عمان- حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن من تداعيات نقص التمويل الدولي، والتي بدأت تنعكس على آليات تقديم الخدمات الصحية للاجئين في مخيمي الزعتري والأزرق.
وبحسب المفوضية، يدفع نقص التمويل المفوضية وشركاءها لإعادة ترتيب أولويات الخدمات الصحية في المخيمين، والتركيز على الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، في محاولة لضمان استمرار تقديم الرعاية الصحية الأساسية.
وفي وقت لم تشهد فيه الخدمات الصحية الأساسية في المخيمين توقفاً شاملاً حتى الآن، حذرت المفوضية من أن استمرار نقص التمويل قد يؤثر على قدرتها وشركائها في المحافظة على مستوى الخدمات الحالي، خصوصاً الرعاية الصحية الأولية، والخدمات المقدمة للمصابين بالأمراض المزمنة، والإحالات الطبية المتخصصة.
وأكد المتحدث باسم المفوضية يوسف طه في تصريحات لـ”الغد” أن قطاع الاستجابة للاجئين في الأردن يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة النقص الحاد في التمويل، بدأت تداعياتها تظهر على آليات تقديم الخدمات الصحية للاجئين، خصوصاً في مخيمي الزعتري والأزرق.
وأوضح طه أنه رغم عدم تسجيل توقف شامل للخدمات الصحية الأساسية في المخيمين حتى الآن، فإن نقص التمويل دفع لاتخاذ إجراءات لإعادة ترتيب الأولويات، والتركيز على الخدمات المنقذة للحياة والأكثر إلحاحاً، بهدف ضمان استمرار تقديم الرعاية الصحية في ظل محدودية الموارد المتاحة.
وحذر من أن استمرار أزمة التمويل قد يضعف قدرة المفوضية وشركائها الإنسانيين على المحافظة على مستوى الخدمات الصحية الحالي، بما فيها الرعاية الصحية الأولية، والخدمات المقدمة للمصابين بالأمراض المزمنة، والإحالات الطبية المتخصصة.
وأشار إلى أن هامش المناورة المتاح لإعادة ترتيب الأولويات أصبح محدوداً للغاية، ولم يعد هناك مجال واسع لإجراء المزيد من التعديلات، ما يعني أن أي تخفيضات إضافية في التمويل قد تنعكس بصورة مباشرة على الخدمات الصحية المقدمة للاجئين.
وبين طه أن المفوضية تواصل التنسيق مع الحكومة الأردنية والشركاء والجهات المانحة لحشد الموارد المالية، لتفادي أي تداعيات سلبية على اللاجئين والمجتمعات المستضيفة، وضمان استمرار وصول الفئات الأكثر ضعفاً للخدمات الأساسية التي تحتاجها.
وكان التقرير التشغيلي الأخير للمفوضية، الذي يغطي الفترة من تموز (يوليو) وحتى أيلول (سبتمبر) 2026، قد كشف أن النقص الحاد في التمويل المخصص للقطاع الصحي دفع المفوضية وشركاءها لتعديل آليات تقديم الخدمات الصحية في مخيمي الزعتري والأزرق، بإعطاء الأولوية للاحتياجات الصحية الأساسية.
وبحسب التقرير، فإن الجهود تتركز حالياً على معالجة الفجوات القائمة بتقديم الخدمات الصحية، وحشد تمويل إضافي من الجهات المانحة، ومواصلة جهود جمع التبرعات والتواصل مع المانحين، لضمان استمرارية الخدمات الصحية الأساسية في المخيمين.
وفي هذا الإطار، أشارت المفوضية إلى أنها تعمل على تعزيز التنسيق مع وزارة الصحة والشركاء المعنيين، لبحث إمكانية دعم الخدمات الصحية المقدمة للاجئين عبر آليات التمويل الوطنية القائمة، بما فيها الصندوق الأردني للصحة للاجئين، وذلك في محاولة لإيجاد مصادر تمويل تساعد على ضمان استدامة هذه الخدمات.
وبشأن الخدمات الصحية خارج المخيمات، أظهرت بيانات المفوضية أن نحو 900 لاجئ تلقوا علاجات صحية حيوية في مرافق الرعاية الصحية العامة المرتبطة ببرامجها بين تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر) الماضيين.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار التحديات التمويلية التي تواجه برامج الاستجابة للاجئين في الأردن، إذ كشف التقرير أن المفوضية لم تحصل حتى نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي سوى على 29 % من إجمالي التمويل المطلوب للعام الحالي.
وبحسب التقرير، فإن المفوضية تحتاج لـ280 مليون دولار لتمويل برامجها في الأردن العام الحالي، لكن التمويل المتاح لم يتجاوز 29 % من إجمالي الاحتياجات، بينما ما تزال بحاجة لـ200 مليون دولار لضمان استمرار تقديم الدعم للاجئين.
ويأتي هذا العجز، في وقت ما يزال فيه 353 ألف لاجئ مسجلين لدى المفوضية في الأردن حتى نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي، يشكل الأطفال 52 % منهم، بينما يقيم 79 % داخل المجتمعات المستضيفة، مقابل 21 % يعيشون في المخيمات، ما يعكس استمرار الحاجة لتوفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية، رغم تواصل عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.
ولا تقتصر احتياجات اللاجئين على الخدمات الصحية، إذ تواصل المفوضية تقديم المساعدات النقدية المخصصة لتلبية احتياجاتهم الأساسية، بحيث استفادت نحو 13 ألف أسرة لاجئة تقيم داخل المجتمعات المستضيفة من هذه المساعدات في الأشهر الثلاثة التي يغطيها التقرير، بينما حصلت 320 أسرة على مساعدات نقدية طارئة.
وتعكس هذه المعطيات حجم ما يواجه استدامة البرامج الإنسانية في الأردن من تحديات، في ظل استمرار الحاجة لتوفير الخدمات الصحية والمساعدات الأساسية، مقابل محدودية التمويل المتاح، وما يفرضه ذلك من ضغوط على قدرة المفوضية وشركائها على المحافظة على مستوى الخدمات المقدمة للاجئين.
في المقابل، تستمر حركة العودة الطوعية للاجئين السوريين من الأردن لبلادهم، إذ كشف التقرير أن 230.5 ألف لاجئ سوري مسجل لدى المفوضية عادوا إلى سورية منذ الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024 وحتى نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي.
وبلغ عدد العائدين خلال الربع الثالث من العام الحالي 29 ألف لاجئ، مقارنة بـ56 ألفاً الفترة ذاتها العام الماضي، بانخفاض 48 %، رغم أن أشهر الصيف سجلت أعلى مستويات العودة العام الحالي.
وبحسب التقرير، بلغ عدد العائدين في تموز (يوليو) 8.5 ألف لاجئ، وارتفع إلى 10.7 ألف خلال آب (أغسطس)، قبل أن يتراجع إلى 9.5 ألف في أيلول (سبتمبر)، بينما أرجعت المفوضية الارتفاع الموسمي في حركة العودة لانتهاء العام الدراسي وتحسن الظروف الجوية، ما ساعد على تسهيل السفر والاستعدادات المرتبطة بالعودة.
ورغم استمرار حركة العودة، فإن بقاء مئات الآلاف من اللاجئين في الأردن، يعني استمرار الحاجة لتمويل الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية، خصوصاً في القطاع الصحي الذي يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة نقص الموارد المالية.
وفي ظل محدودية الخيارات المتاحة لإعادة ترتيب أولويات الخدمات الصحية، يبقى تأمين التمويل أحد أبرز التحديات أمام المفوضية وشركائها، خصوصاً مع التحذيرات من أن أي تخفيضات إضافية قد تنعكس بصورة مباشرة على الخدمات المقدمة للاجئين الفترة المقبلة.
“الغد”

