الرئيسية تكنولوجياكيف يغيّر الذكاء الاصطناعي حياة المراهقين؟

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي حياة المراهقين؟

من mk
A+A-
Reset

لم يعد الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين مجرد تقنية جديدة يجربونها من حين إلى آخر، بل أصبح حاضرًا في الدراسة والترفيه والبحث عن المعلومات وصناعة المحتوى، ووصل في بعض الحالات إلى أسئلة أكثر خصوصية تتعلق بالصحة والجسد والمستقبل والمشاعر والعلاقات.

وتكشف دراستان حديثتان عن اتساع هذا الاستخدام في الولايات المتحدة، لكنهما تكشفان في الوقت نفسه عن فجوة واضحة بين سرعة دخول الذكاء الاصطناعي إلى حياة الصغار وبين قدرة الأسر والمدارس على فهم ما يفعله الأطفال بهذه الأدوات ومناقشة مخاطرها معهم.

الدراسة الأولى هي «إحصاء كومن سينس ميديا: استخدام الذكاء الاصطناعي لدى الأطفال والمراهقين 2026»، التي نشرتها مؤسسة كومن سينس ميديا وأعدها كريستن سولتيس أندرسون وإليانور أونيل وباكستر وايت من إيشيلون إنسايتس، إلى جانب مايكل روب ولورا زيمرمان وسوبريت مان من كومن سينس ميديا.

 

واعتمدت على مسح شمل 1204 أطفال ومراهقين أميركيين بين 9 و17 عامًا. أما الدراسة الثانية، «المراهقون في عصر الذكاء الاصطناعي: المواد الإباحية والمحتوى الجنسي»، فنشرتها كومن سينس ميديا أيضًا، وأعدها سوبريت مان ولورا زيمرمان وجيني راديسكي ومايكل روب، بالتعاون مع شركة بورسون، واستندت إلى مسح وطني شمل 1314 مراهقًا بين 13 و17 عامًا، إلى جانب مقابلات معمقة ومجموعات نقاش.

ويقول جيفري فاولر، رئيس المشاركة العامة في معهد سلامة الذكاء الاصطناعي للشباب التابع لكومن سينس ميديا، إن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح شبه شامل بين الأطفال والمراهقين، وإن صعوبة فهم حجم حضوره تكمن في أنه لم يعد مرتبطًا بمهمة واحدة؛ فهم يستخدمونه في المدرسة ومن أجل المتعة والتواصل، بل وفي الحديث عن موضوعات كان يُفترض تقليديًا أن يناقشوها مع أشخاص بالغين يثقون بهم، مثل أجسادهم وعلاقاتهم والمشكلات التي يواجهونها في حياتهم اليومية.

 

استخدام شبه شامل للذكاء الاصطناعي

تظهر الدراسة الأولى أن 86% من الأطفال والمراهقين بين 9 و17 عامًا يستخدمون أو يتفاعلون مع الذكاء الاصطناعي، فيما يستخدمه 24% يوميًا. ويزداد الاستخدام مع العمر، إذ تصل النسبة إلى 81% بين الأطفال من 9 إلى 12 عامًا، ثم 89% بين 13 و15 عامًا، و92% بين 16 و17 عامًا. أما الاستخدام اليومي فيصل إلى 17% لدى الفئة الأصغر، ويرتفع إلى 28% بين 13 و15 عامًا و30% بين من يبلغون 16 و17 عامًا.

ولا تبدو روبوتات الدردشة الشكل الوحيد الذي يتعامل معه الأطفال، إذ تعد الملخصات المولدة بالذكاء الاصطناعي في محركات البحث أكثر أشكال التقنية انتشارًا، وقد استخدمها 75% من المشاركين، بينما استخدم 67% روبوتات دردشة مثل تشات جي بي تي وجيميني وكلود وغروك وديب سيك وكوبايلوت.

 

وعندما سُئل الأطفال عن الأداة التي يستخدمونها أكثر من غيرها، تصدر تشات جي بي تي بفارق واضح، إذ ذكره 40% من المشاركين، مقابل 24% لخدمات غوغل المختلفة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

 

الدراسة والترفيه في المقدمة

لا يستخدم الأطفال الذكاء الاصطناعي بالطريقة التي قد يتخيلها كثير من البالغين. فوفق الدراسة، يتصدر الترفيه قائمة الاستخدامات بنسبة 89%، يليه الحصول على المساعدة في الواجبات والدراسة بنسبة 85%، ثم استخدام الأدوات في إنشاء الصور والفيديو والقصص والموسيقى والتطبيقات بنسبة 75%.

ويستخدم 48% الذكاء الاصطناعي في الدراسة مرة أسبوعيًا على الأقل، بينما يستخدمه 21% لهذا الغرض يوميًا، وترتفع النسبة اليومية مع العمر من 12% بين 9 و12 عامًا إلى 30% بين 16 و17 عامًا.

لكن الدراسة رصدت أيضًا علاقة بين الصعوبات الدراسية وكثرة الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. فمن بين الأطفال الذين يقولون إنهم يجدون صعوبة في التركيز أثناء أداء المهام المدرسية، يستخدم 56% الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الدراسة أسبوعيًا على الأقل، مقارنة بـ45% ممن لا يواجهون المشكلة بالدرجة نفسها.

 

كما ظهرت أنماط مشابهة بين من يجدون صعوبة في الرياضيات أو كتابة المقالات أو الاستمرار في مهمة صعبة، وهو ما يثير سؤالًا لا تجيب عنه الدراسة بصورة نهائية: هل يساعد الذكاء الاصطناعي هؤلاء الأطفال على تجاوز نقاط ضعفهم، أم يمكن أن يصبح في بعض الحالات بديلًا عن تطوير المهارات التي يحتاجون إليها؟

 

عندما يتحول الاستخدام إلى اعتماد

إحدى النتائج التي تلفت الانتباه تتعلق بمؤشرات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. فقد قال 20% من المستخدمين إن التوقف عن استخدامه لمدة شهر سيكون صعبًا بالنسبة إليهم، لكن النسبة ترتفع إلى 42% بين من يستخدمونه يوميًا.

كما وجد الباحثون أن 29% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي أظهروا مؤشرًا واحدًا على الأقل من ثلاثة مؤشرات استخدمتها الدراسة لقياس الاعتماد، تشمل صعوبة التوقف عن الاستخدام، وصعوبة إنجاز الواجبات من دونه، والشعور بأن الذكاء الاصطناعي يفهم المستخدم بصورة أفضل من الآخرين. وبين المستخدمين اليوميين وصلت النسبة إلى 52%.

ويزداد هذا الجانب حساسية عندما ينتقل استخدام الذكاء الاصطناعي من الدراسة إلى الدعم الاجتماعي والعاطفي. فقد قال 11% من جميع المستخدمين إنهم يشعرون أحيانًا بأن الذكاء الاصطناعي يفهمهم أفضل من معظم الأشخاص، وترتفع النسبة إلى 19% لدى المستخدمين اليوميين، بينما تصل إلى 25% بين الأطفال الذين سبق أن استخدموه للحديث عن مشاعرهم أو مشكلاتهم الشخصية.

 

الأطفال الأكثر وحدة يستخدمونه أكثر

ربطت الدراسة أيضًا بين كثافة الاستخدام والشعور بالوحدة، لكنها شددت على أن النتائج لا تثبت وجود علاقة سببية. وقال 54% من المستخدمين اليوميين إنهم يشعرون بالوحدة بعض الوقت على الأقل، مقابل 47% ممن يستخدمونه أسبوعيًا و44% من المستخدمين شهريًا و33% ممن يستخدمونه أقل من مرة شهريًا أو لا يستخدمونه أصلًا. كما كان الذين يشعرون بالوحدة أكثر ميلًا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي للتدرب على المحادثات والمهارات الاجتماعية ومناقشة مشاعرهم ومشكلاتهم.

ويشدد الباحثون على أن هذه الأرقام لا تعني أن استخدام الذكاء الاصطناعي يجعل الأطفال أكثر وحدة. فقد يكون الاتجاه معكوسًا، أي أن الأطفال الذين يشعرون بالوحدة هم الأكثر ميلًا إلى البحث عن الدعم عبر الذكاء الاصطناعي، أو قد توجد عوامل أخرى تفسر الظاهرتين معًا. وهذا هو السبب الذي يجعل فاولر يعتبر النتيجة مقلقة، ليس لأنها تثبت ضرر الذكاء الاصطناعي، بل لأن الأطفال الذين يحتاجون إلى دعم بشري أكبر قد يكونون تحديدًا من يتجهون أكثر إلى روبوتات الدردشة بدل الأصدقاء أو الآباء أو المعلمين أو المستشارين.

 

من الواجبات إلى الصحة والمشاعر

تظهر الدراسة أن الحدود بين الاستخدام الأكاديمي والشخصي أصبحت أكثر ضبابية. فقد قال 57% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي إنهم استعانوا به للحصول على معلومات أو نصائح حول صحتهم أو أجسادهم، واستخدمه 49% للحصول على نصائح بشأن مستقبلهم أو أهدافهم، و40% للتدرب على المحادثات والمهارات الاجتماعية، بينما استخدمه 37% لمناقشة مشاعرهم أو مشكلاتهم الشخصية.

ورغم أن غالبية الأطفال ما تزال تفضل اللجوء إلى البشر أولًا، فإن الأرقام تشير إلى تغير مهم. فعند السؤال عن الواجبات المدرسية، قال 23% إن روبوت الدردشة سيكون خيارهم الأول، وترتفع النسبة إلى 38% بين من تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عامًا. وعند السؤال عن الصحة والجسد، يفضل 73% شخصًا بالغًا موثوقًا، لكن 12% سيختارون الذكاء الاصطناعي أولًا، وترتفع النسبة إلى 27% بين المستخدمين اليوميين.

 

الذكاء الاصطناعي يفتح بابًا جديدًا للمحتوى الجنسي

أما الدراسة الثانية فتكشف جانبًا أكثر خطورة من علاقة المراهقين بالذكاء الاصطناعي، إذ أفاد 44% من المراهقين بأنهم شاهدوا محتوى جنسيًا يعتقدون أنه مولد بالذكاء الاصطناعي، بينما قال 79% ممن شاهدوه إن تعرضهم له كان عرضيًا وليس نتيجة بحث متعمد. وظهر هذا المحتوى خصوصًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إذ قال 82% ممن سبق أن شاهدوه إنهم واجهوه هناك، مع نسب وصلت إلى 33% على تيك توك و27% على إنستغرام و25% على إكس/تويتر.

وتصبح الصورة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بهوية الأشخاص الموجودين في هذه المواد، إذ قال 24% ممن شاهدوا محتوى جنسيًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي إنهم رأوا محتوى يصورهم هم أو شخصًا يعرفونه شخصيًا، بينما قال 11% إن المحتوى كان يصورهم هم أنفسهم. كما أظهر التقرير أن 8% من المراهقين أنشأوا بأنفسهم هذا النوع من المحتوى، بينما يعرف 13% شخصًا قام بذلك.

 

الخوف من التزييف العميق لم يعد مقتصرًا على المشاهير

يشير فاولر إلى أن كثيرًا من البالغين يربطون مصطلح «التزييف العميق» بالمشاهير والسياسيين، لكن نتائج الدراسة توضح أن المشكلة أصبحت جزءًا من حياة المراهقين العاديين أيضًا. فقد قال 67% من المراهقين إنهم يشعرون بدرجة من القلق من احتمال ظهورهم في محتوى مزيف من دون موافقتهم، وارتفعت النسبة إلى 71% بين الفتيات مقابل 62% بين الأولاد.

ولم يبق الخوف مجرد شعور، إذ دفع بعض المراهقين إلى تغيير سلوكهم الرقمي. فقد أصبح 38% أكثر حذرًا بشأن المواد التي ينشرونها، وحوّل 30% حساباتهم إلى خاصة، وخفّض 23% كمية الصور أو الفيديوهات التي ينشرونها، بينما حذف 9% بعض حساباتهم أو جميعها.

 

وتوضح هذه الأرقام أن مخاطر التزييف العميق لا ترتبط فقط بما يحدث بعد إنشاء الصورة، بل تؤثر مسبقًا في الطريقة التي يستخدم بها المراهقون الإنترنت وشبكات التواصل.

 

فجوة كبيرة بين الأطفال والآباء

تلتقي الدراستان عند نقطة واحدة بوضوح: كثير من الأطفال يستخدمون الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع بكثير مما تناقشه أسرهم معهم. ففي دراسة الاستخدام العام، قال 44% من الأطفال والمراهقين إن أحدًا من والديهم أو أولياء أمورهم لم يتحدث معهم عن كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بأمان.

وحتى بين المستخدمين الفعليين، لم يجر 41% منهم محادثة من هذا النوع، بينما لم يحصل 34% من المستخدمين اليوميين على حديث حول سلامة الذكاء الاصطناعي.

وفي الدراسة الخاصة بالمحتوى الجنسي، تبدو الفجوة أكبر؛ إذ قال 20% فقط من المراهقين إنهم تحدثوا مع شخص بالغ يثقون به حول المحتوى الجنسي المولد بالذكاء الاصطناعي، بينما قال 34% إنهم يريدون إجراء مثل هذا الحديث لكنهم لا يعرفون كيف يبدأونه.

 

وكان أهم ما يشجعهم على الحديث هو شعورهم بأن الشخص البالغ سيفهم المشكلة، ثم التأكد من أنهم لن يتعرضوا للوم.
الآباء لا يحتاجون إلى أن يصبحوا خبراء

المشكلة، وفق فاولر، ليست أن الآباء مطالبون بفهم جميع تفاصيل النماذج والخوارزميات قبل الحديث مع أبنائهم. ويشير إلى أن كثيرًا من الآباء يشعرون بأن أطفالهم سبقوهم تقنيًا، وربما يكون ذلك صحيحًا في بعض التطبيقات، لكنه لا يمنعهم من السؤال عما يستخدمه الطفل ولماذا، وما الذي يجده مفيدًا أو مزعجًا، وما الذي يفعله إذا واجه إجابة خاطئة أو صورة مزيفة أو محتوى غير مناسب.

وتدعم نتائج الدراستين هذا التوجه، إذ توصي كومن سينس ميديا بمحادثات مستمرة بدل الاكتفاء بقائمة من المحظورات، خصوصًا حول دقة المعلومات والخصوصية والمحتوى غير المناسب ومتى يجب اللجوء إلى شخص بالغ بدل روبوت الدردشة. كما تدعو المدارس إلى تجاوز النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الواجبات والغش الأكاديمي إلى تعليم الأطفال كيفية تقييم صحة المعلومات واستخدام التقنية بأمان.

 

ففي حين قال 73% إن مدارسهم تحدثت معهم حول ما يجوز وما لا يجوز استخدام الذكاء الاصطناعي فيه في الدراسة، قال 56% فقط إنهم تلقوا إرشادات حول السلامة و51% فقط تعلموا كيفية تحديد ما إذا كانت المعلومات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي دقيقة وموثوقة.

 

المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها

لا تحمل الدراسات الآباء وحدهم مسؤولية مواجهة المخاطر. فاولر يرى أن شركات التكنولوجيا لديها دور مباشر أيضًا، خصوصًا في منع الأدوات المصممة لإنشاء صور عارية مزيفة أو «نزع الملابس» رقميًا من الوصول بسهولة إلى المستخدمين الصغار. كما ينتقد عدم قيام منصات التواصل بما يكفي لمنع انتشار المحتوى الجنسي المولد بالذكاء الاصطناعي بعد إنشائه.

وتدعو الدراسة المتعلقة بالمحتوى الجنسي متاجر التطبيقات إلى رفض تطبيقات «التعري الرقمي»، وتطالب بتطوير آليات أسرع لاكتشاف المواد الجنسية المولدة بالذكاء الاصطناعي وحذفها، وتعزيز أنظمة التحقق من العمر، وتحديث أدوات حماية الصور الحميمة بحيث تشمل الصور المزيفة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي. كما تطالب المدارس بالتأكد من أن الأدوات المتاحة للطلاب لا تتيح إنتاج صور جنسية أو حميمة.

 

ما الذي تعنيه الدراستان للآباء؟

الرسالة الأساسية التي تجمع الدراستين ليست منع الأطفال من استخدام الذكاء الاصطناعي، ولا افتراض أن كل استخدام له يمثل خطرًا. فالبيانات نفسها تظهر أن الأطفال يستفيدون منه في التعلم والإبداع والحصول على المعلومات، وأن غالبية المستخدمين لا تظهر عليهم مستويات مرتفعة من الاعتماد. لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الذكاء الاصطناعي دخل مساحات أكثر حساسية من حياة المراهقين بسرعة كبيرة، من الواجبات والصور والفيديو إلى الصحة والعلاقات والمشاعر والمحتوى الجنسي.

ولهذا لم يعد السؤال بالنسبة إلى الأسرة هو ما إذا كان الطفل يستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف يستخدمه، وماذا يخبره به، وما الذي يراه من خلاله، ومتى يعتمد عليه بدل البشر. وبينما لا يمكن للدراسات الحالية أن تثبت أن كثرة الاستخدام تسبب الوحدة أو المشكلات النفسية، فإن وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف والوحدة، إلى جانب توجه بعض الأطفال إلى روبوتات الدردشة في الأسئلة الصحية والعاطفية وتعرض آخرين لمحتوى غير مناسب، يشير إلى أن الحوار داخل المنزل والمدرسة أصبح جزءًا أساسيًا من التعامل مع التقنية، لا خطوة يمكن تأجيلها إلى أن يفهم البالغون كل تفاصيل الذكاء الاصطناعي.

شاهد ايضا

Focus Mode