الرئيسية مقالاتالنزاهة نهج دولة

النزاهة نهج دولة

من mk
A+A-
Reset

بقلم : د. حاكم المحاميد
تكتسب مسيرة الدولة الأردنية قوتها وحضورها التاريخي من قدرتها العالية على التطهير الذاتي ومراجعة مساراتها بكل شجاعة ومسؤولية، وهي الميزة التي مكنت المؤسسات الوطنية دائماً من عبور أدق المنعطفات بنجاح وثبات.
إن إشهار سيف الحق في وجه التجاوز على المال العام يمثل اليوم توجهاً استراتيجياً للدولة يعكس مكامن قوتها وثقتها بنفسها، ورغبتها الأكيدة في ترسيخ نهج النزاهة والعدالة كركائز أساسية للمستقبل، وهذا ما تؤكده خطابات جلالة الملك وما تحتويه الأوراق النقاشية العميقة التي قدمت رؤية وطنية واضحة المعالم.
هذه اللحظة الإصلاحية تفرض معادلة وطنية تتكامل فيها الأدوار؛ حيث تلتزم الحكومة بتطوير تشريعات مرنة تضمن الشفافية المطلقة وتغلق الثغرات قبل حدوث التجاوز، بينما تضطلع الأجهزة الرقابية والسيادية بدورها الحازم في إنفاذ القانون بمسطرة واحدة فوق الجميع، بالتزامن مع دور إعلامي وشعبي واع يتجاوز جلد الذات وينحاز للمنجز الوطني الحقيقي.
إن هذا الحزم المسؤول يستند في جوهره إلى إرث عريق ومؤسسات أمنية وسيادية احترافية تمتلك من الخبرة والحكمة ما يمكنها من التقاط صورة المستقبل والوصول بالبلاد إليها بأمان. هذه المؤسسات التي شكلت على الدوام صمام الأمان لحفظ السيادة الوطنية وإعادة إنتاج المواقف لصالح الدولة، تدرك تماماً أن حماية الجبهة الداخلية تقتضي وجود موقف موحد يجمع المفاصل الرسمية والشعبية والإعلامية كافة في خندق واحد.
ومن هذا المنطلق، فإن المضي في إنفاذ القانون ومكافحة التجاوزات لا يعد غاية بحد ذاته، بل هو وسيلة حتمية لصون هيبة الدولة وتعزيز ثقة المواطن بمؤسساته، مما يرسخ الاستقرار الذي يعد الأساس الراسخ لكل بناء وتطور.
يتكامل هذا النهج مع الرؤية الحديثة للأمن الشامل التي طالما يطرحها سيد البلاد الملك عبدالله الثاني المعظم وتتعدى حماية الحدود الجغرافية للوطن إلى حماية مقدراته واقتصاده، حيث توفر المظلة الأمنية المستقرة والصلبة البيئة المثالية التي تمنح صاحب القرار القدرة والبيئة الآمنة لفتح ملفات التطوير الإداري والمالي دون وجل.
ان السيادة الوطنية تتحقق بكامل أبعادها حين يتلازم أمن الحدود مع أمن المقدرات، مما ينعكس إيجاباً على التنمية المستدامة، ويحول مكافحة الخلل الإداري والمالي من مجرد إجراء رقابي إلى خطوة استراتيجية مدروسة لتحسين البيئة الاستثمارية وجذب المشاريع الكبرى التي تخدم الاقتصاد الوطني وتوفر الفرص لأبناء وبنات الوطن.

في المحصلة، فإن هذا التحول الإصلاحي الذي يقوده الأردن اليوم يعزز من منعة الدولة ويقوي جبهتها الداخلية في مواجهة التحديات الإقليمية كافة. فعندما يرى المواطن أن القانون هو المرجعية الأولى والأخيرة، وأن مؤسساته الوطنية تعمل بأعلى درجات الاحترافية لضمان العدالة وتكافؤ الفرص، يتحول الانتماء من شعور وجداني إلى ممارسة مواطنة مسؤولة تسهم في بناء الدولة وتعظيم منجزاتها.
الأردن اليوم يثبت مجدداً أنه يمتلك الإرادة السياسية والمؤسسية لإعادة صياغة الرواية الوطنية القائمة على النزاهة والعمل الدؤوب، لتظل مسيرته محصنة بهيبة القانون وعزيمة رجالاته المخلصين.

شاهد ايضا

Focus Mode