كشفت دراسة جديدة أن الشباب الذين يقضون ساعتين أو أكثر يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر عرضة لاختبار أعراض الاكتئاب وتراجع الشعور بالرفاه النفسي.
وأُجريت الدراسة من قبل معهد مردوخ لأبحاث الأطفال في أستراليا، وتابعت نحو 1200 طالب من مدارس مدينة ملبورن على مدى عقد كامل، تراوحت أعمارهم بين 9 و19 عامًا.
واعتمد الباحثون على بيانات جُمعت بين عامي 2015 و2021، حيث طُلب من المشاركين الإبلاغ ذاتيًا عن الوقت الذي يقضونه على وسائل التواصل الاجتماعي خلال يوم دراسي عادي، إضافة إلى تقييم مشاعرهم المتعلقة بالاكتئاب والقلق وإيذاء النفس وتراجع الرفاه النفسي.
ولم تسأل الدراسة المشاركين عن المنصات التي يستخدمونها، كما صنّفت الاستخدام المرتفع بأنه أكثر من ساعتين يوميًا.
ويرى بعض الخبراء أن هذه المحددات تجعل من الصعب اعتبار النتائج دليلًا قاطعًا على أن وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب الرئيسي لتدهور الصحة النفسية لدى الشباب.
وقالت الباحثة ناندي فيجاياكومار إن هناك نقصًا ملحوظًا في الدراسات التي تبحث تأثير وسائل التواصل الاجتماعي باختلاف المراحل العمرية، مضيفة: «ما زلنا نعرف القليل نسبيًا حول ما إذا كانت بعض المراحل العمرية تمثل فترات أكثر حساسية تجاه الأضرار المحتملة لوسائل التواصل الاجتماعي».
وأوضحت أن فهم هذه الفروقات يساعد في تحديد التوقيت الأنسب لبرامج الوقاية والتدخل.
وأظهرت الدراسة أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي بين عمر 12 و18 عامًا ارتبط بزيادة طفيفة في خطر ظهور أعراض الاكتئاب بعد عام واحد، وكان التأثير أكثر وضوحًا خلال مرحلة المراهقة المبكرة، خاصة لدى الفتيات بين 12 و13 عامًا.
وقالت فيجاياكومار إن هذه المرحلة تمثل عادة بداية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتعلم كيفية التفاعل عبر الإنترنت، لكنها تتزامن أيضًا مع تغيرات اجتماعية وعصبية مهمة.
وأضافت: «يصبح الشباب أكثر حساسية لتقبل الأقران وردود أفعالهم ومشاعر الاستبعاد الاجتماعي، في وقت لا تزال فيه أجزاء الدماغ المسؤولة عن تنظيم المشاعر في طور النضج».
من جانبه، قال أستاذ الاتصال الرقمي في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا دانيال أنغوس إن الدراسة تواجه عددًا من القيود المنهجية، مشيرًا إلى أن الارتباطات المكتشفة وُصفت بأنها «طفيفة» ولم ترقَ إلى إثبات علاقة سببية مباشرة.
وأضاف أن الاعتماد على التقارير الذاتية لاستخدام الوسائط الرقمية يمثل إشكالية، إذ قد يبالغ المشاركون أو يقللون من تقدير الوقت الذي يقضونه على الإنترنت تحت تأثير الضغوط أو المعايير الاجتماعية.
وأكد أن معرفة الوقت الذي يقضيه المراهقون على وسائل التواصل لا توضح بالضرورة طبيعة ما يقومون به خلال هذا الوقت، مشيرًا إلى أن الدراسة لم تميز بين الاستخدام النشط مثل التفاعل والنشر، والاستخدام السلبي القائم على التصفح فقط، كما لم تتناول طبيعة المحتوى أو التجارب التي يتعرض لها المستخدمون.
وأوضح أن وسائل التواصل الاجتماعي لا ينبغي التعامل معها ككيان واحد متجانس، بل إن نوع النشاط هو العامل الأكثر أهمية في فهم التأثيرات النفسية.
وقال: «عندما نحصل على بيانات أكثر تفصيلًا يمكننا تحديد أنواع الاستخدام التي تستحق القلق فعلًا»، مضيفًا أن الأمر يشبه معرفة أن شخصًا يشاهد التلفزيون لساعتين يوميًا، إذ إن نوع المحتوى أهم من مدة المشاهدة.
وتأتي الدراسة بعد ستة أشهر من تطبيق الحكومة الأسترالية حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون سن معينة، حيث أظهرت أبحاث حديثة أن معظم الشباب ما زالوا قادرين على الوصول إلى حساباتهم بسهولة.
كما أفادت نتائج أخرى بأن بعض المراهقين الذين فقدوا إمكانية الوصول إلى المنصات فقدوا أيضًا أحد أهم مصادر حصولهم على الأخبار والمعلومات.
وخلصت الدراسة إلى أن العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، وأن طبيعة الاستخدام والسياق المحيط به قد يكونان أكثر أهمية من عدد الساعات التي يقضيها المستخدم على المنصات الرقمية.

