الرئيسية رئيسيالحرب على إيران.. هل تتحول المواجهة إلى ورقة في معركة قيادة إسرائيل؟

الحرب على إيران.. هل تتحول المواجهة إلى ورقة في معركة قيادة إسرائيل؟

من mk
3 مشاهدة
A+A-
Reset

عمان – من استهداف المنشآت النووية والصاروخية إلى ضرب البنية الاقتصادية والحيوية، ومن تغيير معادلات الردع إلى التأثير في مستقبل النظام الإيراني، تبدو المواجهة المحتملة مع إيران مرشحة لتجاوز حدود العمليات العسكرية التقليدية.

لكن التطورات الأخيرة، تفتح بابا آخر للتحليل: هل تتداخل حسابات الحرب مع مستقبل القيادة السياسية في الكيان الصهيوني، في ظل تصعيد رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو خطابه تجاه طهران قبيل انتخابات هذا الكيان؟
وفي هذا السياق، لا ينحصر السؤال في ما إذا كان الكيان يستعد لمواجهة جديدة مع إيران، بل يمتد إلى طبيعة الأهداف التي تسعى لتحقيقها، وإلى ما إذا كانت الاعتبارات الأمنية والإستراتيجية تتقاطع مع حسابات نتنياهو السياسية في مرحلة حساسة من مستقبله السياسي.
وبينما تتحدث تقارير عن خلافات محتملة بين نتنياهو وقيادة الجيش بشأن تنفيذ عملية عسكرية قبل الانتخابات، يؤكد نتنياهو أن لدى الكيان مؤشرات استخباراتية لاحتمال شن إيران أو جماعات متحالفة معها، هجوما للتأثير على التصويت، محذرا من رد عسكري واسع. غير أن هذه التصريحات لا تثبت أن طهران تستعد فعليا لهجوم وشيك، كما لا تعني أن قرار شن ضربة جديدة للكيان قد اتخذت بصورة نهائية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة The Herald Business أمس، قال نتنياهو، في رسالة مصورة، إن لدى الكيان مؤشرات استخباراتية لاحتمال شن إيران أو جماعات متحالفة معها هجوما للتأثير على انتخاباته، محذرا من رد عسكري واسع، ومؤكدا أن قواته مستعدة لتنفيذ عمليات دفاعية وهجومية. ومع ذلك، لم يحدد موعدا لضربة محتملة ضد إيران، كما لم يعلن عن أهداف محددة أو يقدم أدلة علنية تثبت أن هجوما إيرانيا وشيكا يجري الإعداد له.
وجاءت تصريحاته قبل الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول (أكتوبر)، في وقت تداولت فيه وسائل إعلام الكيان تقارير عن خلاف بين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير، بشأن تحرك عسكري قد يقود إلى مواجهة جديدة.
ونفى نتنياهو وجود خلاف مع قيادة الجيش، كما رفض مكتبه تقارير تحدثت عن مساع لبدء هجوم قبل الانتخابات.
وفي المقابل، أشارت تقارير إعلامية إلى مخاوف داخل المؤسسة العسكرية من أن يؤدي أي تحرك في هذا التوقيت لتصعيد يصعب احتواؤه، أو أن تتداخل تداعياته مع الاستحقاق الانتخابي.
وتشير تقديرات خبراء سياسيين وإستراتيجيين، في تصريحات منفصلة لـ”الغد”، إلى تجاوز المسألة قرار توجيه ضربة جديدة إلى إيران، لتشمل الغاية السياسية منها، وقدرة الكيان والولايات المتحدة على التحكم بمسارها، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها في إيران والكيان والمنطقة.
ويرى الخبراء أنه إذا كانت المواجهة تستهدف إضعاف القدرات الإيرانية، فإن ذلك لا يضمن تغيير سياسات طهران، وإذا كان الهدف يتجاوز ذلك لإسقاط النظام، فإن تحقيقه يظل احتمالا مختلفا وأكثر تعقيدا من مجرد تدمير للمنشآت.
أما إذا تداخل القرار العسكري مع حسابات قيادة الكيان ومستقبل نتنياهو السياسي، فإن ذلك يضيف بعدا آخر إلى تقدير توقيت التصعيد ودوافعه، لكنه لا يحسم وحده تفسيره، بحسبهم.
وبينوا أنه من بين التهديدات العسكرية والتجاذبات السياسية، يبقى السؤال الأهم: هل تكون الحرب أداة لفرض معادلات استراتيجية جديدة، أم أن اتساع أهدافها قد يجعلها مواجهة يصعب التحكم بنتائجها؟
فالتفوق العسكري قد يغير موازين الميدان، لكنه لا يضمن وحده الحسم السياسي. كما أن توظيف التهديدات في الخطاب الانتخابي لا يثبت أن الحرب اتخذت قرارا نهائيا، لكنه يجعل العلاقة بين الأمن والسياسة جزءا لا يمكن تجاهله في فهم مسار المواجهة المحتملة.
عمل عسكري محتمل
وبينما تتصاعد التساؤلات بشأن توقيت الضربة المحتملة على إيران، وما إذا كانت ترتبط بحسابات أمنية واستراتيجية أم تتقاطع أيضا مع اعتبارات القيادة السياسية في الكيان، يرى الخبير د. نضال أبو زيد، أن المؤشرات الميدانية توحي بالاستعداد لعمل عسكري محتمل الفترة المقبلة، إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية بتحقيق اختراق يمنع التصعيد.
ويطرح أبو زيد احتمال تنفيذ عملية بتنسيق أميركي مع الكيان، أو تحركه منفردا، مشيرا إلى أن بنك الأهداف قد يشمل منشآت الطاقة والمواقع النووية، بالتزامن مع جهود استخبارية تستهدف قيادات إيرانية، لافتا إلى أن هذه الاحتمالات تأتي في إطار ما يصفه بـ”مرحلة الحسم” في الصراع مع إيران، إذا تعذر التوصل لتسوية سياسية.
لكن هذا التقدير، يرتبط بقراءة المؤشرات العسكرية والسياسية، ولا يشكل دليلا على اتخاذ قرار نهائي بالحرب. إذ يتقاطع هذا الطرح مع تقدير رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، الذي يرى أن المواجهة المقبلة، قد تستهدف المنشآت النووية التي أعيد إصلاحها أو استحداثها، إلى جانب منصات الصواريخ ومصانع إنتاجها ومنشآت الطائرات المسيرة.
ويشير شنيكات، إلى أن الاختلاف عن المواجهات السابقة، قد يظهر في امتداد العمليات واتساع بنك الأهداف، بما يجعل الضغط العسكري والاقتصادي والاستخباري مستمرا لفترة أطول. لكن توسيع نطاق الضربات لا يعني تحقيق النتائج السياسية المرجوة. فإضعاف القدرات العسكرية قد يحد من قدرة الدولة المستهدفة على تنفيذ عمليات معينة، لكنه لا يضمن تغيير سلوكها أو إجبارها على قبول شروط الطرف المهاجم.
ويتجاوز أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي، مسألة إضعاف القدرات العسكرية، إلى احتمال استهداف بنية النظام الإيراني نفسه، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة والكيان، قد يعتبران أن الضربات السابقة لم تحقق النتائج السياسية المطلوبة، ما قد يدفعهما لتبني مقاربة أوسع من مجرد استهداف البرنامج النووي أو القدرات الصاروخية.
ويطرح الماضي احتمال أن يكون إسقاط النظام الإيراني هدفا أساسيا للكيان، في إطار مسعى لتغيير طبيعة الدور الإيراني الإقليمي وعلاقات طهران بالمجتمع الدولي. ويكتسب هذا الطرح أهمية في ضوء تصريحات نتنياهو التي تحدث فيها عن توجيه الجيش وجهاز “الموساد” للعمل على إسقاط النظام الإيراني.
لكن إعلان هدف إستراتيجي، لا يعني أن تحقيقه أصبح ممكنا، أو أن قرار تنفيذ عملية عسكرية جديدة قد حسم بالفعل. كما يشير شنيكات إلى أن استهداف أكبر قدر ممكن من المنشآت الإستراتيجية والحيوية، قد يهدف لدفع القيادة الإيرانية إلى قبول المطالب الأميركية، أو زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الداخلية. وبذلك، قد تتجاوز الغاية إلحاق خسائر عسكرية، إلى رفع كلفة استمرار المواجهة على الدولة والنظام الإيرانيين.
غير أن الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة، يحذر من الخلط بين النتائج: العسكرية المباشرة والسياسية بعيدة المدى، مؤكدا أن “التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق نصر سياسي”.
فحتى إذا نجحت الضربات بتدمير منشآت أو إضعاف قدرات إستراتيجية، فلا يعني ذلك أن الطرف المستهدف سيتخلى عن أهدافه أو يقبل بالشروط المفروضة عليه. ومن هنا، تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة أهداف محتملة: إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وإجبار طهران على تقديم تنازلات إستراتيجية، وتغيير النظام السياسي. وهذه الأهداف ليست متطابقة، ولا يفضي تحقيق أحدها بالضرورة إلى تحقيق الآخرين.
نتنياهو بين الأمن والانتخابات
يفتح توقيت تصعيد الكيان الباب أمام تساؤلات بشأن العلاقة بين إدارة التهديد الإيراني وحسابات القيادة السياسية فيه؛ فالتلويح بخطر خارجي، والتأكيد على الاستعداد العسكري، وربط الانتخابات بقدرة القيادة على مواجهة التهديدات الأمنية، كلها عناصر تدخل في الخطاب السياسي الموجه للناخبين.
لكن وجود هذا التداخل لا يكفي وحده لإثبات أن نتنياهو يسعى للحرب لأسباب انتخابية.
وفي هذا الإطار، يرى الماضي أن الحسابات السياسية والانتخابية في الولايات المتحدة والكيان قد تؤثر في توقيت العمليات، لكنه يشكك بأن تكون هذه الحسابات وحدها كافية لاستبعاد الحرب، إذا خلصت الأطراف المعنية إلى أن الوسائل السياسية لم تحقق النتائج المطلوبة.
وتكتسب التقارير عن خلاف محتمل بين نتنياهو ورئيس الأركان، أهمية إضافية هنا؛ فقد تحدثت وسائل إعلام في الكيان عن تحفظات عسكرية إزاء عملية غير محددة قد تؤدي لمواجهة مع إيران قبل الانتخابات، وعن مطالبة قيادة الجيش بمناقشة موسعة وتفويض رسمي واضح قبل تنفيذها.
في المقابل، نفى نتنياهو وجود مواجهة مع رئيس الأركان، ورفضت حكومته التقارير التي تحدثت عن محاولة استغلال الجبهة الإيرانية لتحقيق مكاسب انتخابية. وهنا تظل هذه الروايات متعارضة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها دليلا قاطعا على وجود خطة لإشعال الحرب بهدف تأجيل الانتخابات أو تحسين فرص نتنياهو السياسية.
لكنها تطرح سؤالا جوهريا بشأن حدود العلاقة بين القرار السياسي والتقدير العسكري، ومدى قدرة المؤسسات الأمنية على منع تحول التهديدات الخارجية لقرارات متسرعة.
في المقابل، قد تتقدم الاعتبارات الإستراتيجية على الحسابات الانتخابية، خصوصا إذا اعتقدت قيادة الكيان بأن البرنامج النووي الإيراني أو إعادة بناء القدرات الصاروخية يشكلان تهديدا يستوجب التحرك. لذلك، فإن تفسير التصعيد يحتاج للنظر في المسارين معا، من دون اختزال القرار العسكري في الدافع الانتخابي أو استبعاد تأثير السياسة الداخلية فيه.
توسيع دائرة الحرب
الخبير د. منذر الحوارات، يرى أن التحول الأكثر حساسية قد يتمثل بالانتقال من استهداف القدرات القتالية إلى ضرب ما يسميه “عناصر الصمود” الإيراني، بما يشمل البنية التحتية الحيوية والاقتصادية وشبكات الاتصال والموانئ ومنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه.
ويعني هذا التحول، أن الحرب قد تستهدف قدرة الدولة على مواصلة تشغيل مرافقها وتقديم الخدمات الأساسية، وليس فقط قدرة قواتها المسلحة على القتال.
ويتقاطع ذلك مع تقديرات أبو زيد وشنيكات بشأن توسيع بنك الأهداف، لكنه يركز على قدرة الدولة والمجتمع على تحمل الأعباء الاقتصادية والخدمية المترتبة على استمرار العمليات.
ويحذر الدعجة من أن المواجهة قد تجمع بين الضربات الجوية والصاروخية والعمليات البحرية والحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية والضغط الاقتصادي. وقد يؤدي تداخل هذه الأدوات لتوسيع نطاق الأضرار، بحيث تتجاوز المنشآت العسكرية إلى أنظمة الاتصالات والطاقة والخدمات المالية والبنية التحتية المدنية.
كما قد تمتد التداعيات للخليج العربي والبحر الأحمر وشرق المتوسط، خصوصا إذا تأثرت حركة الملاحة أو تعرضت منشآت الطاقة للضربات. بينما يبرز مضيق هرمز في هذا السياق باعتباره ممرا حيويا لتجارة النفط العالمية، إذ أن أي اضطراب كبير فيه قد يرفع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين، وينعكس على اقتصادات المنطقة وخارجها.
ويعني ذلك أن اتساع الحرب لن يقتصر على عدد الأهداف التي يجري قصفها، بل سيشمل عدد الأطراف المتأثرة بها، ومدى قدرة الدول على احتواء تداعياتها الاقتصادية والأمنية. وقد يؤدي استهداف البنية الحيوية لزيادة الضغط على إيران، لكنه قد يرفع أيضا كلفة المواجهة على المنطقة بأكملها، ويمنح طهران دوافع إضافية لتوسيع نطاق الرد.
بين التسوية والحرب المفتوحة
برغم تصاعد الخطاب السياسي والعسكري، ما تزال احتمالات التسوية قائمة، وإن كانت مرتبطة بقدرة الأطراف على معالجة الخلافات الجوهرية بشأن البرنامج النووي والعقوبات والضمانات الأمنية وحرية الملاحة.
ويلفت أبو زيد، إلى أن غياب الاختراق الدبلوماسي قد يدفع نحو التصعيد، بينما يشير شنيكات لاستمرار الاتصالات والوساطات رغم تمسك الأطراف بمواقفها. بينما يحذر الدعجة من أن أزمة الثقة قد تدفع كل طرف لتفسير تحركات الآخر، باعتبارها استعدادا للهجوم، بما يؤدي لسلسلة إجراءات مضادة ترفع مخاطر سوء التقدير.
وقد تبدأ عملية عسكرية بأهداف محددة، ثم تتسع بفعل الردود المتبادلة، حتى إذا لم يكن أي من الأطراف راغبا بخوض حرب طويلة.
وتتوزع السيناريوهات المحتملة بين تسوية سياسية وأمنية تحد من التصعيد، وحملة عسكرية تستهدف المنشآت النووية والصاروخية والاستراتيجية، أو مواجهة إقليمية متعددة الجبهات تطال القواعد العسكرية والمصالح الحيوية والممرات البحرية.
ولا يضمن وصف أي عملية بأنها محدودة أن تبقى كذلك، إذ قد يؤدي الرد الإيراني لتوسيع نطاق الضربات واستهداف مصالح إضافية، بينما يصعب التنبؤ بمدة المواجهة ونتائجها النهائية.
“الغد”

شاهد ايضا

Focus Mode