عمان – تهديد بيئي غير مرئي قد يغير مستقبل الحياة البحرية في خليج العقبة، بعدما كشفت دراسات علمية حديثة عن تراجع نفاذ أشعة الشمس إلى مساحات واسعة من بحار العالم، في ظاهرة تعرف بـ”ظلام المحيطات”، قد تؤثر في قدرة النظم البيئية البحرية على أداء وظائفها الحيوية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات أطلقها خبراء من أن تراجع الضوء قد يؤثر في تكاثر الكائنات البحرية وسلوكها وعلاقاتها الغذائية، ويضعف قدرة الشعاب المرجانية على التعافي من موجات الحر والتلوث، من دون أن تظهر بالضرورة مؤشرات فورية على تدهور النظام البيئي.
وعلى الرغم من أن دراسات علمية تشير إلى أن نحو خمس مساحة المحيطات أصبح أكثر عتمة، فإن حدوث هذه الظاهرة في خليج العقبة لم يثبت علميا، في ظل محدودية القياسات طويلة الأمد لنفاذ الضوء إلى أعماقه. ويبرز ذلك أهمية تجاوز مؤشرات جودة المياه التقليدية إلى رصد التحولات التي قد تمس الوظائف الحيوية للكائنات البحرية، وفق خبراء تحدثوا لـ”الغد”.
مؤشرات جودة المياه التقليدية
يرى أستاذ الفيزياء البحرية في الجامعة الأردنية، الدكتور رائد المناصرة، أن خليج العقبة قد يفقد شفافيته تدريجيا من دون أن تكشف مؤشرات جودة المياه التقليدية ذلك، إذ ترصد هذه المؤشرات التغيرات الكبيرة غالبا، في حين قد يتراجع نفاذ الضوء تدريجيا بفعل الجسيمات الدقيقة أو المواد العضوية الذائبة. ولذلك، تبرز الحاجة إلى إجراء قياسات مباشرة لمستويات الضوء.
ولفت المناصرة، في حديثه لـ”الغد”، إلى أن التيارات البحرية قد تنقل العكارة إلى مناطق بعيدة عن مصادرها، ما قد يهدد الشعاب المرجانية التي لم تتعرض للتلوث مباشرة، نتيجة انتقال الجسيمات الدقيقة إليها من مناطق أخرى. غير أن حجم الخطر يعتمد على تركيز هذه الجسيمات بعد انتشارها وتخفيفها في المياه، وهو ما يتطلب دراسات ميدانية خاصة بخليج العقبة.
وأشار إلى أن الاختلاط بين طبقات المياه قد يسهم، بصورة غير مباشرة، في حجب الضوء عن الأعماق حتى من دون زيادة الملوثات؛ إذ قد يؤدي إلى صعود المغذيات من الأعماق، بما يعزز نمو العوالق النباتية ويقلل كمية الضوء التي تصل إلى الطبقات السفلى، من دون دخول ملوثات جديدة إلى البيئة البحرية.
واستبعد المناصرة أن تؤدي السيول المفاجئة، بمفردها، إلى تغيير مستدام في البيئة الضوئية للخليج، موضحا أن آثارها تظل مؤقتة ومحلية، ولا سيما قرب مصبات الأودية. ومع ترسب الرواسب بمرور الوقت، فإن تكرار السيول وشدتها يستدعيان المتابعة.
وأكد أنه لا يمكن الجزم بأن كمية الضوء التي تصل حاليا إلى أعماق الخليج ما تزال عند المستويات نفسها التي كانت عليها قبل عشرين عاما، موضحا أن الصور الفضائية ترصد الطبقات السطحية من المياه، فيما لا تزال قياسات الضوء في الأعماق محدودة. وهذا يستدعي، بحسب قوله، اعتماد برنامج رصد طويل الأمد.
ولم يستبعد المناصرة أن تتحول التغيرات في حركة المياه ودرجات حرارتها إلى عامل يهدد الحياة البحرية من خلال تقليص نفاذ الضوء، حتى من دون ارتفاع مستويات التلوث؛ إذ يمكن أن تؤثر هذه التغيرات في توزيع المغذيات والعوالق، بما قد يقلل الضوء الواصل إلى الأعماق ويضيف إجهادا جديدا للشعاب المرجانية، إلى جانب الإجهاد الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة.
وأوضح أن ظاهرة “ظلام المحيطات” ترتبط بتناقص شدة الضوء مع العمق بصورة أسية، وتتسارع هذه العملية كلما زادت الجسيمات العالقة والعوالق والمواد الذائبة في المياه.
وتعرف الظاهرة بأنها تقلص العمق الذي يصل إليه ضوء كاف لدعم الحياة والعمليات الحيوية البحرية. وتشير دراسات حديثة إلى أن نحو خمس مساحة المحيطات العالمية أصبح أكثر عتمة، إلا أن المناصرة شدد على عدم جواز تعميم هذه النتائج على خليج العقبة من دون إجراء قياسات خاصة بالمنطقة.
سلامة النظام البيئي
من جانبه، حذر المختص بالتنوع الحيوي إيهاب عيد من أن الشعاب المرجانية قد تتحول إلى موائل أقل ملاءمة لتكاثر بعض الكائنات البحرية نتيجة تغير ظروف الإضاءة، حتى لو ظلت الشعاب نفسها على قيد الحياة.
وأرجع عيد ذلك إلى أن بقاء الشعاب المرجانية لا يكفي وحده للحكم على سلامة النظام البيئي والموائل التي يوفرها؛ إذ تعتمد هذه الموائل على ظروف دقيقة تتعلق بالضوء ودرجة الحرارة ونوعية المياه.
وأشار، في حديثه لـ”الغد”، إلى أن أي تغير مستمر في هذه الظروف قد يؤثر في قدرة الشعاب على دعم العمليات الحيوية، بما في ذلك التكاثر ونمو اليرقات واستقرار الكائنات البحرية الصغيرة.
وأوضح أن انخفاض الضوء الواصل إلى الشعاب المرجانية يؤثر في نشاط الطحالب التكافلية التي تعيش داخل أنسجتها، وتوفر لها جزءا أساسيا من احتياجاتها الغذائية عبر عملية البناء الضوئي.
وأضاف أن ذلك قد يقلل كفاءة الشعاب المرجانية من الناحية الوظيفية، ويضعف قدرتها على توفير الظروف المناسبة لبعض الكائنات المرتبطة بها. وشدد على أن الضوء في البيئة البحرية ليس مجرد مصدر للطاقة، بل يمثل أيضا ساعة بيولوجية طبيعية تنظم سلوك كثير من الكائنات البحرية.
وبين عيد أن أنواعا عديدة تعتمد على التغيرات اليومية والموسمية في شدة الإضاءة، وعلى دورات ضوء القمر، لتحديد توقيت التكاثر والنشاط اليومي والتحركات الرأسية في عمود المياه.
وعندما تتغير كمية الضوء التي تصل إلى أعماق معينة، فقد تتبدل الإشارات البيئية التي تعتمد عليها بعض الكائنات، ما قد يؤدي إلى اضطراب توقيت التكاثر، أو تغير أنماط الحركة والهجرة اليومية، وبالتالي التأثير في التزامن الطبيعي بين الكائنات البحرية.
وحذر عيد من أن انخفاض الضوء قد يحد من قدرة الموائل البحرية على التعافي بعد موجات الحر وحوادث التلوث، حتى بعد زوال الضغوط التي تسببت بالضرر. ويعد ذلك جانبا مهما لفهم العلاقة بين ظاهرة “ظلام المحيطات” وقدرة النظم البيئية البحرية على الصمود والتعافي.
وأضاف أن تعافي الشعاب المرجانية بعد موجات الحر أو حوادث التلوث لا يعتمد فقط على توقف العامل المسبب للضرر، بل يتطلب أيضا توافر ظروف بيئية مناسبة تسمح باستعادة العمليات الحيوية والنمو والتكاثر.
وأوضح أنه عند استمرار انخفاض نفاذ الضوء بسبب العكارة أو المواد العالقة في المياه، قد تتراجع قدرة الطحالب التكافلية على إنتاج الطاقة اللازمة للمرجان، ما ينعكس على سرعة نموه وتجديد أنسجته واستعادة وظائفه الطبيعية. وأشار إلى أن دراسات علمية بينت أن تعافي الشعاب المرجانية بعد حوادث الابيضاض الحراري كان أفضل في المواقع التي تتمتع بمياه أقل عكارة مقارنة بالمواقع التي تعاني من ارتفاع مستويات العكارة.
ولفت عيد إلى أن استقرار أعداد الكائنات البحرية لا يعني بالضرورة ثبات العلاقات البيئية بينها؛ إذ تعتمد أنواع كثيرة من الأسماك والكائنات البحرية على الضوء لاكتشاف الفرائس وتجنب المفترسات وتحديد أوقات التغذية والاختباء.
وبحسب عيد، قد يؤدي تراجع الضوء إلى تقليص المسافة التي تستطيع المفترسات التي تعتمد على الرؤية من خلالها اكتشاف فرائسها، في حين قد تستفيد أنواع أخرى تعتمد على حواس مختلفة أو تتكيف بصورة أفضل مع الإضاءة المنخفضة.
وأضاف أن هذه التغيرات قد تؤثر في معدلات الافتراس وأوقات النشاط وأنماط استخدام الموائل البحرية، من دون أن تظهر بالضرورة تغيرات فورية في أعداد الأنواع.
ويمتلك الأردن أطر حماية للبيئة البحرية في خليج العقبة، من أبرزها محمية العقبة البحرية وخطة إدارتها للفترة 2022–2026، التي تركز على حماية الشعاب المرجانية والموائل البحرية، وتحسين إدارتها، ومراقبة الضغوط البيئية التي تتعرض لها، وفق عيد.
وأوضح أن برامج الحماية لا تقتصر على دراسة المنظومة الحية، بل تشمل أيضا رصد الخصائص الفيزيائية، ومنها جودة المياه، مشيرا إلى وجود استراتيجيات للحد من التلوث يجري تنفيذها على مستوى خليج العقبة.
وتطرق عيد إلى الخصائص البيئية للخليج، الذي يتسم بكونه شبه مغلق، ولا توجد فيه مصبات نهرية من شأنها زيادة عكارة المياه، ما يسهم في ارتفاع مستويات الشفافية. ولذلك، فإن رؤية الأعماق التي تتجاوز 30 مترا بالعين المجردة أمر ممكن في ظروف مناسبة.
وللحد من مخاطر ظاهرة “ظلام المحيطات”، دعا عيد إلى مواصلة برامج المراقبة، وتعزيز الإدارة الفعالة، والاستعداد المبكر للمخاطر البيئية الناشئة، خصوصا في منطقة تتمتع بأهمية بيئية وعلمية استثنائية مثل خليج العقبة، الذي يعرف بلقب “جنة الغواصين”.
“الغد”

