عمان- لم تعد الاعتداءات المتكررة على المطارات والمنشآت الحيوية السعودية مجرد حلقات في مسلسل التصعيد الإقليمي، بل باتت تثير تساؤلات حول انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر اتساعا، تتجاوز فيه الأهداف العسكرية إلى شرايين الاقتصاد وحركة النقل واستمرارية الخدمات.
ووفق تحليلات خبراء سياسيين وإستراتيجيين، في تصريحات صحفية ، فإن هذه الهجمات تعكس مسارين متداخلين؛ أولهما تصعيد متزايد في ظل الضغوط الأميركية على إيران واحتمالات توسيع دائرة المواجهة، وثانيهما تطور في أدوات الضغط، يجعل تعطيل المنشآت الحيوية وسيلة لإرباك الدول ورفع تكلفة المواجهة عليها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الصراع دخل مرحلة جديدة بالكامل، فاستهداف البنية التحتية أسلوب معروف في الحروب، لكن كثافة الهجمات واتساع تداعياتها يمنحانه أبعادا أكثر خطورة، تمتد من اضطراب حركة الطيران والتجارة إلى زيادة الأعباء الأمنية والاقتصادية، وفق الخبراء.
وتضع الهجمات المتكررة على مطاري الملك خالد في الرياض والملك فهد في الدمام، وما رافقها من قتلى ومصابين وتعليق للرحلات وتحويل مساراتها، المواجهة أمام منعطف يتجاوز الاستهداف العسكري إلى تهديد أمن الطيران وحركة النقل والاقتصاد.
وبحسب مؤشرات الخبراء، تعكس هذه التطورات تصعيدا في أدوات الضغط واتساعا في تداعياته، وسط ضغوط أميركية على إيران ومخاوف من امتداد المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى، فيما تضع الرياض أمام خيارات صعبة بين احتواء الهجمات عبر تسوية سياسية أو الانخراط في مواجهة أوسع وأكثر تكلفة.
وفي حين لا يعني استهداف المنشآت الحيوية بالضرورة تغير قواعد الصراع بالكامل، فإن تكراره يرفع تكلفة الحماية والتشغيل ويهدد استمرارية الخدمات، بما يجعل قدرة الدول على حماية بنيتها التحتية والحفاظ على عملها الطبيعي جزءا أساسيا من معادلة المواجهة.
ويشير المختصون إلى أنه بينما يبقى توصيف المرحلة موضع تقدير، تبرز حقيقة أساسية؛ لم تعد المواجهة تقاس بحجم الدمار وحده، بل بقدرة الدول على حماية منشآتها وضمان استمرار الحياة والخدمات، ومنع الهجمات من التحول إلى استنزاف طويل الأمد.
مواجهات المرحلة الجديدة
وفي تفسيره لأبعاد هذا التصعيد، يرى الخبير والمحلل السياسي د. عامر السبايلة، أن الهجمات المتكررة على المطارات والمنشآت الحيوية لا تندرج في إطار نمط التصعيد القائم فحسب، بل تشير إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة وأكثر حدة، في ظل تعمق الأزمة الإيرانية وتصاعد الضغوط الأميركية على طهران، بما ينذر بتوسيع نطاق المواجهة وتفعيل مزيد من أوراق الضغط الإقليمية.
ويشير السبايلة إلى أن المرحلة الحالية قد تدفع إيران إلى إعادة توظيف ما تبقى لديها من أوراق، وفي مقدمتها ورقة الحوثيين، إلى جانب توسيع نطاق الاستهداف ليشمل السعودية، في سياق مساعيها للرد على الضغوط المفروضة عليها.
ويربط في هذا الإطار بين تصاعد الهجمات على المطارات والمنشآت المتصلة بالطيران وبين ما تعتبره طهران حصارا جويا يستهدف قطاع طيرانها المدني ويحد من قدرته على العمل.
ويضيف أن إيران قد تسعى إلى إعادة إنتاج إستراتيجية تقوم على توسيع دائرة الفوضى وربطها باستهداف الطيران والمطارات، بما يتيح لها توسيع نطاق المواجهة ونقل تداعياتها إلى ساحات إقليمية أخرى، في محاولة لاستخدام هذه الملفات كأدوات ضغط في مواجهة خصومها.
وفي المقابل، يلفت السبايلة إلى أن الولايات المتحدة تمضي في تعميق حصارها على إيران، بالتوازي مع تهيئة الظروف لاحتمال توجيه ضربة عسكرية لها، ويعكس هذا التوازي، وفق قراءته، مسارا تصعيديا تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع محاولات توسيع نطاق الاستهداف الإقليمي.
ويجدد السبايلة تأكيده بأن المؤشرات الراهنة توحي بأن المواجهة تتجه نحو مرحلة تصعيد جديدة، في ظل سعي إيران إلى تفعيل أوراقها المتبقية، مقابل استمرار الولايات المتحدة في تشديد الضغط عليها والاستعداد لخيارات أكثر حدة، الأمر الذي يجعل استهداف المطارات والمنشآت الحيوية جزءا من مشهد أوسع يتجاوز حدود الهجمات المتفرقة إلى تصعيد متعدد المسارات.
اتساع الأهداف
وفي معرض حديثه عن طبيعة المرحلة الراهنة، يؤكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة، أن الهجمات المتكررة على المطارات والمنشآت الحيوية تعكس تطورا في أنماط التصعيد القائم منذ سنوات، من حيث كثافة الهجمات واتساع نطاق الأهداف وتداعياتها، محذرا من تحولها إلى أداة ضغط تستهدف قدرة الدول على تشغيل مرافقها الأساسية والحفاظ على استمرارية خدماتها.
ويقول الدعجة إن المسألة “ليست مجرد تكرار لما جرى في السابق”، مضيفا إن خطورة هذه الهجمات تكمن في قدرتها على إرباك المرافق الإستراتيجية وتعطيل وظائفها، حتى من دون تدميرها بالكامل.
ويشير إلى أن تكرار الهجمات على مطار الملك خالد الدولي في الرياض خلال خمسة أيام، وما رافقه من اضطراب واسع في حركة الطيران، يقدم مثالا على حجم التداعيات التشغيلية والاقتصادية التي يمكن أن تنتج عن استهداف منشأة حيوية.
ويرى أن استهداف هذه المنشآت يختلف في آثاره عن ضرب المواقع العسكرية التقليدية، إذ لا تقتصر نتائجه على الجانب الميداني، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع والحياة اليومية، فالمطارات ترتبط بحركة المسافرين والتجارة والشحن والاستثمار، فيما يؤدي تعطيل مرافق الطاقة والمياه إلى تهديد استمرارية الخدمات الأساسية، ويحذر من إمكانية أن يتجاوز “أثر الهجوم حدود الدولة المستهدفة ويمتد إلى شبكة النقل الإقليمية والدولية”، بفعل الترابط بين المرافق والخدمات.
وفيما يتعلق بقدرة الدفاعات الجوية على حماية المنشآت الحيوية، يشدد الدعجة على أن وقوع إصابة لا يعني بالضرورة فشل المنظومة الدفاعية، موضحا أن تقييم كفاءتها يتطلب النظر إلى حجم الهجوم ونتائج عمليات الاعتراض وطبيعة التهديدات والقدرات المتاحة.
ويؤكد أن الحماية الفاعلة لا تقوم على امتلاك منظومات متطورة فحسب، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل الرصد والإنذار المبكر وتبادل المعلومات والتنسيق بين الجهات العسكرية والمدنية، إلى جانب خطط تضمن استمرار الخدمات عند وقوع الطوارئ.
إرباكات لوجستية
وعن الأهداف المحتملة لهذه الهجمات، يحدد الدعجة أبعادا عسكرية واقتصادية ونفسية وسياسية، تبدأ بإرباك الحركة اللوجستية ورفع تكاليف التشغيل والتأمين، ولا تنتهي عند بث الشعور بعدم الاستقرار والضغط على صانع القرار، لكنه يحذر من الجزم بدوافع موحدة لجميع الهجمات، مشددا على ضرورة التمييز بين الوقائع المثبتة والتقديرات التحليلية، وربط كل حادثة بظروفها وسياقها.
ويعتبر الدعجة أن تكرار الضربات قد يشير إلى محاولة استنزاف إجراءات الحماية وإبقاء السلطات في حالة استنفار مستمر، بما يفرض أعباء إضافية على الدولة في مجالات التأمين والإصلاح والاستجابة للطوارئ.
ويصف هذا المسار بأنه “استنزاف الاستمرارية”، حيث تضطر الدولة إلى تخصيص موارد متواصلة لحماية مرافقها وضمان استمرار عملها، حتى عندما تكون الأضرار المادية محدودة.
وعلى هذا الأساس، يرى أن ما يجري قد يعكس توسعا في أدوات الضغط ومجالات المواجهة، أكثر من كونه دليلا قاطعا على انتقال جميع الصراعات إلى مرحلة جديدة. فاستهداف البنية التحتية ليس ظاهرة مستحدثة في الحروب، لكن تطور الصواريخ والطائرات المسيّرة وتشابك شبكات النقل والطاقة والاتصالات يزيدان من حساسية المنشآت الحيوية تجاه التهديدات، ويضاعفان احتمالات انتقال آثار الهجوم إلى قطاعات أخرى، بحسبه.
ويشدد الدعجة على أن مواجهة هذا النوع من التهديدات تتطلب الانتقال من حماية المنشأة بمعناها المحدود إلى حماية المنظومة التي تعتمد عليها، من خلال تعزيز الإنذار المبكر والتنسيق الإقليمي، ووضع خطط بديلة لاستمرار خدمات النقل والطاقة والمياه والاتصالات، بالتوازي مع تكثيف الجهود الدبلوماسية لمنع اتساع رقعة الصراع واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
أولويات أردنية
وبالنسبة إلى الأردن، يضع الدعجة حماية السيادة والمجال الجوي والمنشآت الحيوية ورفع الجاهزية الدفاعية ضمن الأولويات، إلى جانب التحرك الدبلوماسي لتجنب توسع المواجهة، مؤكدا أن المملكة معنية بحماية أمنها واستقرارها ومصالحها الوطنية، لا أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ويشير إلى أن الهجمات المتكررة على المطارات والمنشآت الحيوية لا يمكن التعامل معها بوصفها حوادث منفصلة أو عابرة، لكنها لا تثبت وحدها تغير قواعد الحرب بالكامل.
فالمؤشر الأهم، وفق قراءته، هو قدرة هذه الهجمات على إحداث اضطراب واسع وفرض تكلفة مستمرة على الدول المستهدفة، ما يجعل التحدي الحقيقي في الجمع بين الدفاع متعدد الطبقات والاستعداد المدني الفاعل والدبلوماسية الوقائية، لأن قوة الدولة “لا تظهر فقط في قدرتها على اعتراض الصواريخ، بل في قدرتها على حماية الإنسان وضمان استمرار الحياة رغم التهديدات”.
تغير موازين القوى
وحول ما إذا كانت الهجمات تمثل تحولا في مسار المواجهة، يؤكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن الهجمات المتكررة على المطارات والمنشآت الحيوية، بالتوازي مع التهديدات البحرية والصاروخية، تشير إلى نمط تصعيد غير مسبوق في المواجهة مع السعودية، وتعكس تغيرا في ميزان القوى، بعدما باتت المملكة تواجه بعض أدوات الضغط التي استخدمتها سابقا في الحرب على اليمن.
ويشير شنيكات إلى أن استمرار هذا المسار يضع الرياض أمام خيارات صعبة، بين الذهاب نحو تسوية توقف الخسائر البشرية والمادية، أو الانخراط بصورة أوسع في الحرب بما يحمله ذلك من أعباء عسكرية واقتصادية.
ويعتبر أن التسوية تبدو خيارا عقلانيا، لكنها تصطدم بشروط يمنية تتعلق برفع الحصار وخروج القوات السعودية والقوات الموالية لها، وربما المطالبة بتعويضات عن تكاليف الحرب.
ويحذر من أن استمرار المواجهة يرفع تكلفتها على السعودية، خصوصا في ظل التحديات التي تواجه صادرات النفط والضغوط على الموازنة والخطط التنموية، لافتا إلى أن “الاستمرار في هذا النمط من الحروب مكلف”، ويهدد بتحويل المواجهة إلى استنزاف طويل الأمد.
ويستحضر في هذا السياق تجارب قوى إقليمية ودولية تدخلت في اليمن، معتبرا أن سجلها التاريخي لا يشجع على التورط في حرب مفتوحة.
وفي المقابل، يلفت شنيكات إلى أن اتساع نفوذ الحوثيين، إذا تأكدت التقارير بشأنه، قد يزيد تعقيد المشهد ويرفع مخاطر التصعيد، فيما يبقى الموقف الأميركي عاملا مؤثرا في تحديد المسار المقبل، في ظل غموض حدود الدعم العسكري للسعودية وتباين الأولويات الأميركية المرتبطة بأمن الملاحة في المنطقة.
وبحسب قراءته، فإن المواجهة تقف أمام مسارات متباينة، من التسوية إلى التصعيد الأوسع، لكن العامل الحاسم يبقى في حسابات التكلفة وتوازن القوى، فالهجمات لا تعكس ضغطا أمنيا فحسب، بل تضع السعودية أمام اختبار إستراتيجي يتعلق بقدرتها على احتواء التهديدات من دون الانزلاق إلى حرب أكثر تكلفة وتعقيدا.
“الغد”

