الرئيسية رئيسي“التمر المجهول”: ما هي العوائق أمام التوسع بزراعته؟

“التمر المجهول”: ما هي العوائق أمام التوسع بزراعته؟

من mk
A+A-
Reset

عمان- في قطاع زراعي اعتاد نقص المياه للاستمرار بنهوضه، تبرز التمور الأردنية استثناء واضحا، فتمر المجهول الأردني يشكل نحو 14 % من الصادرات العالمية لهذا الصنف وفق وزير الزراعة صائب الخريسات، الذي أشار إلى أن التمور تمثل حصة كبيرة من الصادرات الزراعية التي دفعت نمو القطاع إلى 7 % في الربع الأخير من عام 2025.

 

 

وتقدر جمعية التمور الأردنية الصادرات بنحو 70 مليون دولار سنوياً، مع توفير ما بين 5 و8 آلاف فرصة عمل، ووفق تقديرات رسمية يبلغ عدد أشجار المجهول مليون نخلة مزروعة على نحو 56 ألف دونم، ولكن هذا النجاح يتطلب أن نسأل عن وفرة الماء الآن، لا بعد أن يصبح السؤال متأخراً.

تحديات تواجه زراعة النخيل

يقول خبير الأمن الغدائي د.فاضل الزعبي أن نجاح التمر المجهول بنيته في الأساس استثمارات خاصة استفادت من ميزة مناخية حقيقية في وادي الأردن ومناطق الجنوب.

وتابع، هناك تحديات تواجه زراعة النخيل، فالنخلة تحتاج إلى ري منتظم وكميات كبيرة على مدار العام، والتوسع السريع في المساحات يطرح سؤالاً لا يمكن تأجيله: من أين يأتي هذا الماء؟ إن كان التوسع يعتمد على مياه جوفية غير متجددة في أحواض مستنزفة أصلاً، فإن قصة النجاح تتحول تدريجياً إلى دين مائي مؤجل.

وزاد، سوسة النخيل الحمراء هي التهديد الأكبر للقطاع باعتراف وزارة الزراعة نفسها، وانتشارها في بلد تتركز فيه زراعة النخيل في مناطق محدودة قد يمحو سنوات من الاستثمار، والحملات الموسمية لا تكفي أمام آفة بهذه الخطورة؛ داعيا لانشاء برنامج وطني دائم للرصد والحجر وتتبع الفسائل.

ولفت إلى أن من أبرز التحديات هي “سلسلة القيمة”، فقد رفعت السعودية صادرات تمورها عام 2025 إلى نحو 1.94 مليار ريال سعودي، معتمدة على مبادرة منظمة لدخول أسواق التجزئة العالمية، مشيرا إلى أن الحصة السوقية تُبنى بالعلامة والتغليف والوصول لرفوف المتاجر الكبرى، لا بالإنتاج وحده، مبينا أنه ما زال جزء كبير من التمور الأردنية يُصدَّر خاماً أو شبه خام، فيذهب جزء من القيمة إلى من يعيد تعبئتها ويبيعها باسمه.

وتساءل من يستفيد من هذا النجاح؟ القطاع تقود معظمه استثمارات متوسطة وكبيرة قادرة على تحمل كلفة الفسائل والانتظار سنوات حتى الإنتاج، وصغار المزارعين في الأغوار يقفون غالباً خارج هذه السلسلة أو على هامشها، إن لم تبن آليات تعاونية أو زراعة تعاقدية تربطهم بالمصدّرين وتتيح لهم الفسائل والتمويل، سيبقى المجهول قصة نجاح استثمارية لا قصة تنمية ريفية.

ودعا إلى ربط تراخيص التوسع في زراعة النخيل بموازنة مائية للحوض، وتفضيل المشاريع التي تعتمد على مياه معالجة أو قليلة الملوحة حيث تسمح المواصفات تسجيل مؤشر جغرافي لـ”مجهول الأردن” وبناء علامة وطنية بمواصفات جودة ملزمة.

وقال، يثبت المجهول الأردني أن الزراعة في بلد شحيح المياه يمكن أن تكون رابحة ومنافسة عالمياً، مستدركا أن الحفاظ على هذا النجاح يتطلب أن نسأل عن وفرة الماء الآن، لا بعد أن يصبح السؤال متأخراً.

قضية المياه الأكثر حرجا

من جهته قال رئيس جمعية التمور الأردنية م.أنور حداد، تعد قضية المياه في الأردن الملف الأكثر حرجاً وتأثيراً على مستقبل التنمية المستدامة؛ إذ يبلغ إجمالي المياه المتاحة للاستخدام في مختلف المجالات في المملكة نحو 1.1 مليار م3 سنوياً وفق الاستراتيجية الوطنية للمياه (2023 – 2040).

واضاف تقف حصة الفرد عند مستويات حادة بلغت حوالي 61 م3 سنوياً، ما يضع الأردن في صدارة الدول الأكثر شحاً بالمياه عالمياً، مبينا انه في ظل استهلاك القطاع الزراعي لنحو 50 % من إجمالي الاستخدامات المائية المتاحة التي تغطي 60 % فقط من احتياجاته الفعلية، تبرز ضرورة إخضاع الموارد المائية لإدارة حكومية صارمة تتولاها الجهات الرسمية المعنية، نظراً لتماس هذا الملف المباشر مع الأمن الغذائي والمائي القومي وحقوق المواطن بتأمين الغذاء ومياه الشرب، بالرغم من قدرة القطاع الخاص على إدارته بكفاءة.

وقال يُعتبر قطاع النخيل “التمر” ركيزة استراتيجية للأمن الغذائي لقيمته الغذائية العالية ورافداً أساسياً للاقتصاد الوطني بالعملات الصعبة؛ حيث تمتد مساحاته المزروعة على أكثر من 56 ألف دونم تضم أكثر من 800 مزرعة وقرابة مليون نخلة تنتج سنويا حوالي 37 ألف طن من التمور عالية القيمة، ويستحوذ صنف “المجهول” الأردني على 85 % من هذه الزراعة، متبوعاً بالبرحى بنسبة 10 %.

وبين يحظى تمر “المجهول” الأردني بطلب عالمي متزايد نظراً لميزته النسبية وشكله وطعمه وقوامه الفريد، حيث تتجاوز الصادرات 20 ألف طن بقيمة مالية تتعدى 70 مليون دولار سنوياً ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم الى 150 مليون دولار سنويا بعد اكتمال دخول كامل المساحات المزروعة بالإنتاج الكامل.

وزاد، مع معدل نمو سنوي يتجاوز 10 % في المساحات المزروعة بالنخيل، واستهلاك مائي إجمالي يصل حالياً إلى 50 مليون م3 سنوياً (بمعدل 9000 م3/هكتار)، يُتوقع ارتفاعه إلى 81 مليون م3 بحلول عام 2035، لافتا إلى أن هذا التوسع يتخذ اتجاهين رئيسين: الأول، التحول الزراعي داخل الأغوار: الانتقال من زراعات الخضار المحددة المصادر المائية إلى النخيل باعتباره استثماراً طويل الأجل يتطلب تأميناً مستداماً للمياه الإضافية التي تحتاجها زراعة النخيل مقارنة بالخضار المحمية، وثانيها، التوسع في الأراضي الجديدة التي تعتمد كليا على المياه الجوفية، وهو توجه يحتم ضبط الضخ الجائر للأحواض المائية ليتناسب مع معدلات التغذية المطرية للحفاظ على المنسوب الآمن للأحواض المائية.

وأشار إلى أنه على الرغم من ضغوط التغير المناخي، فإن إنجاز المشاريع الإستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها مشروع “الناقل الوطني للمياه”، سيعيد رسم الخريطة المائية؛ حيث سيُحرر جزءاً مهما من مياه قناة الملك عبدالله الذاهبة للشرب لتعود وتغذي الزراعة في وادي الأردن، مما يضمن بقاء قضية تأمين المياه للزراعة في الوادي مع ما يرافقها من مشاريع التوسع في معالجة المياه تحت السيطرة.

وقال إن تحقيق الاستدامة للقطاع الزراعي برمتة تقتضي بالاهتمام بأعلى عائد مالي لكل م3 من المياه المخصصة للري ويتطلب التوسع في استثمار الميزة التنافسية لوادي الأردن، والاستفادة من أساليب الإدارة الكفؤة كالري بالتنقيط المتطور (PC)، وجدولة الري الذكية بناءً والرقمية والتوسع في الاستفادة من مياه الامطار والفيضانات وزيادة المخزون المائي الجوفي والسطحي والتحول نحو المياه غير التقليدية.

وبين أن التوفيق بين متطلبات الأمن الغذائي والاستدامة المائية لم يعد خياراً، بل مساراً إستراتيجيا يضمن الأمن الغذائي الوطني وللمنتجات الزراعية الأردنية وعلى رأسها للتمور الأردنية مكانتها العالمية ويصون الموارد المائية للأجيال القادمة.

تجربة زراعية ملفتة

بدوره بين المدير التنفيذي لمنصة دمج الأكاديميا بالصناعة د.خالد خريسات، أن قطاع زراعة تمر المجهول في الأردن يقف حاليا أمام تجربة استثمارية وزراعية ملفتة للانتباه؛ ففي غضون سنوات قليلة، تحول هذا المحصول الفاخر من زراعة محددة النطاق في غور الأردن إلى علامة تجارية وصادرات أردنية عالمية المنافسة، مبينا أن قيمة تمر المجهول الأردني تكمن بقدرته على انتزاع مكانة مرموقة في أسواق عالمية عالية القيمة، كأوروبا والخليج العربي وأميركا الشمالية، بفضل ما يمتلكه من جودة عالية وطعم فريد.

وأضاف تعود بداية زراعة المجهول في الأردن إلى أواخر القرن الماضي، حيث بدأ دخوله تدريجياً كبديل زراعي وعائد اقتصادي مرتفع مقارنة بالمنتجات التقليدية التي كانت تعاني من تقلبات الأسعار، ومع مرور الوقت، أدرك المستثمرون الأردنيون الأهمية الإستراتيجية لهذا المحصول، فبدا القطاع يشهد تحولاً هيكلياً انتقل به من المزارع الفردية المحدودة إلى الاستثمارات الزراعية المنظمة واستخدام التقنيات الحديثة في التعبئة والتغليف والفرز، ما أوصل هذا القطاع الى النجاح خلال عقدين فقط، ما جعل الأردن أحد اللاعبين الرئيسية في السوق الدولي لتمر المجهول، محققاً نسبة مساهمة ملحوظة من إنتاج هذا الأصناف عالمياً.

وقال إن هذا النجاح الذهبي، على الرغم ما يحمله من آفاق اقتصادية وفرص عمل موسمية ودائمة لآلاف الفنيين والعمال في وادي الأردن، يتقاطع بشكل مباشر مع حقيقة مائية معقدة؛ فالأردن يُصنف ضمن أفقر دول العالم مائياً، وتشير الأرقام إلى أن الدونم الواحد من نخيل المجهول والذي يضم حوالي 12 إلى 15 نخلة يستهلك سنوياً ما بين 1200 إلى 1600 م3 من المياه لتأمين إنتاج عالي الجودة، أي ما يعادل نحو 80 إلى 120 م3 سنوياً للنخلة الواحدة مع زيادة هذا الرقم في فصل الصيف.

وفي ظل تجاوز عدد أشجار النخيل المزروعة في المملكة حاجز 600 ألف نخلة ومعظمها من المجهول، فإن إجمالي الاحتياج المائي للقطاع يتجاوز عشرات الملايين من الأمتار المكعبة سنوياً، وتشير التقديرات إلى أن المتاح الفعلي للري لا يغطي في كثير من الأحيان أقل من نصف هذه الاحتياجات، والذي يزيد من تحدي الرغبة بالتوسع في زراعة هذا المنتج وشح المياه وضرورة الحفاظ على شح المياه الجوفية في الظروف الحالية مع تداعيات التغير المناخي.

ولمواجهة هذا التحدي المائي المزدوج، بين خريسات، أن ذلك يتطلب تبني حزمة متكاملة من الحلول العملية والهندسية التي تضمن استدامة القطاع دون إجهاد الأحواض المائية، في مقدمتها التوسع في استخدام المياه غير التقليدية، مثل مياه الصرف الصحي المعالجة بدرجة متقدمة جداً، إضافة إلى محطات التحلية الموضعية للمياه الجوفية المالحة في الأغوار الجنوبية، وحلول تقنية في الري والتربة والأرصاد الجوية للحد من الهدر، مبينا أنه تكتمل هذه المنظومة بالحلول السياساتية عبر التخطيط الحازم، والذي يمنع حفر الآبار العشوائية ويحدد سقفاً مائياً لإنتاج الدونم الواحد، بالتوازي مع تعزيز مفهوم العائد المالي لكل م3 ماء عبر التوسع في التصنيع الغذائي المشتق من التمور ورفع قيمة الصادرات بدلاً من الاقتصار على زيادة المساحات المزروعة.

وقال، بالنظر إلى المستقبل، فإن التوقعات في استمرار نمو الطلب العالمي على المجهول الاردني، ما يفتحه أمام فرص واعدة لمضاعفة حصته التصديرية وتوسيع نطاق الصناعات التحويلية المرتبطة به، غير أن تحقيق هذا السيناريو المستقبلي يبقى مرهوناً بمدى قدرة القطاعين العام والخاص على الالتزام ببرامج الاستدامة المائية والتكيّف المناخي؛ فالمستقبل يتطلب تحويل الأردن إلى نموذج إقليمي في “الكفاءة المائية الزراعية”، ليبقى المجهول الأردني علامة فارقة في الإنتاج الوطني، وشاهداً على أن إدارة الموارد بحكمة هي الضامن الوحيد لاستدامة النجاح.

“الغد”

شاهد ايضا

Focus Mode