الدكتور نضال المجالي
في الوقت الذي كان فيه الجنود الأردنيون يراقبون السماء بعيون لا تعرف النعاس، يتصدّون لصواريخ ومسيّرات قادمة من جهة يعرفها الجميع، كان مشهدٌ آخر يجري بهدوء لافت: مائدة إفطار رمضاني عامرة داخل السفارة ذاتها. والمفارقة أن المدعوين لم يكونوا دبلوماسيين، بل كتابا وصحفيين وإعلاميين يفترض أنهم شهود على اللحظة… لا جزء من مفارقتها.
في الخارج كان السؤال: هل الهدف معادٍ؟
وفي الداخل كان السؤال: هل الشوربة ساخنة؟
الجنود كانوا يحسبون المسافات والارتفاعات، ويتابعون مسار صاروخ قد يقطع مئات الكيلومترات قبل أن يهدد الأرض. أما على المائدة فكانت الحسابات أبسط بكثير: تمرٌ أولا، ثم حساء، ثم صور تذكارية وابتسامات دبلوماسية.
وبينما كانت الصور تنتشر، أرسل لي صديق إعلامي شريف اجتمع معه بالاسم والغضب من الموقف قائمة بالوجوه التي حضرت. تأملت الصور طويلا؛ وجوه كتاب وصحفيين وإعلاميين يفترض أنهم ضمير الكلمة. لكنها بدت – للمفارقة – كأنها خرجت من دفاتر الحكايات الشعبية: وجوه تشبه صور أولاد وبنات وشيوخ أوراق الشِّدّة. ولم يكن امامي غير التعليق، بل كان دعاء مختصرا: أن لا يجمعنا الله بهذه الأشكال لا في الدنيا ولا في الآخرة.
المفارقة هنا قاسية: من يفترض أنهم يكتبون الرواية للناس، جلسوا داخل المشهد نفسه الذي يحتاج إلى تفسير. كتاب وصحفيون وإعلاميون… لكن في تلك الليلة كان الصمت أبلغ من كثير من المقالات.
وتناسوا انه في اليوم ذاته، كان ولي العهد يلتقي جندي يشكره على دوره في توعية المواطنين من التجمهر حول صاروخ دولة سفارتهم الذي هبط بين الأردنيين، ورئيس الأركان يزور وحدة عسكرية يثني ويتابع دورهم في الكشف والتفكيك لتلك الصواريخ، وعائلة تطمئن على قريب اصيب بجروح من شظية صاروخ اطلقوه، وقيادة تعزي أشقاء ماتوا في دولة عربية. هناك حديث عن الأمن والخطر وكيف يُحمى الوطن، ولكن داخل أسوار سفارة اجتمعوا فيها حديث عن البروتوكول والولائم وكأن السماء فوق الأردن كانت مجرد خلفية بعيدة.
الصورة في النهاية بسيطة جدا:
جنود يرفعون أعينهم نحو السماء ليحموا البلاد،
وآخرون يرفعون كؤوس العصير نحو مرسل الدعوة لهم.
أما التاريخ، فعادة لا يتذكر كثيرا تفاصيل الولائم… لكنه يتذكر جيدا من كان على خط الدفاع، ولن ينسى من رفع كأس العصير في سفارتهم.