الغور الشمالي – في الوقت الذي تُطوى فيه صفحة معظم الحملات البيئية التقليدية بمجرد التقاط الصور التذكارية وانتهاء ساعات التطوع الميدانية، اختار أكثر من 70 متطوعا ومتطوعة في بلدة الشيخ حسين بمنطقة الغور الشمالي سلوك مسار مختلف، إذ لم يكتفوا عند حدود رفع النفايات الملقاة على جوانب الطرق، مستهدفين إعادة تشكيل السلوك اليومي للمواطن وترسيخ مفهوم الشراكة في حماية المكان.
وتأتي مبادرة “كيس نفايات”، التي نفذتها جمعية الشيخ حسين للتنمية المستدامة بالتعاون مع مديرية بيئة وادي الأردن وبلدية طبقة فحل ومركز شباب وشابات الشيخ حسين، لمكافحة الإلقاء العشوائي للنفايات، لتسلط الضوء على تحدٍّ بيئي متكرر تؤرّق آثاره الأماكن العامة، إذ يتحول رمي المخلفات بمرور الوقت من خطأ فردي إلى مظاهر تشويه بصري تؤثر على البيئة المحلية والصحة العامة.
حماية البيئة استثمار
يبين مدير بيئة وادي الأردن، المهندس محمد الصقور، أن حماية البيئة هي حماية للشرائح الاقتصادية والزراعية والسياحية في المنطقة، مشيرا إلى أن الشراكة الميدانية مع مؤسسات المجتمع المدني والمراكز الشبابية تشكل الركيزة الأساسية للنهوض بالواقع البيئي في الأغوار.
ويقول: “ما شهدناه في بلدة الشيخ حسين يمثل النموذج الذي نسعى إلى تكريسه في وادي الأردن، فالعمل البيئي لم يعد مجرد استجابة لإنفاذ القوانين أو حملات تنظيف موسمية، بل هو استثمار مباشر في مستقبل المنطقة وتنميتها المستدامة، خاصة أن وادي الأردن يمتلك خصوصية بيئية وزراعية وسياحية تجعل من الحفاظ على نظافة المكان ضرورة قصوى.”
ويضيف أن مديرية البيئة تضع التوعية وإشراك الشباب على رأس أولوياتها التنفيذية، لأن تعديل السلوك هو المسار الأسرع والأكثر نجاعة لمواجهة التلوث البصري والحد من النفايات العشوائية، قائلا: “عندما يشارك الشباب واليافعون بأيديهم في رفع النفايات وتوزيع أكياس المركبات على السائقين، فإننا نغرس مفاهيم الرقابة الذاتية وتغيير أنماط السلوك اليومي، فالجهات الحكومية والبلديات تقدم الخدمات اللوجستية والبنية التحتية، لكن نجاح هذه الجهود يتوقف على مدى استجابة المواطن والتزامه بالحد من الإلقاء العشوائي، وهو ما نعمل على تعزيزه عبر هذه الشراكات المتكاملة.”
ويلفت إلى أن أداة “كيس السيارة” البسيطة تعكس رؤية توعوية تتجاوز البُعد المادي للوعاء، إذ توفر للراكب خيارا عمليا يغنيه عن قذف المخلفات عبر النوافذ، وتتيح له الاحتفاظ بها حتى الوصول إلى الحاويات المخصصة، لافتا إلى أن المبادرة، من خلال هذا التفصيل، تؤكد أن التحول البيئي المنشود لا يتطلب بالضرورة مشروعات معقدة أو كلفا باهظة، بل يبدأ من قرارات فردية يومية تنبع من الوعي بالمسؤولية الذاتية.
وأثمرت الجهود الميدانية للمشاركين عن جمع أكثر من 85 كيسا من النفايات المنتشرة في النقاط المستهدفة، إلى جانب خطوة نوعية استهدفت السائقين عبر توزيع زهاء 70 كيسا مخصصا للسيارات.
نموذج للشراكة التنموية
ويرى متطوعون أن للتنسيق العملي بين مختلف القطاعات إسهاما في إنجاح المبادرة، إذ إن وجود جهات تقوم بدور الإشراف والتنظيم والتوجيه التنموي، وأخرى تقوم بدور الإشراف الفني والدعم التوعوي والبيئي، وجهات تقوم بدور التنسيق اللوجستي والدعم الخدمي والميداني، إضافة إلى حشد الطاقات الشبابية وتفعيل الدور المجتمعي للفئات الفتية، عزز من مفهوم أن قضية البيئة ملكية عامة تستلزم استجابة جماعية تتضافر فيها الإمكانيات الرسمية مع الطاقات المجتمعية.
وتؤكد رئيسة جمعية الشيخ حسين للتنمية المستدامة، نسرين بني دومي، أن مفهوم التنمية الشاملة لم يعد يقف عند حدود المساعدات التقليدية، بل يتعداه إلى الدور التوعوي والميداني الذي يلامس حياة الناس اليومية، قائلة: “التنمية الحقيقية تعني بناء الوعي وتشجيع المشاركة وترسيخ مفهوم المسؤولية المجتمعية.”
وتشير إلى أن ما قدمه متطوعو منطقة الشيخ حسين يشكل خطوة عملية تؤكد أن حماية البيئة لا تبدأ بعد سقوط النفايات على الأرض، بل تبدأ قبل ذلك، في اللحظة التي يقرر فيها الإنسان كيف يتعامل مع مخلفاته بوعي ومسؤولية، مؤكدة أهمية استمرار مثل هذه المبادرات، لأن المحافظة على البيئة لا يمكن أن تكون مرتبطة بيوم واحد، وإنما تحتاج إلى تراكم مستمر في الوعي والسلوك.
وتوضح أن مشاركة أكثر من 70 متطوعا تؤكد وجود طاقات مجتمعية دفينة ورغبة فعلية في العمل متى ما أتيحت لها الفرصة للتحول من دور المتلقي للخدمة إلى الشريك في صناعة الحلول، مشددة على أهمية استمرارية هذه النشاطات لتراكم الأثر البيئي بشكل مستمر.
وتبين المشاركة علياء خالد أن تجربة التطوع الميداني تمنح الفرد زاوية رؤية مختلفة تُعمّق وعيه بالواقع البيئي، منوهة إلى أن الحفاظ على البيئة معادلة مشتركة لا تقع على عاتق الجهات الرسمية وحدها، فالمواطن يبقى خط الدفاع الأول لمنع حدوث المشكلة عبر الامتناع عن الإلقاء العشوائي.
وتوضح أن النفايات التي قد يمر عليها الشخص يوميا دون انتباه يتضح حجمها وأثرها الواقعي عندما ينحني لجمعها بيده، مما يحول المتطوع إلى سفير بيئي ونشط ينقل هذه الثقافة إلى أسرته ومحيطه، قائلة: “إذا حافظت المواقع المستهدفة على نظافتها، واستمر السائقون في استخدام الأكياس المخصصة، واستشعر الأهالي أهمية النظافة العامة، تكون الحملة قد حققت أهدافها المستدامة، أما إذا عادت النفايات للتراكم بالسرعة ذاتها، فإن ذلك يضاعف الحاجة إلى تكثيف الجهود التوعوية الموجهة لتعديل السلوك المجتمعي.”
ويقول المتطوع يوسف أحمد: “كنت سعيدا جدا بتوزيع أكياس السيارات على السائقين مع الفريق، الاستجابة كانت رائعة، فالكثير من السائقين ابتسموا وشكرونا ووعدوا بالالتزام، أما أنا فشعرت بمسؤولية كبيرة لأنني قمت بدور لا يقل أهمية عن دور أي جهة رسمية في حماية منطقتنا وطبيعتها الجميلة”، مضيفا: “في كثير من الأحيان يلقي البعض المخلفات من نافذة السيارة لعدم وجود مكان مخصص لها داخل المركبة، وهذه اللفتة البسيطة بتوزيع الأكياس تضع الحل بين يدي السائقين مباشرة، وتنزع أي مبرر للإلقاء من النوافذ، وتجعلهم يفكرون مرارا قبل أن يرموا أي شيء في الشارع.”
ويعرب ناشطون بيئيون ومجتمعيون عن أملهم في توسيع نطاق هذه المبادرة وتعميمها على كافة مناطق الوادي، خصوصا مع اقتراب فصل الشتاء الذي تشهد فيه المنطقة عادة تدفقا كبيرا للزوار والمتنزهين من مختلف محافظات المملكة، مما يضاعف الضغط على المواقع الطبيعية والمرافق العامة ويرفع من كمية النفايات والمخلفات المتروكة، لافتين إلى أن استباق الموسم السياحي بتعميم تجربة الشيخ حسين من شأنه أن يشكل درعا لحماية البيئة الزراعية والسياحية في الوادي، ويرسخ المنطقة كوجهة سياحية مستدامة ونظيفة.
“الغد”

