عمان- في الوقت الذي تنحسر فيه الرقعة الزراعية في الأردن جراء تفتيت الملكيات الفردية وتعددها والبيع والتوسع العمراني وتغيير استعمالات الأراضي، ما يؤدي إلى إضعاف الجدوى الاقتصادية للأنشطة الزراعية، تبرز آراء خبراء بضرورة البحث عن حلول للحفاظ على الرقعة الزراعية من بينها إيجاد تصنيف قانوني ملزم للأراضي الزراعية عالية القيمة، ومنع تغيير استعمالها إلا بقرار استثنائي معلّل ومنشور ووضع حد أدنى للإفراز في هذه الأراضي، مع آليات تتيح للورثة اقتسام الملكية حصصاً في كيان زراعي واحد، كشركة عائلية أو تعاونية وتوجيه النمو السكاني نحو البناء العمودي داخل المدن.
يأتي ذلك في الوقت الذي تشير فيه دراسات الاستشعار عن بعد إلى أن المساحة العمرانية في محافظة إربد ارتفعت من نحو 2 % عام 1985 إلى نحو 11 % عام 2015، وأن الأراضي الزراعية في بلدية إربد الكبرى تراجعت بنحو 10 % بين عامي 2003 و2015 مقابل توسع عمراني بنحو 12 %، وفي النصف الثاني من القرن الماضي تضاعفت المساحة المبنية حول مدينة إربد أكثر من ثلاثين مرة، وهذه ليست أراضي هامشية، بل هي تربة طينية في سهل حوران، الذي يعد من أخصب الأراضي البعلية.
ويقدّر مختصون أن الاكتفاء من القمح والشعير يحتاج إلى نحو أربعة ملايين دونم، بينما لا تتجاوز المساحة المزروعة فعلياً نحو مليون دونم، ولا تتعدى نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح 3 % تقريباً.
وقالوا إن التعداد الزراعي يوفر فرصة لا تتكرر كثيراً لقياس حجم التفتت بدقة وتحديد الأراضي التي ما زالت قابلة للإنقاذ، مشيرين إلى أنه إن لم تتحول نتائجه إلى خريطة حماية ملزمة، فسنواصل دفع ثمن قمح نزرعه في أرض تتقلص كل عام، وكل رخصة بناء في سهل حوران قرار غذائي يمتد أثره لأجيال، ويجب أن يُتخذ بهذا الوعي.
عقلانية المزارع الأردني
خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي قال إن الخطأ الشائع أننا نحمل المالك الفرد المسؤولية، فالمزارع يتصرف بعقلانية تامة داخل منظومة تدفعه في اتجاه واحد، فالدونم البعلي يدر دخلا زهيدا يتقلب مع المطر، والدونم نفسه قرب حدود التنظيم يساوي ثروة، ثم يأتي الميراث فيقسم الأرض بين الورثة إلى قطع صغيرة لا تصلح للزراعة الآلية، ولا تحقق عائدا يذكر، فيصبح البيع للبناء الخيار الوحيد.
وأضاف الزعبي أنه حين وسعت حدود البلديات بعد دمجها مطلع الألفية، دخلت مساحات زراعية واسعة في التنظيم دون أن يسأل أحد عن قيمتها الإنتاجية.
وبين أن اللجوء السوري بعد عام 2011 ضاعف هذا الضغط، إذ أظهرت دراسات استعمالات الأراضي في لواء قصبة إربد أن الطلب المتزايد على السكن سرع البناء بوتيرة غير مسبوقة، لكن الأخطر أن خسارة الأرض الزراعية لا تظهر في أي ميزانية ولا في أي تقرير سنوي، مبينا أنه لا يوجد مؤشر رسمي يقيس عدد الدونمات الخصبة التي خرجت من الإنتاج كل عام، ولا جهة تسأل عنها، فما لا يقاس لا يدار، وما لا يدار يضيع بصمت، دونما بعد دونم، ورخصة بعد رخصة.
وقال إن المشكلة تكمن في القانون والتخطيط، لا في الأخلاق، ودعم سعر القمح وحده لا يكفي، لأنه يكافئ المحصول ولا يحمي الأرض، فالسعر التشجيعي للطن لن يقنع أحدا بالاحتفاظ بقطعة مساحتها دونمان، بينما قيمتها السوقية تعادل دخلها الزراعي لعقود.
وبين أن المطلوب تحقيق ثلاث خطوات واضحة، أولا، وضع تصنيف قانوني ملزم للأراضي الزراعية عالية القيمة وفق التربة والانحدار والهطل، يمنع تغيير استعمالها إلا بقرار استثنائي معلل ومنشور، وثانيا، تحديد حد أدنى للإفراز في هذه الأراضي، مع آليات تتيح للورثة اقتسام الملكية حصصا في كيان زراعي واحد، كشركة عائلية أو تعاونية، بدل تقسيم الأرض نفسها، وثالثا، توجيه النمو السكاني نحو البناء العمودي داخل المدن وفي الأراضي منخفضة القيمة الزراعية، بحوافز في عدد الطوابق ورسوم الترخيص.
وزاد على ذلك أن التعداد الزراعي يوفر فرصة لا تتكرر كثيرا لقياس حجم التفتت بدقة وتحديد الأراضي التي ما زالت قابلة للإنقاذ، فإن لم تتحول نتائجه إلى خريطة حماية ملزمة، سنواصل دفع ثمن قمح نزرعه في أرض تتقلص كل عام، وكل رخصة بناء في سهل حوران قرار غذائي يمتد أثره لأجيال، ويجب أن يتخذ بهذا الوعي.
الزراعة مورد إستراتيجي
من جهته، بين الخبير في التنمية الريفية والأمن الغذائي الدكتور نائل الظاهر أن الأراضي الزراعية في الأردن تمثل موردا وطنيا إستراتيجيا لا يمكن تعويضه بسهولة، خصوصا في ظل محدودية الأراضي الصالحة للزراعة، وشح الموارد المائية، والتغير المناخي، والتوسع العمراني المتسارع، ومن هنا، فإن حماية الأراضي الزراعية من التفتت لم تعد مجرد قضية تنظيمية أو عقارية، بل أصبحت قضية اقتصادية وتنموية ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي، واستدامة الإنتاج الزراعي، وحماية مصادر دخل الأسر الريفية، فضلا عن المحافظة على حقوق الأجيال القادمة.
وأضاف الظاهر أن خطورة التفتت الزراعي تكمن في تقسيم الأراضي إلى قطع صغيرة ومتباعدة، نتيجة الإرث وتعدد الملكيات والبيع والتوسع العمراني وتغيير الاستعمالات، ما يؤدي إلى إضعاف الجدوى الاقتصادية للأنشطة الزراعية، فكلما تقلصت المساحات الزراعية القابلة للاستغلال الاقتصادي، ارتفعت تكاليف الإنتاج للوحدة المنتجة، وتراجعت فرص استخدام المكننة الزراعية والتكنولوجيا الحديثة، وأصبحت إدارة المياه والبنية التحتية الزراعية أكثر صعوبة وتكلفة.
وتابع: “كما يحد التفتت من قدرة المزارعين على الاستثمار طويل الأجل، ويضعف تنافسية المنتجات الزراعية، وقد يدفع بعض المالكين إلى التخلي عن النشاط الزراعي لصالح استخدامات غير زراعية تحقق عوائد مالية أسرع”.
وقال الظاهر إنه في الحالة الأردنية، تتجاوز آثار التفتت حدود المزرعة الواحدة لتنعكس على الاقتصاد الوطني والتنمية الريفية، ففقدان الأراضي الخصبة أو تجزئتها بصورة تعيق استغلالها الاقتصادي يؤدي إلى تراجع القدرة الإنتاجية المحلية، وزيادة الضغوط على الموارد الطبيعية، وإضعاف فرص العمل والاستثمار في المناطق الريفية.
وزاد على ذلك: “مع ذلك، ينبغي التمييز بين صغر حجم الحيازة الزراعية والتفتت غير الاقتصادي؛ فالمزارع الصغيرة قد تكون منتجة ومربحة عندما تتوافر لها التكنولوجيا والخدمات والأسواق المناسبة، وبالتالي، فإن الهدف ليس القضاء على الملكيات الصغيرة، بل منع التجزئة التي تفقد الأرض قدرتها الإنتاجية، وتشجيع الإدارة الاقتصادية المشتركة للحيازات”.
وأشار إلى أن التعداد الزراعي يوفر فرصة وطنية مهمة للانتقال من تقدير حجم المشكلة إلى قياسها ووضع سياسات لمعالجتها، من خلال تحديد أعداد الحيازات ومساحاتها وتوزيعها الجغرافي، وربطها بخصائص الإنتاج وأنماط الإدارة والاستغلال الزراعي، وتنبغي الاستفادة من بيانات التعداد وربطها بالسجلات العقارية والخرائط الجغرافية وصور الأقمار الصناعية، لإعداد خريطة وطنية توضح مستويات التفتت، وتحدد الأراضي الخصبة المهددة بالتحول العمراني، والمناطق التي ما زالت قابلة للحماية أو إعادة تنظيم الاستغلال الزراعي فيها، وبذلك تتحول البيانات الإحصائية إلى أداة فاعلة لتوجيه القرارات والاستثمارات العامة.
إجراءات مطلوبة
أما على مستوى الإجراءات المطلوبة، فبين الظاهر أن الأولوية تتمثل في تطوير منظومة متكاملة لحماية الأراضي الزراعية تقوم على التشريع والتخطيط المكاني والحوافز الاقتصادية، ويشمل ذلك وضع ضوابط واضحة لتقسيم الأراضي الزراعية وفق طبيعتها وإنتاجيتها، ومنع تحويل الأراضي عالية الخصوبة إلى استخدامات عمرانية إلا في حالات الضرورة القصوى ووفق معايير فنية صارمة.
وأضاف الظاهر: “كما ينبغي تشجيع تجميع الحيازات لأغراض الإنتاج والإدارة المشتركة، من خلال الجمعيات التعاونية الزراعية، وعقود التأجير طويلة الأجل، والشراكات الإنتاجية الطوعية، بما يحقق وفورات الحجم ويتيح للمزارعين الاستفادة من الخدمات الزراعية والتسويقية المشتركة دون المساس بحقوق الملكية”.
وأكد أن ضرورة تصميم حوافز مالية وتمويلية وضريبية تشجع أصحاب الأراضي على استمرار استغلالها زراعيا، وتدعم استثمارات الشباب في المشاريع الزراعية ذات القيمة المضافة، إلى جانب تعزيز الرقابة على التوسع العمراني العشوائي، وتنسيق الجهود بين وزارتي الزراعة والإدارة المحلية ودائرة الأراضي والمساحة والبلديات والجهات البحثية.
وقال إن تطبيق نظام تنظيم استعمالات الأراضي لسنة 2026 يكتسب أهمية خاصة في هذا المجال، باعتباره إطارا لحماية الأراضي الزراعية والحد من التوسع العشوائي عليها.
وأضاف أنه يجب أن تتحول حماية الأراضي الزراعية من التفتت إلى أولوية وطنية استباقية، لا إلى إجراءات لمعالجة الضرر بعد وقوعه، فالأرض الزراعية ليست مجرد أصل عقاري قابل للبيع والتقسيم، وإنما أصل إنتاجي وإستراتيجي يرتبط بالأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية واستدامة المجتمعات الريفية، وتبقى الرسالة الأساسية أن تكلفة حماية الأرض الزراعية اليوم أقل بكثير من التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لفقدانها مستقبلا، وأن ما نفقده من الأراضي الخصبة قد لا نستطيع استعادته مهما بلغت الاستثمارات.
تحديات الاستدامة الزراعية
بدوره، بين المدير التنفيذي لمنصة دمج الأكاديميا بالصناعة الدكتور خالد خريسات أن ظاهرة تفتت الأراضي الزراعية وتجزئتها إلى حيازات صغيرة تعد أحد أبرز التحديات التي تواجه استدامة القطاع الزراعي والأمن الغذائي؛ إذ إن تداعيات هذا التفتت لا تقف عند حدود الجغرافيا، بل تمتد لتوثر على جدواها الاقتصادية، حيث تتلاشى ميزة الحجم والتي توثر على إمكانية إدخال التكنولوجيا والماكينات الحديثة والتقنيات الذكية مثل أنظمة الري المبتكرة وحساسات التربة.
وأضاف خريسات: “بذلك يتحول الاستثمار الزراعي في الملكيات الصغيرة المفتتة إلى عبء مالي، ما يدفع العديد من المزارعين لتركها أو تحويلها إلى أراض سكنية، مساهمة بذلك في تسريع تناقص الرقعة الخضراء وتدهور البيئة والموارد المائية”.
وعالميا، قال خريسات إن طبيعة هذه الأزمة تتفاوت تبعا للسياسات والنظم الزراعية والعقارية؛ ففي الوقت الذي نجحت فيه دول الاتحاد الأوروبي، من خلال آليات تجميع الأراضي، في إعادة هيكلة المزارع لضمان منافستها وكفاءتها الإنتاجية، تعاني مناطق واسعة في آسيا وأفريقيا من تزايد الأحجام الصغيرة في الحيازات نتيجة النمو السكاني وتفتيت الأراضي الموروثة، ما أضعف قدرة مجتمعات صغار المزارعين على مواجهة التقلبات المناخية والاقتصادية.
وتابع: “أما على المستوى الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن التفتت يزداد بشكل مطرد نتيجة شح المياه والضغط العمراني القاسي على الأراضي الخصبة الشحيحة أصلا، بالإضافة إلى الأطر التشريعية والاجتماعية الموروثة التي تجعل من قضايا الملكية والإرث عائقا أمام التجميع الزراعي”.
التثبيت الفردي للملكيات
على الصعيد المحلي، بين خريسات أنه تفتت الأراضي يعد محصلة لتطور تاريخي ممتد عبر أكثر من قرن؛ إذ انتقلت الملكية العقارية من نظام المشاع العشائري في العهد العثماني إلى التثبيت الفردي للملكيات مع حملات المسح والتسوية في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي أنتجت حينها حيازات واسعة ومجدية لزراعة المحاصيل الإستراتيجية في شريط إربد والبلقاء والكرك.
واستدرك بالقول: “إلا أن تعاقب الأجيال وتطبيق أحكام الإرث، بالتزامن مع موجات النمو السكاني والهجرات المتلاحقة والتوسع العمراني الأفقي منذ منتصف القرن العشرين، أدت إلى تضاعف الحيازات القزمية وانكماش متوسط مساحة القطعة الواحدة بشكل حاد، وتفاقمت هذه الظاهرة بفعل اتساع ملكيات “الشيوع” والتوسع في المخططات الشمولية للبلديات على حساب الأراضي عالية الجودة، ما جعل من استعادة كفاءة هذه الأراضي في الوقت الحاضر ضرورة ملحة تتطلب معالجة آثار هذه التركة التاريخية”.
وزاد خريسات: “تتجسد خطورة هذا المسار المحلي في تهديد مباشر يمس المستقبل القريب والبعيد على حد سواء؛ فعلى المدى القريب، يتسبب التفتت في انهيار الربحية الاقتصادية لصغار المالكين، وارتفاع التكاليف التشغيلية، وهجر الأراضي الزراعية لتصبح عرضة للتصحر وانجراف التربة، إلى جانب تزايد النزاعات الملكية على الشيوع وتعاظم الفاتورة الاستيرادية للسلع الغذائية”.
وتابع: “أما على المدى البعيد، فإن الاستمرار في هذا الاتجاه يهدد بالفقدان النهائي وغير القابل للاسترجاع للرقعة الخضراء التاريخية لصالح الكتل الخرسانية، ويعرض الأمن القومي الغذائي للارتهان الكامل للأسواق الخارجية وسلاسل الإمداد، فضلا عن استنزاف الموارد المائية الشحيحة أصلا، وتدمير النظام البيئي المحلي والتراث الزراعي الأصيل”.
وأوضح أن التعداد الزراعي يعد الأداة التشخيصية والأكثر دقة التي تعتمد عليها الدول لقياس حجم التفتت وتحديد أنماطه عبر الزمن، إذ توفر بيانات التعداد الخريطة الرقمية الشاملة لتوزيع الحيازات حسب المساحة، وتكشف حجم الملكيات المجهرية وسرعة تغير استغلال الأراضي، وبدون مخرجات التعداد الزراعي، تظل السياسات والتشريعات مجرد حلول نظرية، بينما تتيح تحليلات التعداد لرسم السياسات إمكانية تحديد الحد الأدنى للإفراز، وتوجيه مشاريع التجميع، وتصميم حوافز استثمارية موجهة للجمعيات والشركات المساهمة التي تدير أراض متصلة.
ولمواجهة هذا التحدي بشكل مؤسسي، قال خريسات إن المرحلة المقبلة تتطلب حزمة من الإجراءات المتكاملة؛ تبدأ بتحديث الأطر التشريعية لتحديد حدود دنيا تمنع التجزئة بعدها، وتفعيل قوانين التجميع العقاري والتصنيف المكاني للأراضي لحظر تغيير صفة الاستعمال، كما ينبغي الانتقال نحو نماذج استثمارية مرنة، مثل دعم تأسيس شركات إدارة الأراضي أو الجمعيات التعاونية لتمكين صغار المالكين من استثمار ملكياتهم كحيازة واحدة، مع ربط الدعم الحكومي والخدمات الذكية بمستوى تجميع المساحات الإنتاجية والاستفادة من نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لإدارة هذا التحول بكفاءة.
“الغد”

