إربد- مع اقتراب التشغيل الفعلي لمشروع الإشارات الذكية في مدينة إربد، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة النظام الجديد على التعامل مع واحدة من أبرز مشكلات المدينة، والمتمثلة بالازدحامات والاختناقات المرورية، خصوصا في ساعات الذروة وعلى التقاطعات الرئيسية.
ومن المقرر أن يبدأ تشغيل الإشارات الذكية في ثلاثة تقاطعات رئيسية، هي تقاطع الثقافة، وإشارة بردى، وإشارة الدراوشة، في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، على أن يجري تباعا ربط 36 إشارة ضوئية وتقاطعا بالأنظمة الذكية ومركز التحكم الرئيس في بلدية إربد الكبرى.
ويأتي المشروع في ظل حركة مرورية كثيفة تشهدها المدينة يوميا، نتيجة تزايد أعداد السكان والمركبات وحجم الحركة القادمة من مختلف مناطق المحافظة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة التكنولوجيا وحدها على معالجة الاختناقات، وما إذا كانت الإشارات الذكية ستنجح في تحسين انسيابية المرور فعليا.
ويرى مختصون أن نجاح التجربة لن يقاس بمجرد تركيب الإشارات وتشغيلها، وإنما بقدرتها على تقليل أوقات الانتظار والتعامل مع أحجام الحركة المختلفة، مؤكدين أن الإشارات الذكية تمثل جزءا من منظومة مرورية متكاملة، وليست حلا منفردا لجميع الاختناقات.
وبحسب مهندس تخطيط النقل والمرور راكان حجازي، فإن الحكم على كفاءة الإشارة الجديدة في تقاطع الثقافة ما يزال مبكرا، في ظل استمرار بعض الأعمال وعدم اكتمال العناصر التشغيلية والعلامات الأرضية، إلى جانب الحاجة إلى ضبط برنامج الإشارة وتنسيق توقيتها مع إشارة بردى.
ويؤكد أهمية أن تستند مشاريع تطوير التقاطعات إلى دراسات مرورية متكاملة تدرس حجم الحركة والبدائل الهندسية قبل اعتماد التصميم النهائي، مشيرا إلى أن مساحة تقاطع الثقافة قد تسمح بدراسة خيارات تشغيلية لتنظيم الحركات المرورية المتقابلة بالتزامن، بما قد يزيد الطاقة الاستيعابية ويقلل زمن الانتظار إذا أثبتت الدراسات ملاءمتها للموقع.
قراءة الواقع المروري
ويشدد حجازي على أن الإشارة الذكية وحدها لا تكفي لمعالجة الازدحام، داعيا إلى النظر للتقاطعات والمداخل والمخارج والمواقف وحركة المرور باعتبارها منظومة واحدة، مع ضرورة تقييم أداء المشروع ميدانيا بعد اكتمال تشغيله وقياس النتائج قبل إصدار حكم نهائي على التجربة.
من جهته، يرى الخبير المروري المحامي عبد الرحيم القضاة، أن نجاح مشروع الإشارات الذكية لا يرتبط بمجرد ربطها إلكترونيا، وإنما بقدرتها على قراءة الواقع المروري والتعامل مع أحجام الحركة المختلفة، بحيث تتوزع أوقات فتح الإشارة وفق كثافة المركبات في كل اتجاه.
وأوضح أن النظام الذكي يفترض أن يرصد حجم الحركة، ثم يزيد مدة الضوء الأخضر للمسار الذي يشهد كثافة أعلى، مقابل تقليلها في الاتجاهات الأخرى، بدلا من الاعتماد على توقيت ثابت لا يتغير مع اختلاف أحجام المرور.
وأشار القضاة إلى أهمية التكامل بين المنظومة وغرفة التحكم والسيطرة ورجال السير والمراقبين ميدانيا، مبينا أن الكاميرات والشاشات تتيح متابعة الحركة المرورية بصورة مستمرة والتدخل عند الحاجة، فيما تمنح البيانات المتوافرة رجال السير أدوات أفضل للتعامل مع الاختناقات والحالات الطارئة.
كما أكد أهمية التنسيق بين الإشارات المتقاربة، ومن بينها إشارتا الثقافة وبردى، حتى لا تؤدي معالجة الازدحام في تقاطع إلى نقل المشكلة مباشرة إلى التقاطع التالي، لافتا إلى أن الربط بين الإشارات يجب أن يهدف إلى تنظيم حركة المركبات على امتداد الشوارع، وليس التعامل مع كل تقاطع بصورة منفصلة.
وبين القضاة أن فعالية الربط تختلف من موقع إلى آخر بحسب المسافات بين التقاطعات وطبيعة شبكة الطرق وحجم الحركة والاتجاهات الأكثر استخداما، مؤكدا أن الإشارة الذكية يجب أن تقوم على قراءة الواقع المروري، وليس على الربط الإلكتروني وحده.
وأشار إلى أن معالجة اختناقات إربد تحتاج كذلك إلى حلول أخرى، مبينا أن هناك دراسة مرورية سابقة تضمنت تحويل بعض الشوارع إلى اتجاه واحد، وتنظيم حركة الدخول والخروج، إلى جانب تأمين مواقف للحافلات وتنظيم حركة النقل العام.
وأكد القضاة أن تحويل بعض الشوارع إلى اتجاه واحد يجب أن يكون ضمن خطة متكاملة تدرس مسارات النقل العام ومواقع المواقف واتجاهات السير، حتى لا يؤدي تعديل اتجاه شارع إلى نقل الازدحام من موقع إلى آخر.
ولفت، كذلك، إلى أن مشكلة الاختناقات في شارع الثقافة ليست جديدة، مشيرا إلى أن مشروع إنشاء نفق في المنطقة كان مطروحا منذ سنوات باعتباره أحد الحلول لمعالجة الحركة المرورية، موضحا أن الزيادة المتوقعة في أعداد السكان والمركبات تجعل الحلول المرورية المرحلية غير كافية وحدها على المدى البعيد.
اختبار ساعات الذروة
وقال القضاة: “إن الإشارات الذكية يمكن أن تسهم في تحسين الواقع المروري والتخفيف من الاختناقات، لكنها لن تكون بديلا عن مشاريع البنية التحتية طويلة الأمد، بما فيها الأنفاق والجسور والحلول الهندسية في المواقع التي تشهد اختناقات مزمنة”.
وعلى مستوى المواطنين، يترقب أبناء إربد أن ينعكس المشروع بصورة مباشرة على حياتهم اليومية، خصوصا في ساعات الصباح وبعد انتهاء الدوام، عندما تشهد الشوارع والتقاطعات الرئيسية تكدسا واضحا للمركبات.
ويقول المواطن علي شطناوي: “إن المواطن لا ينظر إلى الإشارة الذكية باعتبارها مشروعا تقنيا، وإنما ينتظر نتائج ملموسة تتمثل في تقليل مدة الانتظار وعدم بقاء المركبات في طوابير طويلة أمام التقاطعات”، مشيرا إلى أن بعض الرحلات داخل المدينة تستغرق وقتا أطول بسبب الازدحامات مقارنة بالمسافة الفعلية.
بدوره، يرى المواطن سالم جرادات أن الاختبار الحقيقي للمشروع سيكون خلال ساعات الذروة، داعيا إلى متابعة أداء الإشارات في ظروف الضغط المروري المرتفع وعدم الاكتفاء بتجربتها في الأوقات الاعتيادية.
ويؤكد أن الإشارات الذكية قد تساعد في تنظيم المرور، لكن ذلك يحتاج بالتوازي إلى تشديد الرقابة على الوقوف العشوائي والاصطفاف المزدوج، لأن إعاقة المسارب قد تحد من قدرة أي نظام مروري على تحقيق الانسيابية المطلوبة.
من جانبه، يؤكد الناطق الإعلامي باسم بلدية إربد الكبرى غيث التل أن مشروع الإشارات الذكية يأتي ضمن توجه البلدية لتطوير إدارة الحركة المرورية والاستفادة من التكنولوجيا في تحسين مستوى الخدمات، موضحا أن التشغيل سيبدأ في عدد من التقاطعات الرئيسية قبل التوسع تدريجيا في ربط الإشارات والتقاطعات ضمن المنظومة، وصولا إلى 36 إشارة وتقاطعا.
وبين التل أن الهدف لا يقتصر على تغيير توقيت الإشارات، وإنما بناء منظومة قادرة على إدارة الحركة المرورية بصورة أكثر كفاءة والاستفادة من البيانات لتحديد مواقع الضغط والتعامل معها وفق المعطيات الفعلية، مشيرا إلى أن أداء المشروع سيخضع للمتابعة والتقييم بعد التشغيل.
وأوضح أن إدارة المنظومة ستكون من خلال غرفة تحكم مركزية داخل مبنى البلدية، مزودة بكاميرات مراقبة للتقاطعات، بما يتيح متابعة الحركة المرورية بصورة مستمرة، مؤكدا أن الغرفة ستعمل على مدار الساعة بمجرد استكمال تجهيزها وربطها بالأنظمة والمجسات.
وقال التل: “إن الإشارات تعمل حاليا وفق معايرة اعتيادية، إلى حين الانتهاء من تركيب المجسات وتجهيز غرفة التحكم”، لافتا إلى أنه عند تشغيل النظام الذكي بصورة كاملة ستصبح الإشارات قادرة على التعامل مع حركة السير وفق حجم الضغط المروري في كل اتجاه، بحيث تتغير آلية التشغيل والتوقيتات تبعا للكثافة المرورية الفعلية، بدلا من الاعتماد على توقيت ثابت.
وأكد أن البلدية تدرك أن معالجة الازدحامات لا تعتمد على الإشارات وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الطرق وتنظيم المواقف والوقوف والحركة التجارية والنقل العام، إلا أن المشروع يمثل خطوة باتجاه إدارة أكثر كفاءة للحركة المرورية والاستفادة من التقنيات الحديثة.
“الغد”

