مرآة تعكس عجز النظام الدولي، وضمير العالم، وذاكرة أمة تخشى أن تعتاد المأساة.

سيأتي يوم تُغلق فيه ملفات كثيرة، لكن التاريخ لن يسأل كم بياناً كتبنا، بل سيسأل: ماذا فعلنا عندما كانت غزة تُدفن تحت الركام؟ ومن بقي ثابتاً عندما تبدلت المواقف؟ ومن حافظ على البوصلة عندما ضلها كثيرون؟

فالحق لا يسقط بالتقادم، وغزة ليست خبراً عابراً في نشرة المساء، بل امتحان دائم للإنسانية، امتحان ما زال كثيرون يرسبون فيه.

شاهد ايضا

Focus Mode