تعتزم قناة بنما تقليص عدد السفن العابرة لمياهها مجدداً، بعد أن كانت قد اتخذت إجراء مماثلاً في بداية هذا الشهر، على خلفية تداعيات ظاهرة “إل نينيو” المناخية. وكانت بنما قد أعلنت حالة طوارئ على مستوى البلاد بسبب هذه الظاهرة، التي تتكرر كل عامين إلى سبعة أعوام، حين ترتفع درجة حرارة المياه السطحية في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، ما يؤدي على مدى أشهر إلى تغيرات جوهرية في أنماط الرياح والضغط الجوي والهطولات المطرية على نطاق عالمي.
وتسبّبت هذه الظاهرة بموجة جفاف حادة في أميركا الوسطى، ما ولّد مشكلات كبيرة للقناة التي تمر عبرها نحو 5% من حركة التجارة العالمية. وكانت هيئة قناة بنما قد قلّصت عدد عمليات العبور اليومي من 36 إلى 32 سفينة في الرابع من أيلول/سبتمبر، بهدف الحفاظ على الموارد المائية، فيما تعتزم الآن خفضه مجدداً إلى متوسط 29.5 عملية عبور يومياً، اعتباراً من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، وفق مشروع موازنة قُدم إلى البرلمان.
وقال وزير شؤون القناة، خوسيه رامون إيكاثا، إن الموازنة المعتمدة تضمن استمرار تشغيل القناة بأمان وكفاءة وربحية. وتشير معظم التوقعات إلى أن ظاهرة “إل نينيو” هذا العام ستكون الأشد منذ بدء تسجيل بيانات مماثلة قبل أربعة عقود. وفي عام 2023، اضطرت هيئة القناة إلى خفض عدد عمليات العبور اليومية إلى 22 سفينة، بسبب تداعيات الظاهرة نفسها. ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه أهمية قناة بنما، مع تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بفعل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، علماً أن المضيق يُعد ممراً لنحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية.
يشكل تقليص هيئة قناة بنما عدد عمليات العبور اليومي تهديداً مباشراً لأحد أهم الشرايين اللوجستية في التجارة العالمية، إذ تمر عبر القناة سنوياً سلع تقدر قيمتها بمئات مليارات الدولارات، تشمل الحاويات والحبوب والغاز الطبيعي المسال والسيارات، ويربط الممر بيت آسيا والساحل الشرقي للولايات المتحدة وأوروبا، ما يجعله بديلاً رئيسياً عن الطرق البحرية الأطول حول أميركا الجنوبية أو أفريقيا.
وأي خفض في القدرة الاستيعابية للقناة ينعكس مباشرةً على تكاليف الشحن العالمية، إذ تضطر شركات الملاحة إما لدفع رسوم إضافية لضمان أولوية العبور عبر نظام المزادات المعتمد في القناة، أو للبحث عن مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة من حيث الوقود والزمن، ما يرفع أسعار الشحن ويؤخر وصول البضائع، وهو ما ينعكس لاحقاً على الأسعار النهائية في الأسواق المستوردة.
وتأتي هذه الأزمة المناخية المتكررة في وقت حساس للتجارة البحرية العالمية، إذ تتقاطع مع اضطرابات أخرى تشهدها ممرات ملاحية رئيسية أخرى، أبرزها مضيق هرمز الذي يشهد تعطلاً في حركة الناقلات بسبب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى التوترات في البحر الأحمر.
هذا التزامن بين اضطراب عدة ممرات استراتيجية في آن واحد يزيد من هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، ويرفع من مخاطر التضخم المستورد في وقت تحاول فيه اقتصادات كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، كبح جماح ارتفاع الأسعار عبر رفع أسعار الفائدة.
وتعتمد بنما كثيراً على عائدات القناة مصدراً رئيسياً للدخل القومي ولموازنة الدولة، ما يجعل أي تراجع في حركة العبور، رغم كونه إجراءً احترازياً لحماية الموارد المائية، عاملاً ضاغطاً على الإيرادات الحكومية في المدى القصير. وقد سبق أن أدت أزمة الجفاف عام 2023 إلى خسائر مالية كبيرة للهيئة المشرفة على القناة، بعد أن اضطرت لخفض العبور إلى النصف تقريباً مقارنة بطاقتها الاعتيادية.
كما تعكس هذه الأزمة إشكالية أوسع تتعلق بتأثير التغيّر المناخي على البنية التحتية الحيوية للتجارة الدولية؛ فقناة بنما، على عكس قناة السويس، تعتمد على مصادر مياه عذبة لتشغيل أهوسة الرفع، ما يجعلها عرضة بشكل مباشر لتقلبات الطقس وموجات الجفاف الناجمة عن ظاهرتي “إل نينيو” و”لا نينيا”، وهو ما يفرض على السلطات البنمية البحث عن حلول هيكلية طويلة الأمد، من بينها مشروعات لتخزين المياه وتحلية مياه البحر، لضمان استدامة تشغيل القناة في ظل تزايد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة.
(فرانس برس)

