الدكتور نضال المجالي
لم يخطر ببالي، يوما، أن أشك في قدرة أجهزتنا الأمنية على ملاحقة المجرمين والقبض على كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن الوطن واستقراره، أو استهداف أهلنا في الكرك، ولا سيما إخوتنا وأحبتنا من أبناء المسيحية، الذين كانوا وسيبقون عضدا وسندا وشركاء في كل إنجاز جميل في هذا الوطن. ثقتنا بأجهزتنا الأمنية راسخة، وبقدرتها على أداء واجبها لا تتزعزع.
لكن السؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا اليوم ليس فقط: كيف نلقي القبض على المجرم؟ بل: كيف نمنع صناعة المجرم قبل أن يتحول فكره الأسود إلى فعل يستهدف الوطن وأبناءه؟
هنا تبدأ مسؤوليتنا جميعا؛ مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والمسجد والكنيسة، والمجتمع بكل مكوناته. فالإرهاب لا يولد دائما من طلقة، ولا يبدأ بالضرورة بفعل إجرامي واضح؛ قد يبدأ بكلمة تحريض، أو إشارة كراهية، أو مزحة مسمومة، أو همسة تحمل بذور الفتنة، ثم يكبر حين يجد من يبرره، أو يستهين به، أو يصمت عنه.
والأخطر أن أصحاب هذه الأفكار والسلوكيات لا يظهرون دائمًا غرباء عن محيطنا، بل قد يكونون بيننا، في مجالسنا وأحاديثنا. فهل ننبّه حين نسمع خطاب الكراهية؟ وهل نوقف التحريض حين يبدأ؟ وهل نبلّغ الجهات المختصة عندما نلاحظ مؤشرات جدية تستدعي التدخل؟ أم نكتفي بالصمت، حتى تقع الكارثة، ثم نتساءل: كيف حدث ذلك؟
إن حماية الوطن لا تبدأ عند أبواب دائرة المخابرات والجيش العربي او المحاكم ومراكز الأمن فقط، جهدها هو العظيم والأكبر والأقدر ولكن لنؤمن بانها تبدأ من ضمائرنا ومجالسنا وبيوتنا.فلا مكان للتهاون مع خطاب يهدد وحدتنا، ولا مبرر للصمت عن فكر يستهدف شركاءنا في الوطن.
الكرك أكبر من الفتنة، والأردن أكبر من كل فكر متطرف، وأبناء الوطن، مسلمين ومسيحيين، نسيج واحد لا يجوز لأحد تمزيقه.
فلنكن شركاء في الوقاية قبل المواجهة، وفي كشف الخطر قبل استفحاله؛ لأن الوطن لا يحميه الأمن وحده، بل يحميه أيضا مجتمع يرفض الكراهية، ويواجه التحريض، ولا يسمح للفتنة بأن تجد بين أبنائه موطئ قدم.

