بقلم : م.خالد باز حدادين
دولة الرئيس… هل بعض الاقتصادين حولكم يرى ان الازدحام مشروع حكومي مربح!
دولة الرئيس،
بعد سنوات من البحث والدراسة وكتابة المقترحات عن ادارة المرور وما من حتى اتصال من اية جهة كانت … اكتشفت أنني كنت أسير في الاتجاه الخطأ. كنت أظن، بسذاجة المهندسين، أن الطريق أنشئ لكي تسير عليه المركبات، وأن الإشارة الضوئية وُضعت لتنظيم الحركة، وأن الموظف يغادر بيته ليصل إلى عمله، لا ليقضي نصف عمره يتأمل مؤخرة السيارة التي أمامه.
لكن الحسابات أثبتت أن ازدحام عمّان ليس مشكلة مرورية كما كنا نظن، بل هو مشروع مالي بالغ الذكاء؛ مشروع لا يحتاج إلى منجم ولا مصنع ولا تصدير. كل ما يحتاج إليه هو شارع مغلق، وإشارة غير منسقة، ومشروع حفريات يبدأ صباحًا ولا يعرف أحد متى ينتهي.
فالمركبة التي تقف 81 دقيقة يوميًا تستهلك نحو 259 لترًا من البنزين خلال 240 يوم عمل. أي إن المواطن يدفع قرابة 259 دينارًا سنويًا مقابل خدمة حكومية فريدة: الوقوف في المكان نفسه مع تشغيل المكيّف.
ومن كل سيارة صالون تقف في الازدحام، تحصل الخزينة على نحو 96 دينارًا ضريبة بنزين سنويًا. وإذا جرى تعميم هذه التجربة الوطنية الرائدة على سيارات العاصمة، فقد تصل الضريبة الناتجة عن الوقود المحروق أثناء التوقف إلى أكثر من مئة مليون دينار في الحساب الأعلى، أو نحو 61 مليون دينار حتى في حساب محافظ جدًا.
وهنا، دولة الرئيس، فهمت الحكمة التي عجزت عنها طويلًا: لماذا نحل الازدحام، ما دام الازدحام يدفع الضريبة؟
فالسيارة التي تصل بسرعة لا تخدم الخزينة كما ينبغي. والسائق الذي يصل إلى عمله خلال عشرين دقيقة مواطن قليل المردود المالي. أما السائق المثالي فهو الذي يبقى ساعة ونصف الساعة بين الدوار والإشارة، يحرق البنزين، ويدفع الضريبة، ويصل إلى عمله غاضبًا بما يكفي للعمل، ومتعبًا بما يكفي لئلا يطالب بشيء.
لذلك، بدلًا من إنشاء جهة نقل حضري موحدة، وتنسيق الإشارات، وضبط استعمالات الأراضي، وتنظيم المواقف، وتطوير النقل العام، أقترح إنشاء هيئة وطنية لتنمية الوقوف الإجباري.
تكون مهمتها ضمان ألا يصل أحد إلى مكانه قبل أن يؤدي واجبه الضريبي كاملًا.
ويمكن للهيئة أن تضع مجموعة من مؤشرات الأداء، منها: متوسط طول الطابور، وعدد لترات البنزين المحروقة دون حركة، ونسبة المواطنين الذين غادروا منازلهم صباحًا ووصلوا إلى أعمالهم بعد الظهر، وعدد السائقين الذين حفظوا لوحات المركبات الواقفة أمامهم من شدة طول الصحبة.
كما يمكن استحداث جائزة سنوية لأطول إشارة ضوئية، وأخرى لأكثر حفرة بقيت في مكانها واغلقت الشارع دون سبب واضح، وثالثة للشارع الذي أغلقته ثلاث جهات مختلفة في الأسبوع نفسه، من دون أن تعرف إحداها أن الجهتين الأخريين تعملان فيه والمشكلة احيانا ان الاغلاقات تكون من عدة دوائر بنفس الجهة دون ان تعرف احداها عن الاخرى.
وإذا رغبت الحكومة في زيادة إيراداتها أكثر، فأنا مستعد، بعد أن كنت أكتب عن الحلول، أن أدلّها على وسائل تعزيز الازدحام: اسمحوا بمجمعات ضخمة دون دراسة مرورية جادة، أغلقوا مسربًا في ساعة الذروة، ضعوا موقفًا عشوائيًا أمام كل مدرسة، واتركوا الإشارات الضوئية تتخذ قراراتها بصورة مستقلة، فهي بذلك تشبه مؤسساتنا وتحافظ على الهوية الإدارية الوطنية.
لكن ثمة حقيقة صغيرة تفسد علينا هذا الإنجاز المالي العظيم:
الضريبة التي تحصلها الحكومة من الوقود المهدور ليست ربحًا للاقتصاد الوطني.
إنها، يا دولة الرئيس، ليست أرباحًا بالمعنى الذي يفهمه العقلاء، بل نقودٌ غادرت جيب المواطن، مرّت بالخزينة لتبدو منتصرة، ثم تركت وراءها بنزينًا احترق في الهواء، وأعصابًا احترقت معه، وموظفًا وصل متأخرًا، وطبيبًا تعطلت مواعيده، ومهندسًا قضى في الشارع وقتًا أطول مما قضاه في موقع العمل.
فإذا تجاوز الوقت المهدور في ازدحام عمّان 256 مليون ساعة سنويًا، وقدّرنا الساعة بثلاثة دنانير فقط، فإننا نتحدث عن خسارة اقتصادية تقارب 770 مليون دينار في السنة، من دون أن نحسب الوقود والتلوث وتعطل الأعمال. ولا يعني ذلك أن موظفًا في وزارة المالية سيجد هذا المبلغ مفقودًا في درج مكتبه، لكنه يعني أن ملايين الساعات التي كان يمكن أن تنتج وتبيع وتعالج وتعلّم وتبني، أمضت نهارها في دراسة رقم لوحة السيارة التي أمامها.
واعلم، يا دولة الرئيس، أن فكرة ربح الدولة من البنزين المحروق في الازدحام فكرة تصلح نكتةً اقتصادية أكثر مما تصلح سياسة مالية؛ فهي تشبه رجلًا أحرق متجره ثم احتفل لأنه باع دلاء الماء لرجال الإطفاء. قد تحصل الخزينة على عشرات الملايين من ضريبة الوقود، لكنها تخسر في المقابل مئات الملايين من النشاط والإنتاج والدخل.
الدولة لا تغتني من مركبة واقفة، بل من اقتصاد يتحرك. تربح حين يصل الموظف إلى عمله، والمتسوق إلى السوق، والمريض إلى الطبيب، والبضاعة إلى مقصدها. وحين تسهّل الحركة، يزداد العمل والبيع والاستثمار والدخل، فتدخل إلى الخزينة ضرائب ورسوم أضعاف ما تجنيه من لتر بنزين احترق وهو يؤدي مهمته الوطنية العظيمة: إبقاء السيارة في مكانها.
بعبارة أبسط: قد تربح الخزينة فلسًا، لكن الوطن يخسر دينارًا، والمواطن يخسر أعصابه، والمدينة تخسر قدرتها على الحياة.
لقد كتبت مرارًا عن الحل الممكن: جهة واحدة مسؤولة عن النقل والمرور، إدارة علمية للإشارات، ضبط استعمالات الأراضي، فصل القرار المروري عن المصالح البلدية المتفرقة، تطوير النقل العام، وإخضاع المشروعات لدراسات مرورية حقيقية لا لدراسات هدفها إثبات أن المشروع ممتاز قبل أن يبدأ الباحث عمله.
لكنني بدأت أخشى أن تكون الحلول غير مرغوبة؛ لا لأنها صعبة، بل لأنها قد تمنع المواطن من إحراق البنزين أثناء الوقوف، وتحرم الخزينة من ضريبة لم تبذل في تحصيلها سوى أن تركته عالقًا في الشارع.
دولة الرئيس،
إن كنتم ترغبون في تخفيف الازدحام، فالحلول ممكنة، وقد كُتبت مرارًا.
أما إن كنتم ترغبون في زيادة إيرادات الوقوف، فأرجو إعلان ذلك بصراحة، حتى نتوقف عن تسميته «أزمة مرورية»، ونمنحه اسمه الاقتصادي الرسمي:
برنامج الجباية بواسطة المحرّك الدائر والمركبة الواقفة.
وعندها، يمكن للمواطن أن يقف في الطابور مطمئنًا؛ فهو وإن لم يصل إلى عمله، فقد دعم بنجاح جيب الحكومة.
هذا المقال : استكمالا لطلب بعض الاصدقاء لحساب كلفة الوقوف ….
عمان – 27/7/2026

