القطيف – صحيفة صُبرة
كشفت دراسة علمية حديثة عن إمكانات واسعة تمتلكها مدينة القطيف لتطوير ما يعرف بـ«الاقتصاد الأزرق»، من خلال استثمار مواردها البحرية والساحلية في مجالات الصيد والاستزراع السمكي والسياحة، إلى جانب قطاعات أخرى يمكن أن تشكل روافد جديدة للتنمية الاقتصادية المستدامة.
واقترحت الدراسة إنشاء مجلس متخصص لتنسيق الاقتصاد الأزرق في القطيف، إلى جانب تأسيس مركز للبحوث والابتكار البحري، وتخصيص مناطق للاستثمار في الأنشطة البحرية، وإنشاء مرصد رقمي لمتابعة أوضاع الساحل والأنظمة البيئية.
وأعد الدراسة البروفيسور عبدالكريم الهويش، أستاذ التخطيط الحضري والإقليمي في كلية العمارة والتخطيط بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، والمتخصص في التنمية الاقتصادية الإقليمية. وتطرح الدراسة رؤية تتجاوز التعامل مع البحر باعتباره مصدراً للصيد فقط، لتشمل موارده مجالات الاستثمار والسياحة والابتكار والتنمية الاقتصادية.
مجلس لتنسيق القطاعات البحرية
من أبرز التوصيات التي تضمنتها الدراسة إنشاء «مجلس تنسيق الاقتصاد الأزرق في القطيف»، ضمن منظومة الحوكمة في المنطقة الشرقية.
ويضم المجلس المقترح ممثلين عن القطاعات المرتبطة بالبحر والساحل، بما في ذلك الصيد والتخطيط البلدي والبيئة والسياحة والاستثمار، إضافة إلى ممثلين عن المجتمع.
ويهدف المقترح إلى إيجاد جهة تنسيقية تجمع مختلف الاختصاصات ذات الصلة بالموارد البحرية والساحلية، بما يسهم في توحيد الأهداف والسياسات، وتحسين تبادل المعلومات والبيانات بين الجهات المعنية.
مركز للبحوث والابتكار البحري
ولم تقتصر توصيات الدراسة على الجوانب الإدارية والتنظيمية، بل دعت أيضاً إلى إنشاء مركز متخصص في البحوث والابتكار البحري بالتعاون مع الجامعات والمؤسسات البحثية الوطنية.
كما أوصت بتوسيع نطاق جمع البيانات المتعلقة بالبحر، وإنشاء مراصد ساحلية رقمية تساعد في مراقبة النظم البيئية وتحسين القدرة على اتخاذ القرارات المبنية على المعلومات.
واقترحت الدراسة كذلك إنشاء مناطق مخصصة للاستثمار في الاقتصاد الأزرق، مع التركيز على الاستزراع السمكي المستدام والسياحة البيئية، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وشملت التوصيات دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة والصيادين التقليديين من خلال توفير التمويل والأدوات الرقمية وبرامج التدريب، إلى جانب استخدام التقنيات الرقمية لمراقبة الساحل وتوفير البيانات الضرورية للتخطيط.
دراسة اعتمدت على آراء 137 مشاركاً
حملت الدراسة عنوان «جاهزية الاقتصاد الأزرق والمشاركة المجتمعية في مدينة القطيف»، ونشرت في مجلة Frontiers in Marine Science العلمية المحكمة في 25 مارس 2026.
واعتمد الباحث في إعدادها على منهج يجمع بين التحليل الكمي والنوعي، مستنداً إلى آراء 137 مشاركاً يمثلون جهات حكومية وقطاعاً خاصاً وجمعيات ومؤسسات من المجتمع المدني، إضافة إلى أكاديميين وباحثين وأفراد من المجتمع الساحلي، بينهم أشخاص يعملون في قطاعي الصيد والسياحة.
وجرى جمع البيانات خلال الفترة الممتدة من سبتمبر إلى نوفمبر 2025.
ويشير مفهوم الاقتصاد الأزرق إلى الاستخدام الاقتصادي المستدام للموارد البحرية والساحلية، بحيث يمكن تحقيق التنمية والاستفادة من هذه الموارد دون الإضرار بالبيئة أو استنزاف الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها الأنشطة الاقتصادية.
الصيد في مقدمة الفرص
وأظهرت نتائج الدراسة أن القطيف تتمتع بمجموعة كبيرة من الفرص المرتبطة بالاقتصاد الأزرق، وجاء قطاع الصيد في مقدمتها بتقييم بلغ 4.48 من 5.
وحل الاستزراع السمكي في المرتبة الثانية بتقييم 4.36 من 5، بينما حصلت السياحة البحرية والساحلية على 4.31 من 5.
كما شملت الفرص التي رصدتها الدراسة مجالات حماية الساحل واستعادته، والنقل والخدمات اللوجستية البحرية، والطاقة البحرية المتجددة، إضافة إلى التقنية الحيوية البحرية.
وبلغ المتوسط العام لتقييم فرص الاقتصاد الأزرق 4.23 من 5، وهو مستوى دفع الدراسة إلى اعتبار القطيف منطقة مناسبة لتطبيق سياسات متكاملة يمكن أن تشكل نموذجاً في هذا المجال.
المشاركة المجتمعية عامل رئيسي
وأظهرت الدراسة أن نجاح الاقتصاد الأزرق لا يعتمد فقط على الموارد الطبيعية أو فرص الاستثمار، إذ تبين من النموذج الإحصائي أن المشاركة المجتمعية هي العامل الأقوى في التنبؤ بجاهزية القطيف لتطوير الاقتصاد الأزرق، بمعامل بلغ 0.62.
وحصل إشراك المجتمع في عملية صنع القرار على تقييم بلغ 4.41 من 5، فيما بلغ تقييم الوعي والتعليم البيئي 4.36، بينما سجلت الشراكات بين القطاعين العام والخاص 4.27.
وأعرب 83.2% من المشاركين عن تأييد قوي لمأسسة مشاركة المجتمع في عمليات التخطيط للساحل وإدارته.
وبناءً على هذه النتائج، اقترحت الدراسة تشكيل مجالس استشارية ساحلية تضم الصيادين وقيادات المجتمع والشباب وممثلي القطاع الخاص، إلى جانب تطوير قنوات للمشاورات العامة والمشاركة الرقمية، واعتماد أساليب الإدارة المشتركة لموارد الصيد.
التلوث والتدهور البيئي أبرز المعوقات
في المقابل، حددت الدراسة مجموعة من التحديات التي يمكن أن تعيق الاستفادة من فرص الاقتصاد الأزرق في القطيف.
وبلغ المتوسط العام لتقييم المعوقات 4.27 من 5، وجاء التدهور البيئي والتلوث وفقدان الموائل البحرية في مقدمة هذه التحديات بتقييم 4.47 من 5.
وحل محدودية وعي أصحاب المصلحة في المرتبة التالية بتقييم 4.36، ثم قصور دعم البحث والابتكار بتقييم 4.28.
كما حصل غياب الأطر الواضحة للسياسات على تقييم 4.23، بينما بلغ تقييم ضعف التنسيق بين الجهات 4.19، وسجل ضعف تطبيق الأنظمة البحرية 4.11.
وأوضحت الدراسة أن هذه النتائج تعكس آراء وتقديرات المشاركين بشأن المعوقات، ولا تمثل قياسات ميدانية مباشرة لمستويات التلوث أو حجم فقدان الموائل البحرية.
نحو منظومة متكاملة للاقتصاد الأزرق
وتخلص الدراسة إلى أن تطوير الاقتصاد الأزرق في القطيف لا يرتبط بتنفيذ مشروع واحد، وإنما يتطلب بناء منظومة متكاملة لإدارة العلاقة الاقتصادية مع البحر.
وتبدأ هذه المنظومة، وفق المقترحات، بإنشاء جهة تنسيقية تجمع مختلف القطاعات، مع تعزيز البحث العلمي والابتكار وجمع البيانات، وإشراك المجتمع في عملية صنع القرار، ثم توجيه الاستثمارات نحو قطاعات الصيد والاستزراع السمكي والسياحة وغيرها من الأنشطة البحرية الجديدة.
وتشير النتائج إلى أن القطيف تمتلك الموارد والفرص اللازمة لبناء اقتصاد أزرق، كما أن المجتمع أظهر استعداداً للمشاركة في إدارة وتخطيط المناطق الساحلية.
إلا أن تحويل هذه الإمكانات إلى نشاط اقتصادي مستدام يتطلب تعزيز التنسيق المؤسسي، وتوسيع البحث والابتكار، وتنظيم الاستثمارات، إلى جانب اعتماد آليات تشاركية تجمع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي في عملية اتخاذ القرار.
المصدر: صحيفة صُبرة الإلكترونية

