الرئيسية مقالاتالكلام اللي بمشي عليه الترين!

الكلام اللي بمشي عليه الترين!

من admin
A+A-
Reset

الدكتور نضال المجالي

في الوضع الطبيعي، تُسنّ القوانين لأن هناك مشكلة تحتاج إلى حل، أما عندنا، فيبدو أحيانا أن المشكلة تُخلق حتى تجد القوانين فرصة للمرور، وما إن يمر قانون، حتى يلحقه نظام، ثم تعليمات، ثم تعديل، ثم تفسير، ثم توضيح للتفسير، حتى يصبح السؤال ليس: “ماذا يقول القانون؟” بل: “أي إصدار تقصد؟”

من الجنسبة إلى الإستثمار الى البلديات إلى مقترح الضمان وآخرها نص مادة في قانون الملكية العقارية أضاف سكة الحديد لكلماته، قانون دخل المحطة بسرعة قطار لا يتوقف في أي رصيف للنقاش العام، وما إن بدأ الناس يسألون: “شو الفائدة؟” حتى انهالت عليهم التبريرات، والغريب أن أحدا لم يتحدث بلغة المزايا بقدر ما تحدث بلغة الدفاع، فهناك ميزات لم نسمعها او لم تسجلها الحكومة قد تكون مقنعة للجميع.

هناك فرق كبير بين أن تُقنعني بميزات قانون، وبين أن تُغرقني بتبريراته، الإقناع يبدأ بـ”هذا ما سيكسبه الوطن والمواطن”، أما التبرير فيبدأ عادة بـ”أنتم فهمتم الموضوع غلط”، والفرق بين الاثنين كالفرق بين من يبيعك تذكرة سفر، ومن يشرح لك لماذا لا يجوز أن تسأل إلى أين تتجه الرحلة.

المشهد لم يعد عن سكة حديد فقط، بل عن سكة تشريعات كاملة، قوانين تُقر بسرعة، وأنظمة تتكاثر بسرعة أكبر، وتعليمات تظهر حتى قبل أن يحفظ الناس اسم القانون، حتى بتنا لا نعرف: من يشرّع لمن؟ ومن يفسّر لمن؟ ومن يحاسب من؟ وأين تبدأ سلطة، وأين تنتهي أخرى؟ أم أن الجميع أصبحوا يجلسون في القاطرة نفسها، بينما المواطن وحده في آخر عربة، يهتز مع كل منعطف دون أن يعرف من يقود.

كنا نسمع عن مبدأ الفصل بين السلطات، فإذا بنا نشاهد نسخة “التداخل الشامل”، اختفت المسافات، وذاب الميزان، وأصبح المواطن يحتاج إلى دليل استخدام لقرارات وقوانين تقدمها الحكومة، لا إلى نسخة من الدستور لانه الأوضح.

ورغم كل ذلك، يبقى الثابت الوحيد في هذه المعادلة هو المواطن، مواطن يحب وطنه، ويؤمن بقيادته، ولا يرى فوقها مقاما، لكنه، في المقابل، يتمنى أن يسمع من حكومته لغة مختلفة؛ لغة الأرقام بدل التبريرات، والشفافية بدل الافتراض أن الناس لا تفهم، والإقناع بدل سياسة “صدقونا… وبعدين بنشرح”.

فإذا كانت سكة الحديد مشروعا للمستقبل، فمن حق الناس أن تعرف إلى أين تصل، ومتى تصل، ومن يقودها، ومن يمولها، وما الذي سيعود على الوطن والمواطن منها، فالسكة ليست مجرد قضبان من حديد، بل مسار من الثقة. ولا يعنيني الربع اقل او اكثر بقدر المستقبل.

ويبقى السؤال، وهو سؤال لا يحتاج إلى بيان توضيحي ولا مؤتمر صحفي:

متى ستكون لدينا سكة واضحة… في المسار، وفي النتائج، وفي الشركاء، وفي المسؤوليات؟

أما أن يبقى القطار يسرع، والقوانين تتوالى، والتبريرات تتدفق، والناس على الرصيف يلوّحون بالأسئلة… فهذه ليست رحلة تنموية، بل محطة انتظار طويلة، عنوانها: “الرجاء عدم السؤال… القطار يمر.

شاهد ايضا

Focus Mode