ناصر قعوار ابو عوني.. أحد عشر عاماً على الرحيل، وما...

الرئيسية مقالاتناصر قعوار ابو عوني.. أحد عشر عاماً على الرحيل، وما زال الغياب موجعاً والأثر خالداً

ناصر قعوار ابو عوني.. أحد عشر عاماً على الرحيل، وما زال الغياب موجعاً والأثر خالداً

من mk
A+A-
Reset

ليس كل غيابٍ نهاية، فثمة رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يتركون في أوطانهم ما يجعل حضورهم مستمراً، وتبقى أسماؤهم شاهدةً على زمنٍ صنعوا فيه الفرق، حين كانت البدايات صعبة، والإمكانات محدودة، والإيمان بالنجاح هو رأس المال الحقيقي.

أحد عشر عاماً مضت على رحيل ناصر نجيب قعوار، «أبو عوني»، لكن حكاية هذا الرجل لا تزال تستحق أن تُروى، لا من باب الوفاء لذكراه فحسب، بل لأن سيرته تختصر جانباً مهماً من قصة بناء السياحة الأردنية، وتقدم نموذجاً لرجل أعمال لم يفصل يوماً بين طموحه المهني وحبه لوطنه.

رحم الله أبا عوني، الرجل الذي لم ينتظر أن يصبح الأردن وجهة سياحية عالمية حتى يؤمن به، بل آمن بالأردن حين كانت الإمكانات محدودة، وحين كان تسويق المملكة للعالم يحتاج إلى نفس طويل وإرادة لا تنكسر.

لقد كان يرى في هذا الوطن أكثر مما تراه العين العابرة؛ كان يرى تاريخاً يستحق أن يُروى، وأرضاً تستحق أن تُكتشف، وفرصاً تنتظر من يؤمن بها ويعمل من أجلها. ومن هذا الإيمان انطلقت رحلته، لتصبح السياحة بالنسبة إليه رسالة وطنية قبل أن تكون مهنة أو استثماراً.

في عام 1965، أسس شركة البتراء للسياحة والسفر، في مرحلة لم تكن فيها البنية التحتية السياحية الأردنية قد بلغت ما نعرفه اليوم. لم يكن الطريق سهلاً، ولم تكن النتائج مضمونة، لكنه امتلك ما هو أهم من الظروف المواتية: رؤية واضحة، وإيماناً راسخاً بأن الأردن يستحق أن يكون حاضراً في ذاكرة العالم السياحية.

ومنذ ذلك الحين، حمل أبو عوني صورة الأردن إلى الخارج، وسافر، والتقى، وسوّق، وعمل على إقناع شركات السياحة والطيران بأن هذه الأرض الصغيرة بمساحتها، الكبيرة بتاريخها، تمتلك ما يجعلها مقصداً يستحق الزيارة والاكتشاف.

ثم مضى إلى الاستثمار الفندقي في البحر الميت، والعقبة، والبتراء، وأسهم في تأسيس الشركة الأردنية للنقل السياحي «ألفا»، مدركاً أن السياحة لا تقوم على المواقع الأثرية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة من الفنادق والنقل والخدمات والعلاقات الدولية.

كان رجلاً يفكر بالمستقبل في وقتٍ كان فيه كثيرون يترددون أمام تحديات الحاضر. وحين أقام مشروعاً في منطقة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، لم يكن يفعل ذلك لأنه لم يرَ الصعوبات، بل لأنه رأى ما يمكن أن تصبح عليه المنطقة إذا امتلك أحدهم الشجاعة للبدء.

وهنا تكمن قيمة أبي عوني الحقيقية؛ لم يكن ينتظر أن تتوافر كل الظروف حتى يتحرك، بل كان مستعداً لتحمل مشقة البدايات، إيماناً منه بأن ما يُبنى اليوم بإخلاص قد يصبح غداً جزءاً من اقتصاد الوطن وذاكرته.

لقد رحل أبو عوني، لكن السنوات لم تستطع أن تلغي السؤال الذي تطرحه سيرته على الأجيال الجديدة: كيف استطاع رجل واحد أن يرى في الأردن كل هذه الإمكانات، وأن يكرّس عقوداً من عمره للدفاع عنها وتسويقها واستثمارها؟

الإجابة ليست في الفنادق وحدها، ولا في الحافلات السياحية، ولا في أسماء الشركات التي أسهم في تأسيسها؛ بل في تلك الروح التي آمنت بأن خدمة الوطن لا تكون دائماً من موقع رسمي، وأن المستثمر يستطيع أن يكون شريكاً في بناء بلده، وأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما يحققه الإنسان لنفسه فقط، بل بما يضيفه إلى المكان الذي ينتمي إليه.

بعد أحد عشر عاماً على رحيله، لا نكتب عن أبي عوني لنستعيد الماضي فحسب، بل لنتذكر أن الأوطان مدينة لروادها الذين آمنوا بها حين كانت بحاجة إلى الإيمان، وعملوا بصمت حين كانت النتائج تحتاج إلى سنوات حتى تظهر.

رحم الله ناصر نجيب قعوار، أبا عوني، وأبقى ذكره الطيب حاضراً في ذاكرة الأردن وأبنائه. فقد كان من أولئك الذين لم يكتفوا بحب الوطن، بل جعلوا من هذا الحب عملاً متواصلاً، ومن الإيمان به مشروع حياة.

أحد عشر عاماً على الرحيل، وما زال الدرس باقياً: قد يغيب الإنسان، لكن ما يزرعه بإخلاص في أرض وطنه لا يرحل معه.

شاهد ايضا

Focus Mode