عمان- أكد خبراء أن ترشيد استهلاك الطاقة والمحروقات في الأردن لم يعد قضية مرتبطة بحملات التوعية أو التعامل مع أزمات الطاقة عند حدوثها، بل بات يتطلب بناء ثقافة مجتمعية مستدامة تتحول فيها كفاءة الاستهلاك إلى سلوك يومي لدى الأفراد والمؤسسات، بالتوازي مع توفير التشريعات والحوافز التي تجعل الترشيد خيارا اقتصاديا قابلا للقياس والتقييم.
وأشاروا إلى أن ترشيد الاستهلاك لا يعني المساس بمستوى المعيشة أو خفض الرفاهية، وإنما تحقيق المستوى نفسه من الخدمات والراحة والإنتاج باستخدام كميات أقل من الطاقة، بما ينعكس إيجابا على كلفة الاستهلاك والاقتصاد الوطني والبيئة، ويعزّز قدرة المملكة على التعامل مع تحديات أمن الطاقة وتقلبات أسعار المحروقات.
وشدد الخبراء على أن الانتقال من التوعية المؤقتة إلى ثقافة راسخة يتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والجامعة والقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية، إلى جانب تطوير أدوات عملية تمكّن المستهلك من قياس أثر سلوكه على فاتورته، وتوفر حوافز تشجع على الاستثمار في كفاءة الطاقة، بحيث يصبح الترشيد ممارسة مستمرة لا ترتبط بوجود أزمة أو ارتفاع في الأسعار.
الترشيد يبدأ من الأسرة ويتعزّز بالتعليم والتشريعات
قال عضو هيئة التدريس في الجامعة الأردنية الدكتور أحمد السلايمة إن ترشيد استهلاك الطاقة والمحروقات لا يمكن اختزاله في حملات التوعية وحدها، وإنما يتطلب بناء ثقافة مجتمعية راسخة تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة والجامعة، وصولا إلى المؤسسات والشركات، بما يضمن تحول الترشيد من رسائل توعوية مؤقتة إلى ممارسة يومية متأصلة في المجتمع.
وشدد السلايمة على أهمية أن تضطلع المدارس والجامعات بدورها في هذا المجال، من خلال طرح مساقات ومفاهيم تعليمية تعرّف الطلبة بأهمية ترشيد استهلاك الطاقة، وتوضح انعكاساته الاقتصادية والبيئية، وتساعد على ترسيخ السلوك المسؤول في التعامل مع الموارد.
وأكد أن غرس هذه المفاهيم في المراحل التعليمية المختلفة من شأنه أن يعزّز الوعي بأهمية كفاءة الاستهلاك، ويجعل الترشيد جزءا من الممارسات اليومية للأفراد، بدلا من التعامل معه باعتباره إجراء استثنائيا تلجأ إليه الجهات المعنية عند حدوث أزمة في الطاقة أو ارتفاع أسعار المحروقات.
وأكد أهمية توفير حوافز للأفراد والشركات والمؤسسات لتشجيع ترشيد استهلاك الطاقة، بالتوازي مع إقرار تشريعات تحدد الأطر اللازمة لتنظيم هذا المجال، معتبرا أن التوعية وحدها لا تكفي ما لم تستند إلى منظومة متكاملة من التشريعات والحوافز والممارسات العملية.
القدوة الحكومية وتنظيم المرور مدخلان لخفض استهلاك الوقود
من جهته، قال الخبير الاقتصادي الدكتور قاسم الحموري إن ترشيد استهلاك الطاقة يبدأ بالقدوة، سواء على مستوى الأسرة أو الدولة، مؤكدا ضرورة أن يشمل هذا النهج مختلف مجالات الاستهلاك، بدءا من الاستخدام المنزلي للطاقة وصولا إلى إدارة الموارد في المؤسسات الحكومية.
وأشار الحموري إلى أن ترشيد الاستهلاك يجب أن يكون ممارسة عامة تشمل الأفراد والحكومة على حد سواء، بما في ذلك استخدام السيارات الحكومية، واستهلاك الكهرباء والطاقة في المؤسسات الرسمية، ولا سيما خلال الفترات التي لا تشهد أعمالا أو نشاطا، مثل ساعات الليل.
ولفت الحموري إلى الأهمية الخاصة لترشيد استهلاك الطاقة في الأردن، في ظل اعتماد المملكة على الاستيراد لتغطية أكثر من 95 % من احتياجاتها من الطاقة، الأمر الذي يجعل كفاءة الاستهلاك عاملا مهما في الحد من الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالاعتماد على المصادر الخارجية.
وأوضح أن تطوير أنظمة دوام مرنة وذكية يمكن أن يسهم في تخفيف الأزمات المرورية، وبالتالي تقليل استخدام الوقود والسيارات، مؤكدا أهمية التعامل مع الترشيد من منظور شامل لا يقتصر على قطاع الطاقة وحده، بل يمتد إلى مختلف أوجه الاستهلاك وإدارة الموارد.
وقال الحموري إن اتخاذ إجراءات جادة في هذا المجال يمكن أن يحقق وفرا كبيرا في الموارد، بما يتيح توجيه الأموال التي يتم توفيرها إلى مجالات أخرى ذات أولوية اقتصادية وتنموية.
وحذر من أن عدم اتخاذ إجراءات مبكرة لترشيد استهلاك الكهرباء والوقود قد يقود إلى مواجهة مشكلات أكثر تعقيدا، تضطر معها الحكومة إلى اللجوء إلى تدابير أكثر صعوبة، مثل تنظيم حركة السيارات وفق أنماط محددة أو إطفاء الكهرباء خلال ساعات معينة.
من جانبه، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان أن ترشيد استهلاك الطاقة لا ينبغي أن يرتبط بارتفاع أسعار النفط أو حدوث أزمة في التزويد، بل يجب أن يتحول إلى نمط دائم في سلوك الأفراد والمؤسسات، موضحا أن الترشيد بمفهومه الاقتصادي لا يعني تقليل الراحة أو الإنتاج، وإنما الحصول على الخدمة نفسها باستخدام كمية أقل من الطاقة.
وأشار السرحان إلى أن أهمية ترشيد الاستهلاك تتزايد في الأردن في ضوء استهداف إستراتيجية الطاقة تحقيق وفر تراكمي في الاستهلاك بنسبة
15 % مقارنة بعام 2023 بحلول عام 2035، في الوقت الذي بلغت فيه مساهمة الطاقة المتجددة نحو 26.3 % من إجمالي توليد الكهرباء بنهاية عام 2025.
وأوضح أن الاعتقاد بأن استهلاك الفرد لا يؤثر في منظومة الطاقة ليس دقيقا، خصوصا أن القطاع المنزلي يستحوذ على نحو 49 % من استهلاك الكهرباء في المملكة، ما يجعل سلوك الأسر عاملا مؤثرا في إجمالي الطلب على الطاقة.
وبيّن أنه إذا تمكنت الأسر من خفض استهلاكها للكهرباء بنسبة 5 % فقط، من خلال الاستخدام الأكثر كفاءة لأجهزة التكييف والتدفئة والإنارة وتسخين المياه والأجهزة الكهربائية، فإن ذلك يعادل حسابيا نحو 2.45 % من إجمالي استهلاك الكهرباء على مستوى المنظومة، بافتراض ثبات بقية العوامل.
وأشار إلى أن خفض الأحمال خلال ساعات الذروة يمكن أن يساعد في تخفيف الضغط على المنظومة الكهربائية، من خلال الحد من الحاجة إلى تلبية مستويات مرتفعة من الطلب في الوقت نفسه، ما يعزّز أهمية إدارة الاستهلاك بالتوازي مع العمل على زيادة كفاءة استخدام الطاقة وتوسيع مساهمة المصادر المتجددة.
العدادات الذكية والتعرفة الزمنية.. أدوات لتحويل الترشيد إلى سلوك قابل للقياس
وأكد السرحان أن الانتقال من التوعية إلى بناء ثقافة مستدامة لترشيد الطاقة يتطلب أن يرى المستهلك نتيجة سلوكه بالأرقام، وأن يتمكن من معرفة مقدار ما يوفره فعليا عند تغيير أنماط الاستهلاك.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن نسبة تركيب العدادات الذكية في المملكة وصلت إلى نحو 96 % بنهاية عام 2025، معتبرا أن هذه البنية التحتية تتيح فرصا للاستفادة بصورة أوسع من أدوات إدارة الطلب على الكهرباء.
وأوضح أن التوسع في تطبيق التعرفة المرتبطة بأوقات الاستخدام يمكن أن يمنح المستهلك حافزا لنقل جزء من الأحمال غير الضرورية من ساعات الذروة إلى الفترات التي يكون فيها الضغط على الشبكة أقل، بما يساعد على تحسين توزيع الطلب ورفع كفاءة استخدام الطاقة.
وأضاف أن إتاحة بيانات الاستهلاك بصورة واضحة، وربطها بتكاليف الاستخدام في الأوقات المختلفة، من شأنهما تعزيز قدرة المستهلك على اتخاذ قرارات أكثر وعيا، بدلا من الاكتفاء برسائل عامة تدعو إلى الترشيد من دون توضيح أثرها المالي المباشر.
وبحسب السرحان، فإن نجاح هذه الأدوات يتطلب أن تكون المعلومات المتعلقة بالاستهلاك واضحة للمشتركين، وأن تقترن السياسات المطبقة بحوافز تشجع على تغيير أنماط الاستخدام، بما يحول كفاءة الطاقة إلى خيار اقتصادي عملي يمكن قياس نتائجه ومتابعتها.
القطاع الصناعي.. وفورات محتملة بـ12.5 مليون دينار سنويا من كفاءة الطاقة
وبيّن السرحان أن الأدلة المستمدة من القطاع الصناعي تؤكد أن كفاءة الطاقة ليست مجرد شعار نظري، بل فرصة اقتصادية يمكن قياس عوائدها من خلال خفض النفقات التشغيلية وتحسين استخدام الموارد.
وأشار إلى أن دراسات تدقيق طاقي نفذت في 180 منشأة صناعية، وتضمنت أكثر من ألف توصية لتحسين كفاءة الطاقة، أظهرت وجود فرص لتحقيق وفورات مالية محتملة تصل إلى نحو 12.5 مليون دينار سنويا، مقابل استثمارات تقديرية تبلغ 36.7 مليون دينار.
وأضاف أن النتائج تشير إلى أن كل دينار يستثمر في إجراءات كفاءة الطاقة يمكن أن يحقق عائدا يصل إلى 3.44 دينار، ما يعكس الإمكانات الاقتصادية التي يمكن أن تحققها الاستثمارات الموجهة إلى تحسين كفاءة استخدام الطاقة في المنشآت الصناعية.
وأكد أن هذه الأرقام تعني أن الترشيد في المصانع لا ينبغي أن يقتصر على مطالبة العاملين بإطفاء الإنارة عند عدم الحاجة إليها، بل يجب أن يبدأ من مراجعة كفاءة المحركات والمراجل وأنظمة التبريد والهواء المضغوط، مرورا بتحسين العزل، وصولا إلى إدارة ساعات التشغيل بما يحد من الهدر ويخفض كلفة الإنتاج.
وأوضح أن التعامل مع استهلاك الطاقة داخل المنشآت الصناعية يتطلب تقييما فنيا شاملا لمصادر الاستهلاك، وتحديد مواطن الهدر، ثم تنفيذ الإجراءات المناسبة لرفع الكفاءة وتحقيق وفورات قابلة للقياس. ولفت إلى أن خفض فاتورة الطاقة في كثير من الحالات يمكن أن يشكل وسيلة مباشرة لتحسين تنافسية المنتج الأردني، إذ ينعكس تقليل النفقات التشغيلية على كلفة الإنتاج، ويمنح المنشآت فرصة لتحسين أدائها الاقتصادي وتعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق.
152.9 مليون دينار وفورات تراكمية من برامج الطاقة خلال عقد
وأشار السرحان إلى أن الأردن يمتلك تجربة عملية تؤكد أن الاستثمار في كفاءة الطاقة وترشيد الاستهلاك يمكن أن يحقق عوائد ملموسة للأفراد والمجتمع، مستشهدا بالنتائج التي سجلتها برامج صندوق تشجيع الطاقة المتجددة وترشيد الطاقة خلال الفترة الممتدة من عام 2015 إلى عام 2025.
وأوضح أن أكثر من 2.2 مليون مواطن استفادوا من هذه البرامج خلال تلك الفترة، فيما بلغ الوفر التراكمي في فاتورة الطاقة للمستفيدين نحو 152.9 مليون دينار.
وأكد السرحان أن تحويل الترشيد إلى ثقافة مؤسسية يتطلب وضع معايير واضحة لقياس الاستهلاك ومتابعة التحسن في الأداء، بحيث تكون لكل مؤسسة مستهلكة للطاقة قاعدة مرجعية محددة للاستهلاك، ومستوى مستهدف سنويا، ومؤشر يربط كلفة الطاقة بمساحة المبنى أو بوحدة الإنتاج، بحسب طبيعة النشاط.
وأضاف أن تحديد مستويات الاستهلاك المستهدفة ومقارنتها بالنتائج الفعلية يمكن أن يساعد المؤسسات على اكتشاف مواطن الهدر، وتقييم أثر الإجراءات التي تتخذها، وتوجيه استثماراتها نحو التدابير التي تحقق أكبر قدر ممكن من الوفورات.
ترشيد المحروقات.. صيانة المركبات وتنظيم الرحلات لخفض الكلفة
ولفت السرحان إلى أن ثقافة ترشيد الاستهلاك يجب أن تشمل المحروقات أيضا، إذ لا ينبغي أن يتوقف مفهوم كفاءة الطاقة عند فاتورة الكهرباء، بل يجب أن يمتد إلى استهلاك الوقود في وسائل النقل والمركبات التابعة للأفراد والشركات والمؤسسات.
وعلى مستوى الأفراد، أكد أن صيانة المركبات بصورة منتظمة، وضبط ضغط الإطارات، وتنظيم الرحلات، واستخدام وسائل النقل العام عندما يكون ذلك عمليا، كلها إجراءات يمكن أن تسهم في خفض استهلاك الوقود.
“الغد”

