عمان – أثار تصريح وزير الإعلام اللبناني بول مرقص أول من أمس خلال أعمال ملتقى مستقبل الاتصال والإعلام في عمّان، بأن التطور التكنولوجي والتحول الرقمي واقعان يفرضان على المؤسسات الإعلامية مواكبتهما والاستفادة من الإمكانات التي يتيحانها، تساؤلا حول كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لتطوير المحتوى وتعزيز مصداقيته.
واعتبر مرقص أن التكنولوجيا يجب أن تشكل إضافة إلى الإعلام لا بديلا عنه.
وقال إن التعامل مع التطور التكنولوجي ينبغي ألا يقوم على وضع الإعلام والتكنولوجيا في حالة تضاد، بل على تحقيق التكامل بينهما بما يعزز إمكانات العمل الإعلامي ويتيح تطوير أدواته.
لا تعويض عن الصحفي
تعليقا على ذلك، أكد أستاذ القانون والجرائم الإلكترونية والخبير في تشريعات الإعلام الدكتور أشرف الراعي، أن الذكاء الاصطناعي بات واقعا حاضرا في العمل الإعلامي، ولم يعد مجرد خيار تقني يمكن للمؤسسات تجاهله، في ظل التسارع المتواصل في أدوات الاتصال وإنتاج المحتوى.
وأوضح الراعي أن مواكبة هذه التحولات والاستفادة من إمكاناتها أصبحت ضرورة لتطوير الأداء الإعلامي وتعزيز الوصول إلى الجمهور، شريطة ألا يكون ذلك على حساب مصداقية الرسالة الإعلامية أو الدور المهني والإنساني للصحفي.
وأشار إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح للمؤسسات الإعلامية إمكانات واسعة في تحليل المعلومات والبيانات، والتحقق من الأخبار، ورصد المحتوى المضلل، وتطوير أساليب التحرير والإنتاج.
وشدد الراعي على ضرورة التعامل مع هذه الأدوات بحذر ومسؤولية، لأن سرعة إنتاج الأخبار لا تعني بالضرورة دقتها، كما أن قدرة الأنظمة الذكية على صياغة المحتوى لا تعني امتلاكها القدرة على فهم أبعاده الإنسانية والاجتماعية أو تقدير تداعيات نشره.
وبيّن أن المسؤولية القانونية تمثل أحد أبرز التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، خصوصا عند نشر معلومات غير صحيحة، أو محتوى ينتهك الخصوصية ويمس سمعة الأفراد أو يتعدى على حقوق الملكية الفكرية.
وأكد أن الاستعانة بالتكنولوجيا لا تعفي المؤسسات الإعلامية أو القائمين على النشر من المسؤولية القانونية متى توافرت شروطها، مشيرا إلى ضرورة إخضاع المحتوى الذي تنتجه الأنظمة الذكية للأحكام القانونية ذات الصلة، وفقا لطبيعته والآثار المترتبة عليه.
تشريعات تواكب التطور
ولفت الراعي إلى أن التحولات التقنية تستدعي تطوير التشريعات الإعلامية بما يتناسب مع المستجدات، ومعالجة القضايا المرتبطة بالمحتوى المصطنع والتزييف العميق وحماية البيانات الشخصية.
وشدد في الوقت نفسه على أهمية ألا تتحول مواجهة المخاطر الرقمية إلى ذريعة لفرض قيود غير متناسبة على حرية الصحافة والتعبير، مؤكدا ضرورة الموازنة بين حماية الحقوق والحريات وضمان ممارسة العمل الإعلامي بمسؤولية.
وفي الجانب الأخلاقي، أوضح الراعي أن المصداقية لا تتحقق بمجرد استخدام أدوات متقدمة للتحقق من المعلومات، بل تستند أساسا إلى الضمير المهني الذي يوجّه العمل الصحفي.
وقال “إن الصحفي مسؤول عن التثبت من صحة المعلومات، واحترام خصوصية الأفراد، وتجنب التضليل والتلاعب بالحقائق، فضلا عن مراعاة حق الجمهور في معرفة ما إذا كان المحتوى الذي يتلقاه قد أُنتج أو خضع لتعديلات جوهرية باستخدام الذكاء الاصطناعي”.
وأضاف أن بعض الممارسات قد تكون ممكنة تقنيا ولا تشكل بالضرورة مخالفة قانونية، لكنها تثير تساؤلات أخلاقية تستوجب التوقف عندها، موضحا أن ما تسمح به التكنولوجيا ليس بالضرورة مناسبا للنشر، وأن المنافسة على سرعة الوصول إلى الجمهور لا تبرر تجاوز القيم المهنية التي تقوم عليها الصحافة.
الصحفي محور العملية الإعلامية
وأكد الراعي أن الصحفي سيبقى في صلب العملية الإعلامية مهما تطورت أدوات الذكاء الاصطناعي، لأن العمل الصحفي لا يقتصر على جمع المعلومات وصياغتها، بل يتطلب فهم السياقات، والقدرة على التحليل، وتقدير المصلحة العامة، واستشعار المسؤولية تجاه الأفراد والمجتمع.
ودعا المؤسسات الإعلامية إلى وضع ضوابط واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، وتدريب الصحفيين على الجوانب القانونية والأخلاقية المرتبطة بهذه التقنيات، مع ضمان استمرار الرقابة البشرية على المحتوى قبل نشره.
وشدد على أن مستقبل الإعلام لا ينبغي أن يُبنى على صراع بين الصحفي والتكنولوجيا، بل على شراكة توظّف قدرات الذكاء الاصطناعي دون التخلي عن المسؤولية المهنية.
وأوضح الراعي أن هذه الأدوات قد تساعد الصحفي على إنجاز الخبر بسرعة أكبر، لكنها لا تمنحه المصداقية، التي تنبع من التزامه بالحقيقة واحترامه للإنسان وإدراكه لمسؤوليته عما ينشره.
تعزز قدرات الإعلام
بدوره، أكد الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي، أن توظيف الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية لم يعد مقتصرا على تحديث الأدوات التقنية، بل أصبح تحولا يؤثر في مختلف مراحل العمل الصحفي، بدءا من جمع المعلومات وتحليلها مرورا بالتحقق من صحتها وإنتاج المحتوى، وصولا إلى تقديمه للجمهور بطرق أكثر تنوعا وفاعلية.
وأشار الصفدي إلى أن المؤسسات الإعلامية تستطيع الاستفادة من هذه التقنيات في أتمتة المهام المتكررة وتحليل البيانات والوثائق، والتحقق من الأخبار والصور، ورصد المحتوى المضلل، إلى جانب إعادة إنتاج المواد الإعلامية بصيغ متعددة تتناسب مع احتياجات الجمهور وتفضيلاته.
ولفت إلى أن تجارب مؤسسات إعلامية دولية، من بينها وكالة رويترز وصحيفة “واشنطن بوست” ومؤسسة “فول فاكت” البريطانية، تظهر إمكانات الذكاء الاصطناعي في دعم التحقيقات الاستقصائية وتسريع التغطية الإخبارية وتوسيع نطاق التحقق من المعلومات، فضلا عن تطوير المحتوى القائم على تحليل البيانات.
مسؤولية مشتركة
وشدد الصفدي على أن الاستفادة من هذه الإمكانات لا تتحقق بمجرد إدخال التقنيات الحديثة إلى غرف الأخبار، بل تتطلب منظومة متكاملة من الضوابط والمسؤوليات التي تضمن الاستخدام المهني والأخلاقي للتكنولوجيا.
وأوضح أن الدولة والجهات التنظيمية مطالبة بتطوير تشريعات وسياسات تحمي حرية الإعلام والخصوصية وحقوق الملكية الفكرية، وتتيح في الوقت نفسه المجال للابتكار المسؤول.
وتابع: “تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية مسؤولية وضع قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، والتحقق من مخرجاته، والإفصاح عن المحتوى الاصطناعي عندما تستدعي طبيعة المادة ذلك”.
وأضاف الصفدي أن الشركات المطورة مطالبة بتحسين دقة الأنظمة وشفافيتها وتعزيز حماية البيانات والحد من التحيز الخوارزمي، في حين يتعين على الصحفيين تطوير مهاراتهم الرقمية والحفاظ على استقلاليتهم المهنية والتثبت من المعلومات قبل نشرها.
ولفت إلى أهمية تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، بما يساعد على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل، والتعامل بوعي مع المواد التي تنتجها الأنظمة الذكية أو تعدّلها.
في قلب العملية الإعلامية
وأكد الصفدي أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يبقى أداة مساندة للصحفي، لا بديلا عنه، موضحا أن هذه التقنيات قادرة على تسريع عمليات البحث وتحليل المعلومات، لكنها لا تعوّض الحكم المهني أو التواصل الإنساني مع المصادر أو المسؤولية الأخلاقية والقانونية المرتبطة بالنشر.
وبيّن أن التجارب الدولية تظهر أن نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإعلام يرتبط بوجود مراجعة بشرية فعالة، ومصادر يمكن التحقق منها، وضوابط تحمي الحقوق، ومؤسسات تتحمل مسؤولية المحتوى الذي تنشره.
وأشار إلى أن التحدي أمام المؤسسات الإعلامية العربية لا يتمثل في التسابق إلى تبني أحدث التقنيات، بل في اختيار التطبيقات التي تلبي احتياجاتها الفعلية وبناء القدرات اللازمة لاستخدامها بكفاءة، ووضع قواعد تضمن توجيه التكنولوجيا لخدمة المصلحة العامة.
وأضاف أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تكاملا بين السياسات الوطنية والتشريعات والحوكمة داخل المؤسسات الإعلامية والمسؤولية التقنية والمهنية، إلى جانب رفع مستوى الوعي لدى الجمهور.
المصداقية معيار النجاح
ورأى الصفدي أن تقييم نجاح المؤسسات الإعلامية في استخدام الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يستند إلى حجم المحتوى الذي تنتجه أو سرعة نشره بل إلى قدرتها على تقديم صحافة أكثر دقة ومصداقية واستقلالية، وإجراء تحقيقات معمقة وحماية مصادرها ومساءلة أصحاب القرار، والاستجابة لاحتياجات المجتمع.
وأوضح أن هذه التقنيات يمكن أن تسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات، واكتشاف الأدلة، وتحسين طرق تقديم المحتوى والتفاعل مع الجمهور، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الضمير المهني أو التقدير الإنساني أو المسؤولية عن الحقيقة.
وأكد الصفدي أن الهدف النهائي يتمثل في بناء إعلام أكثر كفاءة وموثوقية واستقلالية، يوظف قدرات الذكاء الاصطناعي لتعزيز قيمة العمل الإنساني، مع الحفاظ على دور الصحفي بوصفه مسؤولا عن التحقق والتفسير والمساءلة والتواصل مع المجتمع.
“الغد”

