الرئيسية ⁠اقتصادتحسن الميزان التجاري يؤكد قدرة الصادرات على فتح آفاق جديدة للنمو

تحسن الميزان التجاري يؤكد قدرة الصادرات على فتح آفاق جديدة للنمو

من mk
2 مشاهدة
A+A-
Reset

عمان- يعكس التحسن الذي سجله الميزان التجاري الأردني مؤشرات إيجابية على أداء الصادرات الوطنية وقدرتها على تعزيز حضورها في الأسواق الخارجية، مدعومة بقاعدة إنتاجية وصناعية متنوعة. ويكتسب هذا الأداء أهمية في ضوء وصف صندوق النقد الدولي الميزان التجاري الأردني بأنه “استثناء” بين اقتصادات المنطقة المستوردة للنفط، ما يسلط الضوء على دور الصادرات في دعم التجارة الخارجية والفرص المتاحة لتعزيز هذا المسار خلال المرحلة المقبلة.
وأظهرت بيانات التجارة الخارجية الأردنية تحسنا في أداء الميزان التجاري خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، إذ انخفض العجز بنسبة 9.6 %، ليبلغ نحو 5.8 مليار دينار، مقارنة بنحو 6.44 مليار دينار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بتراجع مقداره 616 مليون دينار، وفقا للتقرير الشهري لدائرة الإحصاءات العامة.
وجاء هذا التحسن في ظل نمو الصادرات الوطنية بنسبة 6 %، لتبلغ نحو 6.46 مليار دينار، بالتزامن مع ارتفاع قيمة المعاد تصديره بنسبة 67.2 %، لتصل إلى نحو 886 مليون دينار، ما رفع إجمالي الصادرات إلى 7.46 مليار دينار، بنمو نسبته 11.2 % مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. وفي المقابل، ارتفعت المستوردات بنسبة 1 %، لتبلغ 13.294 مليار دينار.
وبلغت نسبة تغطية الصادرات الكلية للمستوردات 56 % خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مقارنة بـ51 % خلال الفترة نفسها من عام 2025، بارتفاع مقداره خمس نقاط مئوية.
وأظهرت البيانات نمو الصادرات الوطنية في عدد من القطاعات، من بينها الألبسة وتوابعها من المصنرات بنسبة 4.6 %، والأسمدة الأزوتية أو الكيماوية بنسبة 16.4 %، ومحضرات الصيدلة بنسبة %1.8، والبوتاس الخام بنسبة 12.3 %.
ويستند هذا الأداء إلى قاعدة إنتاجية وصناعية تضم نحو 2500 منتج صناعي تُصدّر إلى 150 دولة حول العالم، فيما يضم القطاع الصناعي الأردني أكثر من 18 ألف منشأة توفر نحو 271 ألف فرصة عمل مباشرة. وتُقدّر الطاقة الإنتاجية السنوية للقطاع بنحو 18 مليار دينار، فيما تبلغ مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي نحو 24 %، وفق التقديرات القطاعية.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية في ضوء وصف صندوق النقد الدولي أداء الميزان التجاري الأردني بأنه “استثناء” بين اقتصادات المنطقة المستوردة للنفط، في وقت شهدت فيه موازين التجارة السلعية في اقتصادات أخرى تراجعا، بينما تحسن الأداء الأردني بصورة رئيسية بفعل نمو الصادرات.
تراكم قوة القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الأردني
وقال رئيس غرفتي صناعة عمّان والأردن، فتحي الجغبير، إن هذا التقييم يعكس قوة القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الأردني، وفي مقدمتها الصناعة الوطنية، وما تتمتع به من تنوع في الأنشطة والمنتجات وقدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والإقليمية. ومكّن ذلك الأردن من تحقيق تطور ملموس في أدائه التجاري، رغم محدودية موارده النفطية واعتماده على استيراد الطاقة والمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، وما يرتبط بذلك من تحديات تتعلق بكلف الإنتاج والنقل والتقلبات في الأسواق العالمية.
وأضاف الجغبير أن خصوصية التجربة الأردنية تبرز في قدرة المملكة على بناء قاعدة صناعية متنوعة ومتطورة، تضم صناعات كيماوية وأسمدة، وصناعات علاجية ولوازم طبية، وصناعات غذائية وجلدية ومحيكات، وصناعات هندسية وكهربائية، إلى جانب الصناعات التعدينية وغيرها. وأتاح هذا التنوع للاقتصاد الوطني تنويع مصادر عوائده التصديرية وتعزيز قدرته على الوصول إلى الأسواق الخارجية والمنافسة فيها، رغم التحديات المحيطة.
وأشار إلى أن هذا التطور انعكس على قيمة الصادرات الوطنية، التي ارتفعت من نحو 3 مليارات دينار عام 2006 إلى نحو 9.6 مليار دينار عام 2025، أي إلى أكثر من ثلاثة أضعاف قيمتها خلال تلك الفترة. ويعكس ذلك التوسع الكبير الذي شهدته القاعدة الإنتاجية والتصديرية الوطنية، وتطور قدرة المنشآت الصناعية على تلبية الطلب في الأسواق الإقليمية والدولية.
وأوضح أن هذا الأداء استمر خلال عام 2026، إذ ارتفعت الصادرات الوطنية بنسبة 4.6 % خلال الأشهر الثمانية الأولى، فيما سجلت الصادرات الصناعية نموا بنسبة 7.3 %، لتصل إلى نحو 5.17 مليار دينار، بزيادة تقارب 350 مليون دينار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ما يؤكد الدور المحوري للصناعة الوطنية في قيادة النشاط التصديري.
وأكد الجغبير أن الدلالة الاقتصادية الأبرز لهذا الأداء تتمثل في قدرة الصناعة الوطنية على توليد عوائد تصديرية متنامية، وتعزيز مساهمتها في تغطية فاتورة المستوردات وتقليص الفجوة التجارية، بما يعكس تطور القدرات الإنتاجية والتنافسية للاقتصاد الأردني، ويؤكد أهمية الصناعة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنمو المستدام.
وأوضح أن مسار الميزان التجاري يتأثر أيضا بتطور المستوردات وأسعار الطاقة والسلع العالمية، إلا أن نمو الصادرات الصناعية وتوسع القاعدة الإنتاجية يشكلان عاملين رئيسين في تعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على تحسين نسبة تغطية الصادرات للمستوردات، خصوصا عندما تنمو الصادرات بوتيرة تفوق نمو المستوردات.
وأضاف أن التطور المسجل في الأداء التجاري يعكس مسارا تراكميا من الاستثمار والتوسع الصناعي وتطوير القدرات التصديرية، ويؤكد أن الصناعة الوطنية أصبحت ركيزة أساسية في تعزيز قدرة الاقتصاد على توليد الصادرات والنفاذ إلى الأسواق الخارجية، ما يستدعي مواصلة دعم الاستثمار الصناعي وتعميق سلاسل القيمة المحلية.
وفي تقييمه الشامل لتحسن مؤشرات الميزان التجاري، شدد الجغبير على أن هذه المؤشرات تظهر تقدما ملموسا في القدرات الإنتاجية والتصديرية للاقتصاد الوطني، تقوده الصناعة الوطنية. وأكد أنه لا يمكن اختزال هذا التطور في كونه مجرد تحسن نسبي مقارنة بأداء اقتصادات المنطقة، خصوصا في ضوء التوسع الذي شهدته القاعدة الصناعية، وتنوع المنتجات التصديرية، وتنامي قدرة المنشآت الصناعية على الوصول إلى الأسواق الخارجية والمنافسة فيها.
ولفت إلى أن المؤشرات المتاحة تعكس تقدما فعليا في القدرات الإنتاجية والتصديرية للاقتصاد الأردني، وإن كان تعميق هذا التطور يتطلب مواصلة العمل على رفع الإنتاجية وزيادة القيمة المضافة المحلية، وتعزيز التكامل بين الأنشطة الصناعية، والتوسع في المنتجات الأعلى قيمة مضافة، بما يضمن تحويل النمو التصديري إلى تحسن هيكلي مستدام في تنافسية الاقتصاد الوطني.
وفي المقابل، بيّن الجغبير أن الصادرات الأردنية تواجه تحديات تتعلق بارتفاع بعض كلف الإنتاج، ولا سيما الطاقة والنقل والتمويل والخدمات اللوجستية، إلى جانب اعتماد عدد من الصناعات على استيراد المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج. وتشمل التحديات أيضا المنافسة السعرية المتزايدة في الأسواق العالمية، والمتطلبات الفنية والبيئية التي تفرضها الأسواق المستوردة، والتوترات الإقليمية التي تؤثر في حركة التجارة وسلاسل التوريد.
ودعا الجغبير إلى خفض كلف الإنتاج، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والنقل، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتسهيل وصول المنشآت الصناعية إلى التمويل والتكنولوجيا، إلى جانب دعم الابتكار والتطوير الصناعي، وتعزيز برامج الترويج والتسويق الخارجي، ومساعدة الشركات، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، على الاستفادة من الفرص المتاحة في الأسواق الدولية، بما يضمن استدامة الأداء الإيجابي للصادرات والبناء على ما حققته الصناعة الوطنية من تطور في الإنتاج والتصدير خلال الأعوام الأخيرة.
تحسن عجز الميزان التجاري يعكس تنامي حضور الصادرات الوطنية في الأسواق الخارجية
من جانبه، أكد رئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين، أيمن العلاونة، أن التحسن الذي شهده الميزان التجاري الأردني يعكس قدرة القطاعات الإنتاجية الوطنية على تعزيز حضورها في الأسواق الخارجية، رغم التحديات الإقليمية والضغوط المرتبطة بكلف الإنتاج والاستيراد. وأشار إلى أهمية البناء على هذا الأداء لتحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز تنافسية المنتجات الأردنية، وهو ما يبرز أهمية إشادة صندوق النقد الدولي بهذا التحسن.
وأشار العلاونة إلى أن تحسن هذا المؤشر يكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه الاقتصادات المستوردة للنفط في المنطقة، لافتا إلى أن تحسن الميزان التجاري يؤكد أهمية تعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد الوطني، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وزيادة مساهمة الصادرات في النشاط الاقتصادي.
وبيّن أن استمرار هذا التحسن يتطلب التمييز بين النتائج الإيجابية المسجلة على المدى القصير والتحول الهيكلي المستدام في تنافسية الاقتصاد الوطني. فتراجع العجز التجاري يمثل مؤشرا مهما، لكنه لا يكفي وحده للحكم على تطور القدرة الإنتاجية، ما لم يترافق مع زيادة القيمة المضافة المحلية، وتنويع المنتجات والأسواق التصديرية، ورفع إنتاجية القطاعات الصناعية، وتوسيع قاعدة المنشآت القادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
وحول فرص استمرار هذا الأداء خلال السنوات المقبلة، أكد العلاونة أن الأردن يمتلك فرصا لتعزيز صادراته والاستفادة من الأسواق التي يرتبط معها باتفاقيات تجارة حرة، إلى جانب التوسع في أسواق جديدة وتطوير المنتجات الوطنية ذات القيمة المضافة المرتفعة.
وشدد على أهمية مواصلة السياسات الداعمة للصادرات، وتوسيع الاستفادة من الاتفاقيات التجارية، وتعزيز برامج الترويج للمنتجات الأردنية في الأسواق المستهدفة، إلى جانب توفير التمويل الملائم للمشروعات الإنتاجية، وتشجيع الابتكار وتبني التكنولوجيا الحديثة، وتعزيز الشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص، بما يسهم في زيادة تدفقات النقد الأجنبي، وتوفير فرص العمل، وتحسين قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية، وصولا إلى نمو اقتصادي أكثر استدامة وتوازنا.
تنويع الصادرات ورفع قيمتها المضافة لتعزيز استدامة التحسن
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن تحسن الميزان التجاري الأردني يعكس قدرة الاقتصاد على الحفاظ على تدفق صادراته رغم الاضطرابات الإقليمية وتحديات التجارة وسلاسل الإمداد، إلا أن استدامة هذا التحسن تتطلب الانتقال من مجرد نمو الصادرات إلى تعزيز القدرة الإنتاجية والتصديرية للاقتصاد، بما ينعكس على هيكل التجارة الخارجية على المدى الطويل.
وأضاف عايش أن البيانات تظهر أنه مقابل كل دينار من الصادرات الكلية، تبلغ قيمة المستوردات نحو 1.81 دينار، وترتفع إلى نحو 2.1 دينار مقابل كل دينار من الصادرات الوطنية، ما يؤكد استمرار الحاجة إلى توسيع الإنتاج المحلي، وتعزيز تنافسية المنتجات الأردنية، وإحلالها تدريجيا محل المنتجات المستوردة كلما توافرت القدرة على إنتاجها محليا بكفاءة.
وأوضح أن نمو الصادرات الوطنية، خصوصا في قطاعات الألبسة والأسمدة والبوتاس، يوفر قاعدة إنتاجية وتصديرية يمكن البناء عليها، لكنه أشار إلى أهمية تنويع المنتجات والأسواق، وعدم الاعتماد على عدد محدود من القطاعات، إلى جانب رفع القيمة المضافة المحلية من خلال التوسع في التصنيع والمعالجة وتطوير منتجات أكثر تخصصا وأعلى قيمة.
ولفت عايش إلى أن ارتفاع قيمة إعادة التصدير يدعم حركة التجارة والنقل والتخزين والخدمات المرتبطة بها، لكنه لا يحقق بالضرورة القيمة المضافة نفسها الناتجة عن تصنيع المنتجات داخل المملكة. لذلك، فإن تقييم أداء التجارة الخارجية يستدعي التركيز على نمو الصادرات الوطنية ومصادر هذا النمو، إلى جانب تحليل طبيعة المستوردات ومدى إسهامها في النشاط الإنتاجي.
وأكد أن التحسن الهيكلي في التجارة الخارجية لا يعني زيادة الصادرات وانخفاض المستوردات فحسب، بل يتطلب صادرات وطنية أكبر وأكثر تنوعا وأعلى قيمة مضافة، ومستوردات تسهم في تعزيز الإنتاج والقدرات الصناعية. وعندها يصبح انخفاض العجز التجاري انعكاسا لتحول نوعي في القدرة الإنتاجية للاقتصاد، وليس مجرد تحسن نسبي في مؤشرات التجارة خلال فترة زمنية محددة.
“الغد”

شاهد ايضا

Focus Mode