الرئيسية رئيسيالضخ الجائر للمياه الجوفية.. استنزاف حاد للأحواض المائية

الضخ الجائر للمياه الجوفية.. استنزاف حاد للأحواض المائية

من mk
A+A-
Reset

عمان – أكد خبراء في الزراعة أن الضخ الجائر للمياه الجوفية يؤدي لتحقيق انتعاش ظاهري ومؤقت في القطاع الزراعي، بحيث يسهم التوسع في استخراج المياه بزيادة حجم الإنتاج، وتلبية متطلبات السوق على المدى القريب، لكن هذا الازدهار الخاطف يخفي استنزافاً حاداً للأحواض المائية بمعدلات تفوق قدرتها الطبيعية على التجدد، ما يدرج هذا النمو ضمن النمط غير المستدام الذي يستهلك الرصيد المائي الإستراتيجي للمملكة.

وبينوا أن القرار المطلوب حاليا، ليس المفاضلة بين المياه والزراعة، بل حماية الزراعة من الانهيار المائي التدريجي، لافتين إلى أن الأمن الغذائي لا يتحقق بمجرد زيادة الإنتاج في الوقت الحاضر، بل بضمان القدرة على مواصلته مستقبلاً. معتبرين أن كل تأخير بضبط الضخ الجائر يرفع كلفة المعالجة، ويقلص الخيارات المتاحة، وقد يجعل استعادة بعض الأحواض أمراً بالغ الصعوبة.

وقالوا لـ”الغد”، إن المطلوب عدادات ذكية مرتبطة إلكترونياً على جميع الآبار الزراعية، المرخصة قبل المخالفة، ونشر بيانات السحب لكل حوض، وتسعير تصاعدي حقيقي لأي حصة مرخصة تجاوزت حدها، وبرنامج لشراء حصص الضخ أو إخراج الآبار من الخدمة في أشد الأحواض استنزافاً، مقابل تعويض عادل ودعم انتقال المزارعين إلى محاصيل أقل استهلاكاً، أو إلى المياه المعالجة، بحيث يتاح ذلك بربط أي ترخيص لمشروع زراعي جديد في المرتفعات، بموازنة مائية للحوض الذي سيسحب منه.

 

 

 

 

 

 

تراجع إنتاجية الآبار

الخبير د. فاضل الزعبي، قال “في الأردن رقم يلخص أزمة المياه أكثر من أي خطاب، حيث تحدد وزارة المياه والري الحد الآمن للسحب من المياه الجوفية بنحو 419 مليون م3 سنوياً، منها نحو 275 مليوناً متجددة ونحو 143 مليوناً من مخزون غير متجدد على أفق خمسين عاماً”.

وأضاف الزعبي، بلغ السحب الفعلي في العام 2023 نحو 699 مليون م3، أي بزيادة تقارب 281 مليوناً فوق الحد الآمن، وبعبارة أبسط، نسحب كل عام ما يقارب ثلثي الحد الآمن فوقه، ونسجّل الفرق ديناً على الأجيال القادمة. مبينا أن هذا الدين ليس نظرياً، فقد انخفضت مناسيب المياه الجوفية عشرات الأمتار في مناطق مثل شرق المفرق والضليل والحلابات، وتراجعت إنتاجية الآبار، وارتفعت ملوحة كثير منها، بفعل الضخ المكثف، ومع كل متر إضافي في العمق، ترتفع كلفة الضخ وتنخفض جودة المياه، حتى يصل البئر إلى نقطة لا يعود عندها صالحاً للشرب أو للري.

وتبذل وزارة المياه جهداً حقيقياً في ملاحقة المخالفين، فمنذ إطلاق حملة إحكام السيطرة على مصادر المياه في العام 2013 وحتى حزيران (يوينو) الماضي، ضبطت وردمت نحو 1,734 بئراً مخالفة، وحجزت 160 حفارة. لكن هذا الجهد على أهميته، يعالج الجزء الظاهر فقط. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة، هو: كم من الملايين الـ281 الزائدة يأتي من آبار مخالفة، وكم يأتي من آبار مرخصة تضخ أكثر من حصتها في غياب عدادات موثوقة ورقابة فعلية؟ إن كان الجزء الأكبر من النوع الثاني، فإن حملات الردم، مهما اتسعت، لن تغيّر المعادلة.

وقال الزعبي إن الزراعة في المرتفعات، طرف رئيسي في هذه المعادلة، فجزء من الخضراوات والأشجار المثمرة التي نصدّرها، يُروى بمياه جوفية غير متجددة، ما يعني عملياً أننا نصدّر مخزوناً استراتيجياً بسعر محصول. أما القيمة التي نحصل عليها من الصادرات، فلا تُحتسب في مقابلها كلفة المياه التي لن تعود.

وبين أن المفارقة التي لا تنال حقها من النقاش، تكمن في أن المدن والمزارع تسحب في غالبا من الأحواض نفسها. فكل متر مكعب يُستنزف للري في حوض مشترك، يُقتطع عملياً من مياه الشرب المستقبلية لسكان المدن القريبة. وكل انخفاض في المنسوب يرفع فاتورة الطاقة للضخ على المزارع والدولة معاً. أي أن الكلفة الحقيقية للضخ الجائر، تتوزع على الجميع، بينما يبقى العائد محصوراً في عدد محدود من المستفيدين.

وزاد أن هذا لا يعني إغلاق المزارع، بل إعادة تعريف دور المياه الجوفية بأنها: احتياطي إستراتيجي لسنوات الجفاف والطوارئ، لا مجرد مصدر استهلاك يومي مفتوح.

وبين الزعبي، أن ذلك يتطلب أربع خطوات؛ الأولى: تركيب عدادات ذكية مرتبطة إلكترونياً على جميع الآبار الزراعية المرخصة قبل المخالفة، ونشر بيانات السحب لكل حوض. أما الثانية: فتسعير تصاعدي حقيقي لما يتجاوز الحصة المرخصة، بينما الثالثة: تكمن برنامج لشراء حصص الضخ أو إخراج الآبار من الخدمة في أشد الأحواض استنزافاً، مقابل تعويض عادل ودعم انتقال المزارعين إلى محاصيل أقل استهلاكاً، أو إلى المياه المعالجة حيث يتاح ذلك. والرابعة: ربط أي ترخيص لمشروع زراعي جديد في المرتفعات بموازنة مائية للحوض الذي سيسحب منه.

وأشار الزعبي إلى أن المياه الجوفية آخر خط دفاع في بلد يعتمد على مطر متقلب ومصادر عابرة للحدود، مبينا أنه حين يأتي موسم جاف شديد أو أزمة إقليمية، يكون هذا المخزون هو ما يفصل بين الضغط والانهيار واستنزافه اليوم لا يوفّر مالاً، بل ينقل الكلفة إلى لحظة سنكون فيها أقل قدرة على الدفع.

تجاوز قدرة الأحواض

على التجدد

من جهته، بين وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري، أنه حين يستمر سحب المياه الجوفية بما يتجاوز قدرة الأحواض على التجدد، ويُبنى التوسع في الإنتاج على استمرار هذا السحب، فإننا نستهلك رأس مالنا المائي، ونحمّل الأجيال المقبلة كلفة قراراتنا الحالية. وإذا استمر التساهل مع ذلك، يصبح الضخ الجائر سياسة أمر واقع غير معلنة، حتى لو كانت الإستراتيجيات الرسمية تدعو إلى حماية المياه واستدامتها.

وأضاف المصري، إن المسؤولية هنا تبدأ من إدارة الموارد والسياسات التي تنظم استخدامها، فالضخ الجائر لا يقتصر على الآبار المخالفة؛ إذ قد يتجاوز مجموع السحب من الآبار المرخصة وغير المرخصة الحدود المستدامة للحوض. لذلك لا تكفي المراقبة القانونية للبئر المنفرد، بل يجب تحديد سقف للسحب من كل حوض، وقياس الكميات فعلياً، ونشر بياناتها، وتطبيق خطة لخفض الاستنزاف دون استثناء أو انتقائية. أما المياه الجوفية غير المتجددة، فيجب التعامل معها باعتبارها مخزوناً استراتيجياً محدوداً، يُدار استهلاكه وفق أولويات وطنية معلنة.

وقال المصري إن الزراعة طرف رئيس في هذه المعادلة، لكنها ليست كتلة واحدة يجوز تحميلها المسؤولية بالتعميم. فهناك فرق بين زراعة تستخدم المياه المعالجة أو السطحية، وأخرى تعتمد على استنزاف المياه الجوفية العذبة. والمطلوب هنا: تقييم الإنتاج بحسب مصدر المياه وكميتها، وصافي العائد للمزارع، وقيمته الغذائية والاقتصادية والاجتماعية. ولا يجوز اعتبار زيادة المساحات أو الصادرات نجاحاً مكتملًا، إذا تحققت على حساب مخزون مائي يصعب تعويضه.

وأوضح بانه لا يصح مطالبة المزارع بتغيير نشاطه، ثم نتركه يتحمل الكلفة وحده، مبينا أن المطلوب برنامج انتقال عملي، يوفر التمويل والإرشاد والتقنيات المناسبة والعقود التسويقية، ويساعد على التحول لإنتاج أعلى عائد لكل م3. ويكون لاتحاد المزارعين والتعاونيات المحوكمة والمظلة التسويقية الزراعية، دور مباشر بتنظيم الإنتاج، وخفض تكاليفه، وحماية دخل المزارعين خلال هذا التحول.

وزاد المصري، أن تحديث الري، يجب أن يؤدي لخفض السحب الفعلي؛ فإذا استُخدم الوفر لتوسيع المساحات، فلن نكون قد عالجنا الاستنزاف. وينطبق ذلك على الطاقة الشمسية للضخ: فائدتها بخفض كلفة الإنتاج، ينبغي أن تقترن بسقوف مائية ملزمة. ويجب توسيع استخدام المياه المعالجة الملائمة للمحاصيل والتربة لإحلالها محل المياه العذبة، وربط مصادر التحلية الجديدة، بخطة لتخفيف الضغط على الأحواض، بالتوازي مع خفض فاقد الشبكات ووقف الاعتداءات.

وقال المصري إن الأمن الغذائي يحتاج لزراعة قابلة للاستمرار، والأمن المائي يحتاج لقرارات تنسجم معها سياسات الزراعة والطاقة والاستثمار، مؤكدا أن حماية المزارع تعني حماية المورد الذي يقوم عليه رزقه، ودعم الزراعة، يجب أن يكافئ الإنتاج المجدي والوفر المائي، وأن يصاحبه وقف حازم للاستنزاف، فالمياه الجوفية رصيد وطني، والتساهل في استهلاكه اليوم يهدد مياه الشرب والإنتاج الزراعي معاً في المستقبل.

كيفية إدارة الموارد المتاحة

بينما قال المدير التنفيذي لمنصة دمج الأكاديميا بالصناعة د. خالد خريسات، إن أزمة المياه في الأردن ليست مجرد تحدٍّ يرتبط بندرة الأمطار وتراجع الموارد الطبيعية، بل أصبحت قضية تتعلق بكيفية إدارة الموارد المتاحة، ومدى التوافق بين السياسات المعلنة والقرارات التنفيذية. وهنا تبرز قضية الضخ الجائر للمياه الجوفية كأولوية وطنية، بحيث تظهر الأرقام الرسمية مؤشراً واضحاً على حجم التحدي. فقد أظهرت الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023 – 2040 أن نحو 61 % من الآبار تجاوزت حدود الاستخراج الآمن وفق خط الأساس لعام 2021. كما جرى تقدير التغذية السنوية الآمنة للمياه الجوفية المتجددة بنحو 280 مليون م3، في حين بلغ إجمالي الاستخدامات المسجلة للمياه الجوفية المتجددة وغير المتجددة في العام 2021 نحو 619 مليون م3، منها 210 ملايين م3 لأغراض الري ما يؤكد حجم الضغط الواقع على المورد.

كما أشار خريسات، إلى الإستراتيجية نفسها لتسجيل انخفاض في مناسيب المياه الجوفية، يصل إلى نحو 10 م3 سنوياً في بعض المناطق، وبين 4 إلى 5 م 3 في مناطق أخرى، ما يعني ارتفاع كلفة استخراج المياه مستقبلاً، واحتمال تدهور نوعية المياه، وتهديد استمرارية الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد عليها، وأهمها الزراعة.

وأضاف أن الإشكالية ليست في الزراعة بحد ذاتها، فهي ركيزة للأمنين الغذائي والاقتصادي، وفي توافق الأنماط الزراعية مع القدرة المائية الفعلية لكل حوض. بحيث أن استمرار زراعة محاصيل مرتفعة الاستهلاك المائي في مناطق فقيرة مائياً، والذي يؤدي لاستمرار الضخ بما يتجاوز قدرة الأحواض على التجدد، يتحول فيه الإنتاج قصير الأمد إلى استنزاف للمصدر الطبيعي الذي يقوم عليه الإنتاج نفسه.

ودعا خريسات، للانتباه إلى الفجوة المتوقعة بين أهداف الإستراتيجيات الوطنية والنتائج الفعلية على الأرض. فوجود خطط لحماية المياه الجوفية غير كافية بدون خطة عمل تنفيذية لتطبيق القانون بعدل وتساو وبمؤشرات قابلة للقياس، ورقابة فعالة على كميات الضخ، بحيث إن الأرقام تفرض مراجعة جدية لفاعلية السياسات المتبعة، ومدى قدرتها على تغيير الواقع، مبينا أن هذه المعادلة لا يمكن فيها إغفال الدور المحوري لوزارة الزراعة، باعتبارها شريكاً أساسياً في حماية الأمن المائي والغذائي معاً. فمسؤوليتها لا تقتصر على دعم الإنتاج الزراعي وزيادة تنافسيته، بل تمتد إلى توافق السياسات الزراعية، مع القدرة المائية الفعلية للمملكة، بالتنسيق مع وزارة المياه والجهات المعنية.

ويشمل ذلك، وفقه، التركيز ومراجعة الخريطة والرزنامة الزراعية وفق الموارد المتاحة لكل منطقة، وتوجيه الدعم والإرشاد الزراعي نحو المحاصيل الأعلى قيمة، والأقل استهلاكاً للمياه، وربط التوسع الزراعي بالتوافر المائي المستدام، وتعزيز البدائل التي تخفف الضغط على المياه الجوفية. إذ إن نجاح السياسة المائية، سيبقى محدوداً ما لم تنعكس أهدافها بوضوح في القرارات والبرامج الزراعية؛ فالمطلوب ليس وضع الزراعة بمواجهة المياه، بل في بناء سياسة زراعية تحمي المزارع، وتحافظ على قدرته على الإنتاج غداً.

وعليه، فإن ذلك يتطلب تصحيح المسار بالانتقال من إدارة الطلب على المياه بصورة عامة إلى إدارة إجبارية لكل حوض مائي، وفق ميزانه المائي وقدرته على التجدد. ويبدأ ذلك بتحديث بيانات الآبار وكميات الضخ، وتركيب عدادات موثوقة وربطها بنظام رقابي، وتحديد سقوف استخراج واضحة لكل حوض، وتطبيقها على الجميع دون استثناء. كما ينبغي ربط التراخيص الزراعية الجديدة، وخطط التوسع، وبرامج الدعم الحكومي بخريطة مائية وزراعية، تحدد المحاصيل الملائمة لكل منطقة، مع وضع مسارات انتقال تدريجية للمزارعين المتأثرين، بدلاً من تحميلهم وحدهم كلفة التحول.

وزاد خريسات، أنه يجب توجيه الحوافز للمحاصيل الأعلى قيمة مضافة والأقل استهلاكاً للمياه، والتوسع المدروس باستخدام المياه المعالجة والحصاد المائي، حيثما كان ذلك آمناً ومناسباً، ودعم التقنيات التي تثبت وتوثق خفض الاستهلاك الفعلي، وتحسين كفاءة الري.

وقال إن القرار المطلوب اليوم ليس المفاضلة بين المياه والزراعة، بل حماية الزراعة من الانهيار المائي التدريجي. فالأمن الغذائي لا يتحقق بمجرد زيادة الإنتاج حاليا وإنما بضمان القدرة على مواصلته مستقبلاً. وكل تأخير بضبط الضخ الجائر، يرفع كلفة المعالجة، ويقلص الخيارات المتاحة، وقد يجعل استعادة بعض الأحواض أمراً بالغ الصعوبة.

مخزون إستراتيجي

للأمن الوطني

الأستاذ في كلية الزراعة د.نائل الظاهر، أكد أن المياه الجوفية في الأردن، تمثل مخزوناً إستراتيجياً للأمن الوطني، وليست مجرد مصدر إضافي لتلبية الاحتياجات المائية اليومية. ففي بلد يعاني من محدودية الموارد المائية، وتذبذب الهطول المطري، وارتفاع الطلب على المياه، والاعتماد الجزئي على مصادر مائية مشتركة وعابرة للحدود، تكتسب المياه الجوفية أهمية استثنائية، باعتبارها أحد أهم عناصر القدرة على مواجهة الأزمات المناخية والإقليمية.

وأضاف الظاهر، أنه حين تتراجع الأمطار، أو تتعطل بعض مصادر التزويد، أو تتزايد الضغوط على الموارد المائية، يصبح المخزون الجوفي بمنزلة احتياطي إستراتيجي يسهم باستمرار تزويد السكان والقطاعات الاقتصادية بالمياه، مبينا أن استنزاف المياه الجوفية لا يعني فقط استهلاك مورد طبيعي محدود، بل يعني أيضاً إضعاف قدرة الأردن على مواجهة الأزمات المستقبلية.

وقال إنه من منظور اقتصادي، تكمن المشكلة الأساسية في أن تكلفة استخراج المياه الجوفية لا تعكس دائماً تكلفتها الحقيقية على المجتمع والاقتصاد الوطني. فقد تبدو المياه المستخرجة من الآبار منخفضة التكلفة نسبياً لبعض الاستخدامات، لكن استمرار الضخ بمعدلات تتجاوز التغذية الطبيعية يؤدي لانخفاض منسوب المياه، وارتفاع تكاليف الضخ والطاقة، واحتمال تدهور النوعية وزيادة الملوحة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف تأمين مصادر بديلة مستقبلاً. وبذلك، يكشف الظاهر، أن المياه الجوفية تتحول من أصل طبيعي منتج إلى مورد تتناقص قيمته الاستراتيجية مع مرور الوقت، مبينا أن الأخطر هو أن المكاسب الاقتصادية قصيرة الأجل، الناجمة عن التوسع باستخدامها، قد تكون أقل بكثير من الخسائر المستقبلية المترتبة على استنزافها. فكل م3 يُستخرج حاليا دون مراعاة استدامة المخزون، يمثل تكلفة محتملة تتحملها الأجيال القادمة، وقدرتها على التعامل معها ستكون أكثر صعوبة وكلفة.

وبين أنه في القطاع الزراعي، تبرز أهمية إعادة النظر في العلاقة بين استخدام المياه الجوفية والعائد الاقتصادي والاجتماعي للإنتاج الزراعي. فالمطلوب ليس تقليص النشاط الزراعي بصورة عشوائية، وإنما الانتقال نحو زراعة تحقق أعلى قيمة اقتصادية وغذائية واجتماعية من كل م3 مياه، مع المحافظة على دخل المزارعين واستدامة المجتمعات الريفية، وهذا يتطلب تقييم المحاصيل وفق إنتاجيتها المائية، وهامش ربحها، وفرص تسويقها، وأهميتها للأمن الغذائي، وليس وفق حجم إنتاجها فقط.

كما يتطلب ذلك أيضا، التمييز بين المناطق التي تعتمد على مياه جوفية متجددة نسبياً، وتلك التي تستنزف مخزوناً محدود التجدد أو غير متجدد. ومن الضروري إدراك أن تحسين كفاءة الري على مستوى المزرعة، لا يؤدي لخفض الاستهلاك المائي على مستوى الحوض، إذا ترافق مع التوسع في المساحات المزروعة أو زيادة كثافة الإنتاج.

أما على المستوى الوطني، قال الظاهر فإن حماية المياه الجوفية تستدعي الانتقال من إدارة الضخ والاستهلاك إلى إدارة المخزون الجوفي، باعتباره احتياطياً استراتيجياً طويل الأجل. ويمكن تحقيق ذلك بتحديد سقوف استخراج مستدامة لكل حوض مائي، وتعزيز الرقابة على الآبار والضخ غير المرخص، وتطوير أنظمة رقمية لرصد منسوب المياه ونوعيتها، وتوجيه الحوافز الزراعية نحو المحاصيل والأنشطة الأعلى إنتاجية للمياه.

كما ينبغي التوسع المدروس باستخدام المياه المعالجة للأغراض المناسبة، والاستثمار بحصاد مياه الأمطار والتغذية الاصطناعية للأحواض، حيثما تسمح الظروف الفنية والبيئية، لتطوير مصادر مائية بديلة لتخفيف الضغط عن المياه الجوفية. والأهم هو ربط السياسات الزراعية والمائية والاقتصادية، ضمن إطار مؤسسي واحد يوازن بين متطلبات الإنتاج اليوم وحقوق الأجيال القادمة.

وبين الظاهر أن الرسالة الأساسية هي أن الأمن المائي لا يقاس فقط بكمية المياه المتاحة للاستخدام اليوم، وإنما أيضاً بحجم المخزون الذي نستطيع المحافظة عليه لمواجهة الغد. فالمياه الجوفية، ليست مورداً يمكن تعويضه بسهولة عند الأزمات، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حلاً دائماً للعجز المائي السنوي.لذا فإن المحافظة عليها تمثل استثماراً في قدرة الأردن على الصمود، وفي استقرار اقتصاده وقطاعه الزراعي وأمنه الغذائي.

ومن هنا، فإن السؤال الإستراتيجي الذي ينبغي أن يوجه السياسات العامة ليس فقط: كم م3 نستطيع استخراجه اليوم؟ بل كم م3 يجب الاحتفاظ به كي يبقى الأردن قادراً على مواجهة الأزمة المقبلة؟

التوسع باستخراج المياه

بدوره، قال الخبير د. نبيل بني هاني، إن الضخ الجائر للمياه الجوفية يؤدي لتحقيق انتعاش ظاهري ومؤقت في القطاع الزراعي، بحيث يسهم التوسع في استخراج المياه، بزيادة حجم الإنتاج وتلبية متطلبات السوق على المدى القريب، غير أن هذا الازدهار الخاطف يخفي استنزافاً حاداً للأحواض المائية بمعدلات تفوق قدرتها الطبيعية على التجدد، ما يدرج هذا النمو ضمن النمط غير المستدام الذي يستهلك الرصيد المائي الإستراتيجي للمملكة.

وأضاف بني هاني، إنه على المدى البعيد، سيؤدي الاستخراج المفرط للمياه الجوفية لتدهور المخزون الاستراتيجي وتراجع جودة المياه المتبقية جراء ارتفاع نسب ملوحتها، فضلاً عن انخفاض مناسيب الأحواض الرئيسة كالديسي وعمان – الزرقاء، وسيترتب على هذا الجفاف التدريجي، نضوب الآبار وارتفاع أعباء الاستخراج، ما يعود بالضرر على القطاع الزراعي ذاته بتراجع المساحات الخضراء، وانحسار الأمن الغذائي.

وقال بني هاني، إن هذا النهج يشكل تهديداً مباشراً للأولوية الوطنية القصوى، المتمثلة بتوفير مياه الشرب للمواطنين؛ إذ إن توجيه الحصص المائية الجوفية للزراعة يزاحم الاستخدامات المنزلية الأساسية. مضيفا أنه مع اتساع الفجوة المائية، تتفاقم أزمة التزويد المنزلي، ما يفرض أعباءً جسيمة لتوفير بدائل مكلفة، كتحلية المياه ونقلها لضمان الأمن المائي المستدام.

“الغد”

شاهد ايضا

Focus Mode