تمكن الذكاء الاصطناعي من حل مسألة رياضية شهيرة حيّرت البشر لما يقرب من قرن، في وقت كانت فيه أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً غير قادرة حتى وقت قريب على إجراء عمليات حسابية معقدة.
إلا أنه بحلول العام الماضي، بدأت هذه النماذج تحقق أداءً عالياً جداً، بل باتت تحل مسائل كلاسيكية في الهندسة التوافقية باستخدام نظرية الأعداد الجبرية، وانتقلت خلال فترة قصيرة نسبياً من مستوى متواضع إلى مستوى يبعث على القلق من حيث قدراتها.
لكن علماء الرياضيات أُصيبوا بالذهول عندما أعلنت شركة OpenAI أن أحد نماذجها نجح في حل لغز يُعرف باسم “مسألة المسافة الواحدة” دون أي مساعدة بشرية أو الحاجة إلى كتابة معادلات على الألواح، وفق ما نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال”.
وقد تمكن الذكاء الاصطناعي من إنجاز ما حاول العديد من الباحثين المتميزين القيام به وفشلوا فيه على مدى سنوات طويلة.
“محطة فارقة”
وفي هذا السياق، قال نوغا ألون، أستاذ في جامعة برينستون: “هذه أول نتيجة يُنتجها الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل، وأجدها مثيرة بحد ذاتها، وليس فقط كمؤشر على ما هو قادم”.
بدوره، اعتبر دانيال لِت، أستاذ مساعد بجامعة تورونتو، أن “حل مسألة المسافة الواحدة يمثل بلا شك محطة فارقة في رياضيات الذكاء الاصطناعي”. وأضاف: “لو أن إنساناً كتب هذا البحث وقدّمه إلى مجلة Annals of Mathematics وطلب مني رأياً سريعاً، لكنت أوصيت بقبوله فوراً”.
فيما رأى تيموثي غاورز، أستاذ في كوليج دو فرانس والحاصل على ميدالية فيلدز، إحدى أعلى الجوائز في الرياضيات، أنه “سيصبح من الصعب جداً على البشر منافسة الذكاء الاصطناعي في حل المسائل الرياضية”.
وتعود هذه المسألة التي حلها الذكاء الاصطناعي إلى نحو 80 عاماً، حين طرحها عالم الرياضيات الشهير بول إردوش، أحد أكثر الرياضيين إنتاجاً في التاريخ، والذي كان شخصية غريبة الأطوار، يعيش متنقلاً بحقيبة واحدة ويعمل بلا توقف.
وكانت مسألة “المسافة الواحدة” من المسائل المفضلة لديه، إذ بدأ بمكافأة قدرها 300 دولار ثم رفعها إلى 500 دولار.
ما هي المسألة ببساطة؟
مفاد المسألة التي حيّرت العلماء هو: “إذا وضعت نقطة N على ورقة، كم عدد الأزواج من هذه النقاط التي يمكن أن تكون المسافة بينها وحدة واحدة فقط؟”.
في عام 1946، أظهر إردوش أن ترتيب النقاط على شكل شبكة يعطي عدداً معيناً من الأزواج، وافترض أنه لا يمكن لأي ترتيب آخر تحقيق عدد أكبر بكثير.
لكن نموذج OpenAI وجد ترتيباً أفضل، أي أن الحل لم يكن إثبات الفرضية بل نقضها.
وفي السياق، أكد باحثون في الشركة أنهم قدموا المسألة للنموذج لاختبار قدراته ولم يتوقعوا النتيجة. وقال ميهتاب ساوهني: “في البداية لم أصدق”.
لذلك قاموا بالبحث عن أخطاء، وتحققوا من النتائج مع خبراء خارجيين، واستخدموا أدوات أخرى من الذكاء الاصطناعي للتحقق من البرهان، لكن في النهاية بدا الحل صحيحاً ومذهلاً.
ويبدو أن النموذج نجح في حل المسألة لأنه نقض فكرة أو فرضية إردوش، على عكس معظم البشر الذين حاولوا إثباتها، إذ إنه من خلال تجربة مسارات غير تقليدية، وجد الذكاء الاصطناعي طريقاً غير متوقع للحل.