الرئيسية رئيسيبين شرعية الانتخاب واختبار الإنجاز.. من يحاسب مجالس النقابات؟

بين شرعية الانتخاب واختبار الإنجاز.. من يحاسب مجالس النقابات؟

من mk
A+A-
Reset

عمان- لا تنتهي مسؤولية المجالس النقابية عند الفوز بالانتخابات، كما لا تكفي شرعية الصندوق وحدها للحكم على نجاح التجربة النقابية، فالانتخاب يمنح المجلس تفويضًا لإدارة شؤون النقابة، لكنه لا يعفيه من تقديم تقرير واضح لأدائه، ولا يحوّل الثقة التي حصل عليها من الهيئة العامة، منذ انتخابه، إلى ضمانة مفتوحة حتى نهاية الدورة.

 

 

من هنا، لا بد من معرفة أن مساءلة مجالس النقابات المهنية قضية تتجاوز التنافس الانتخابي وتداول المواقع، لتصل إلى جوهر العمل النقابي، وماذا تحقق للأعضاء؟ وما الذي تغير في أوضاعهم المهنية والاقتصادية؟ وإلى أي مدى استطاعت المجالس تحويل برامجها الانتخابية إلى سياسات ونتائج قابلة للقياس؟ وربما تزداد أهمية هذه الطروحات مع اتساع القواعد النقابية وتنوع احتياجاتها.

وتشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة للعام 2025 إلى أن عدد المهندسين المسجلين في نقابتهم بلغ 198,700 مهندس عام 2024، وهذا الحجم من العضوية، مثلا، يعكس اتساع المسؤولية على عاتق المجلس، ويجعل تقييم الأداء ضرورة مؤسسية ملحة لا مجرد سجال يتجدد مع كل انتخابات.

حصيلة قابلة للقياس

وتقدم البرامج الانتخابية عادة وعودًا بتحسين الخدمات، والدفاع عن المصالح المهنية، وتعزيز فرص التشغيل، وتطوير صناديق النقابة، وتوسيع الحضور في الشأن العام، غير أن قيمة هذه البرامج لا تتحدد بقدرتها على استقطاب الأصوات، بل بمدى تحولها إلى خطط تنفيذية، ومؤشرات أداء، ونتائج يستطيع الأعضاء التحقق منها.

بيد أن تقارير نقابة الأطباء أكدت على برامج عملها الدورية، حيث اتجهت نحو تعزيز المهنية وحماية العمل النقابي في ظل التطورات الرقمية وتحديات المهنة.

واستعرضت النقابة في تقريرها السنوي الإنجازات، والبرامج المنفذة، والمؤشرات المالية والإدارية التزاماً بمبدأ الشفافية مع الهيئة العامة ركزت فيه على تنظيم شؤون الأطباء، ومتابعة ملفات القطاع الصحي، وتطوير الخدمات النقابية وصناديقها المختلفة (مثل صندوق التكافل الاجتماعي وصندوق التقاعد).

وتم التعريج على الارقام خلال مناقشة التقرير دون الإفصاح عن الأسباب التي دعت المجلس إلى اتخاذ هذه القرارات.

ويبلغ عدد أعضاء نقابة الأطباء نحو 47,000 عضو مسجل منذ التأسيس.

ولعل الفجوة بين الخطاب الانتخابي والتقييم تظهر بشكل جلي، فقد ينشغل السجال النقابي بالأسماء والتحالفات وموازين القوى، بينما لا يحظى تقييم ما أنجزه المجلس، مقارنة بما تعهد به، بالقدر نفسه من الاهتمام.

ولا تعني المساءلة افتراض الإخفاق مسبقًا لمجلس النقابة، أو تجاهل الظروف الاقتصادية والتشريعية التي قد تعيق تنفيذ بعض الوعود، لكنها تقتضي أن يوضح المجلس ما أنجزه، وما تعذر تنفيذه، وأسباب ذلك، والبدائل التي اعتمدها، فالتفسير والتوضيح لاعضاء الهيئة العامة جزء من المسؤولية، مثلما أن الإنجاز الملموس أساس لتجديد الثقة.

المال النقابي ليس مجرد حسابات

وتمثل الإدارة المالية أحد أكثر مجالات العمل النقابي حساسية، بالنظر إلى ارتباطها باشتراكات الأعضاء وحقوقهم والتزامات النقابة تجاههم، لكن نشر الأرقام المالية والإعلان عنها، على أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق المساءلة؛ إذ ينبغي أن تكون الحسابات مفهومة، وأن تتيح للأعضاء الربط بين الموارد المتاحة وأوجه الإنفاق والنتائج المتحققة.

ويقدم التقرير السنوي لنقابة المهندسين للعام 2024 مثالًا على أهمية قراءة الأرقام بشكل حقيقي، إذ بلغت الإيرادات الفعلية لموازنة صندوق النقابة في المركز الرئيسي، من دون الفروع، 3,209,761 دينارًا، مقابل إيرادات مقدرة في الموازنة بلغت 3,750,000 دينار.

ولا يثبت هذا الفرق، بحد ذاته، وجود تقصير أو خلل في الإدارة؛ لكنه يطرح سؤالًا حول مدى وضوح التفسير المالي المقدم للأعضاء، وعن قدرة التقارير المنشورة على الإجابة عن الأسئلة التي تتجاوز عرض الأرقام إلى شرح دلالاتها.

وتتطلب المساءلة المالية كذلك التمييز بين حسابات النقابة وصناديقها المختلفة، وعدم التعامل معها باعتبارها كتلة مالية واحدة، فلكل صندوق موارده والتزاماته وأهدافه، وأي تقييم دقيق ينبغي أن يستند إلى حساباته المستقلة وبياناته المعتمدة، لا إلى أرقام مجتزأة أو مقارنات غير متكافئة.

أداة للمساءلة أم واجب إداري؟

ويشكل التقرير السنوي إحدى الأدوات الأساسية التي يمكن للأعضاء من خلالها تقييم أداء مجالسهم، لكنه يفقد جزءًا من قيمته إذا اقتصر على سرد الاجتماعات والأنشطة واللقاءات والبرامج المنفذة، من دون بيان أثرها الفعلي.

فعدد الفعاليات لا يساوي بالضرورة حجم الإنجاز، وإطلاق المبادرات لا يعني تحقيق أهدافها، والأهم هو معرفة المستفيدين منها، ومدى استجابتها لاحتياجاتهم، وما إذا كانت قد أسهمت في تحسين الخدمات أو معالجة مشكلات مهنية قائمة.

من هنا، فإن تطوير التقارير النقابية ينبغي أن يتجه نحو ربط كل هدف معلن بنتيجة قابلة للقياس، وإظهار ما تحقق مقارنة بالخطة المعلن عنها، وتحديد جوانب التعثر وأسبابه، كما أن عرض البيانات بلغة واضحة، وإتاحتها في الوقت المناسب، يساعدان على توسيع المشاركة في الشأن النقابي، بدل أن تظل المعلومات محصورة في دوائر محدودة.

ولا يقل أهمية عن ذلك دور الهيئات العامة والمركزية في مناقشة التقارير المالية والإدارية، فالمصادقة على الحسابات والاطلاع على التقارير يمثلان جزءًا أساسيًا من الرقابة المؤسسية، لكن فاعليتهما تتوقف أيضًا على إتاحة المعلومات، ومتابعة الملاحظات والتوصيات بعد الاجتماعات.

العضو شريك في الرقابة

لا تقع مسؤولية المساءلة على مجلس النقابة وحده؛ ففاعلية الرقابة ترتبط كذلك بقدرة الأعضاء على الوصول إلى المعلومات من نقابتهم، ومناقشة الأولويات، ومتابعة تنفيذ القرارات.

لكن المشاركة لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى الاجتماعات أو إتاحة الفرصة لإبداء الملاحظات، إذ إنها تحتاج إلى قنوات واضحة للتواصل، وتوثيق حقيقي للمقترحات، وإجراءات تضمن ألا تنتهي الملاحظات عند تسجيلها، بل تتحول إلى موضوعات للمتابعة.

كما أن المساءلة لا ينبغي أن تقتصر على موسم الانتخابات، حين تتنافس القوائم على تقديم الوعود واستعادة ثقة الناخبين، فالمطلوب أن تكون جزءًا من الممارسة النقابية اليومية، من خلال تقارير دورية، ومؤشرات معلنة، وحراك مؤسسي يتيح للأعضاء تقييم القرارات في ضوء نتائجها.

وفي المقابل، فإن النقد ينبغي أن يستند إلى معلومات موثوقة، وأن يميز بين الاختلاف في الرأي والإخفاق المثبت، وبين المطالب التي تقع ضمن صلاحيات المجلس وتلك التي تتجاوز قدرته أو اختصاصه، فالمساءلة الجادة لا تقوم على الاتهام، بل على الأدلة والتفسير والمقارنة الموضوعية.

الاختبار الحقيقي للثقة

وتحتاج النقابات المهنية إلى عدم اختزال تقييم مجالسها في نتائج الانتخابات أو حجم حضورها الإعلامي، فالنجاح النقابي يُقاس بقدرة المجلس على حماية مصالح الأعضاء، وتحسين الخدمات، وإدارة الموارد بكفاءة وشفافية، وتقديم إجابات واضحة عن القرارات التي يتخذها والنتائج التي يحققها.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الانتخابات؛ فهي أساس الشرعية النقابية وآلية تداول المسؤولية، لكن الشرعية الانتخابية تظل بداية للمحاسبة، لا نهاية لها، فالثقة التي يمنحها الأعضاء لمجلس منتخب ينبغي أن تتجدد عبر الأداء، وأن تستند إلى تقارير يمكن التحقق منها، لا إلى الوعود.

ويبقى السؤال ما الذي يحكم الحراك النقابي، وهل يمتلك الأعضاء الأدوات التي تمكنهم من معرفة ما أنجزته مجالسهم، ومقارنة النتائج بالتعهدات، ومساءلة المسؤولين عن أوجه القصور إن ثبتت؟

فالمجلس المنتخب لا يُحاسب لأنه انتُخب، بل لأن الانتخاب حمّله مسؤولية، ولأن هذه المسؤولية لا تكتمل إلا بإنجاز يمكن إثباته ومراجعته ومساءلته.

“الغد”

شاهد ايضا

Focus Mode