بقلم : ابراهيم ناصر
تُشكل الدورات الاستثنائية لمجلس النواب جزءًا مهمًا من المنظومة الدستورية الأردنية، فهي تضمن استمرارية العملية التشريعية وتمكّن الدولة من التعامل مع القوانين والملفات التي لا تحتمل الانتظار إلى حين انعقاد الدورة العادية. وقد أثبتت هذه الدورات أهميتها في العديد من المحطات الوطنية، سواء لإقرار تشريعات اقتصادية أو إصلاحية أو لمواكبة التزامات الدولة ومتطلبات المرحلة.
إلا أن أهمية الدورات الاستثنائية لا تمنع من طرح تساؤل مشروع حول طبيعة العمل البرلماني خلالها، في ظل اقتصار جدول أعمالها على التشريع، وغياب الجلسات الرقابية بمختلف أدواتها من أسئلة واستجوابات وطلبات مناقشة عامة. فهذه المعادلة تجعل البرلمان يمارس نصف وظيفته الدستورية فقط، بينما يغيب النصف الآخر الذي يمنح المؤسسة التشريعية توازنها وقوتها.
فالعمل البرلماني لا يقوم على التشريع بمعزل عن الرقابة، وإنما على تكامل الوظيفتين. إذ لا تُعد الرقابة مجرد وسيلة لمحاسبة الحكومة بعد وقوع الأخطاء، بل هي أداة سياسية ودستورية تؤثر بصورة مباشرة في جودة العملية التشريعية نفسها. وفي الأنظمة البرلمانية، كثيرًا ما تكون المفاوضات التي تسبق إقرار القوانين مرتبطة بحسابات أوسع من نصوص المواد القانونية، حيث تدرك الحكومة أن تجاهل الملاحظات النيابية قد ينعكس لاحقًا في جلسات رقابية تحمل أسئلة محرجة أو استجوابات أو مناقشات عامة تضع أداءها تحت المجهر.
ومن هنا، فإن وجود الرقابة إلى جانب التشريع يخلق حالة من التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فالحكومة تكون أكثر استعدادًا للاستماع إلى التعديلات النيابية، وأكثر مرونة في التوصل إلى حلول توافقية، ليس فقط لضمان إقرار التشريعات، وإنما أيضًا للحفاظ على علاقة مستقرة مع مجلس النواب في الاستحقاقات الرقابية المقبلة.
أما في الدورات الاستثنائية، فإن هذا العامل يكاد يكون غائبًا. فالحكومة تدخل جلسات التشريع وهي تدرك أن الأدوات الرقابية مؤجلة، وأن جدول الأعمال محدد بالإرادة الملكية السامية، الأمر الذي يحدّ من قدرة النواب على توظيف أدواتهم الدستورية في تعزيز مواقفهم التفاوضية. وبذلك، تصبح العلاقة التشريعية أقل توازنًا، ويفقد المجلس إحدى أهم وسائل التأثير التي يمتلكها في صياغة التشريعات.
ولا يقتصر أثر الجلسات الرقابية على تحسين النصوص القانونية فحسب، بل يمتد إلى ملفات تمس الحياة اليومية للمواطنين. فكثيرًا ما تدفع الرقابة البرلمانية الحكومة إلى تقديم التزامات واضحة أو تسريع قرارات تنفيذية تتعلق بالخدمات العامة، وفرص العمل، وتحسين البنية التحتية، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، ومعالجة القضايا المعيشية، في إطار تفاهمات سياسية ترافق مناقشة التشريعات. وهنا تصبح الرقابة وسيلة لتحقيق مكاسب عامة للمواطن، وليست مجرد أداة للمساءلة أو تسجيل المواقف.
وبمعنى آخر، فإن الجلسة الرقابية لا تبدأ وتنتهي داخل قبة البرلمان، وإنما يمتد أثرها إلى أداء الحكومة التنفيذي. فهي تخلق حافزًا مستمرًا للاستجابة للمطالب النيابية، وتدفع السلطة التنفيذية إلى تقديم مبادرات أو وعود قابلة للتنفيذ، بما يسهم في بناء توافقات تساعد على تمرير التشريعات المهمة دون الإخلال بحق المجلس في ممارسة دوره الرقابي.
إن تعزيز كفاءة العمل البرلماني لا يرتبط بعدد القوانين التي يتم إقرارها، وإنما بمدى قدرة المجلس على الوصول إلى أفضل صيغة ممكنة لهذه القوانين، مستندًا إلى أدواته الدستورية كافة. وعندما تُعزل العملية التشريعية عن البيئة الرقابية التي تمنحها التوازن، فإن جودة التفاوض البرلماني تتراجع، ويصبح التشريع أقرب إلى مسار إجرائي منه إلى عملية سياسية متكاملة تعكس مبدأ الفصل المرن بين السلطات.
ولعل المرحلة المقبلة تستدعي نقاشًا دستوريًا وسياسيًا حول كيفية الحفاظ على فاعلية الدور الرقابي حتى أثناء الدورات الاستثنائية، أو إيجاد صيغ إجرائية تضمن عدم انقطاع هذا الدور بالكامل، بما يعزز من جودة التشريع، ويرسخ مكانة مجلس النواب بوصفه سلطة تشريعية ورقابية في آن واحد، ويحقق في النهاية المصلحة العامة التي تمثل الغاية الأساسية من العمل البرلماني.

