الرئيسية مقالاتحين يقودنا الجب إلى العزّة: لماذا تخدعنا رغباتنا؟

حين يقودنا الجب إلى العزّة: لماذا تخدعنا رغباتنا؟

من mk
A+A-
Reset

بقلم : محمد الحواري

نحن لا نخطئ فقط في قراءة الحياة، بل نُصرّ على ذلك. نلاحق ما نريده باعتباره الحقيقة المطلقة، ونصنّف ما يعاكس رغبتنا على أنه ظلم أو فشل أو خذلان. نغضب، نتذمر، ونشكو الحظ، وكأننا نملك معرفة كاملة بما يجب أن يحدث لنا ومتى.

قصة يوسف عليه السلام، تكشف خللًا عميقًا في طريقة فهمنا للأشياء. حب والده له، وهو أجمل ما يمكن أن يملكه طفل، كان السبب المباشر لوضعه في الجب. مفارقة صادمة: أكثر ما منح يوسف أمانًا، كان في الوقت نفسه مدخله إلى الخطر.

ثم تستمر السلسلة بنفس القسوة. الجب لم يكن نهاية، بل انتقالًا إلى القصر. والقصر، بكل ما يحمله من رفاه وقوة، لم يكن نجاة، بل محطة نحو السجن. أما السجن، الذي نراه نحن قاع الحياة، فكان الطريق الذي جعل يوسف عزيز مصر. في كل مرة، كانت الرغبة تقول شيئًا، والقدر يفعل عكسه تمامًا.

هذه ليست قصة استثنائية، بل نموذج متكرر في حياتنا اليومية. كم مرة ركضنا خلف وظيفة، علاقة، منصب، أو حلم، مقتنعين أنه خلاصنا، ثم اكتشفنا أنه كان فخًا؟ وكم مرة قاومنا طريقًا فُرض علينا، واعتبرناه هزيمة، قبل أن نكتشف لاحقًا أنه أنقذنا من خسائر أكبر؟

المشكلة ليست في الأقدار، بل في غرورنا المعرفي. نحن نتصرّف وكأننا نعلم ما هو الأفضل لنا، ثم نتهم الحياة حين تخالف توقعاتنا. نريد نتائج بلا أثمان، ونرفض الطرق الوعرة، مع أن التاريخ الإنساني كله يقول إن العزّة لا تُصنع في المناطق الآمنة.

ربما حان الوقت لنسأل سؤالًا مختلفًا:
ليس لماذا يحدث هذا لي؟
بل: ماذا لو كان ما يحدث… أفضل مما أظن؟

شاهد ايضا

Focus Mode