بقلم: د٠ حاكم المحاميد
في كل عام، ومع إشراقة ذكرى استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، يتجدد مشهدٌ لا يشبه سواه؛ مشهد وطنٍ يحتفل بنفسه، وشعبٍ يحتفل بوطنه، وقيادةٍ تحتفل بثقة شعبها ومحبتهم الصادقة، غير أن ما استوقفني هذا العام، وأنا أتابع ما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي من صور ومقاطع واحتفالات، لم يكن ما جرى داخل الأردن فحسب، بل ذلك الحضور الأردني اللافت في أصقاع الأرض كافة، حيث احتفل المغتربون بعيد الاستقلال وكأنهم يقفون في قلب عمّان، أو على سفوح الكرك، أو بين سهول إربد ووديان الطفيلة.
لقد بدت احتفالات الأردنيين في الداخل زاهيةً ومهيبةً ومليئةً بمعاني الفخر والانتماء، لكن احتفالات المغتربين حملت طعماً آخر؛ طعم الشوق الممتزج بالوفاء، والحنين الممزوج بالاعتزاز، فكلما ابتعد الأردني عن وطنه، ازداد قرباً منه في وجدانه، وكأن المسافات لا تفعل شيئاً سوى تعميق المحبة وترسيخ الانتماء.
شاهدنا أبناء الأردن في دول الخليج، وفي أوروبا، وفي الأميركيتين، وفي أستراليا، يرفعون العلم الأردني بفخر، ويزينون أماكن عملهم ومجالسهم ومنازلهم بألوان الراية الخفاقة، ويستعيدون الأغاني الوطنية والذكريات الجميلة، وكأنهم يرسلون رسالة واحدة للعالم: قد نبتعد عن الأردن جغرافياً، لكن الأردن لا يغادر قلوبنا أبداً.
وما يلفت النظر أن هذا الحب ليس حباً مناسباتياً، ولا عاطفةً عابرةً تفرضها المناسبات الوطنية، بل هو شعور فطري متجذر في وجدان الأردنيين تجاه وطنهم وقيادتهم الهاشمية، فالعلاقة بين الأردنيين والهاشميين لم تُبنَ على المصالح الآنية، بل تأسست على تاريخٍ من الثقة والوفاء والتلاحم الوطني، حتى أصبحت جزءاً من الهوية الأردنية ذاتها.
إن التفاف الأردنيين حول الراية الهاشمية في الداخل والخارج يعكس وعياً وطنياً راسخاً وإيماناً عميقاً بالدولة ومؤسساتها وقيادتها، وفي زمنٍ تتعرض فيه كثير من الدول لاختبارات الهوية والانتماء، يقدم الأردنيون نموذجاً فريداً في وحدة الصف والاعتزاز بالوطن والقيادة، وهو نموذج يستحق التأمل والإشادة.
ولعل من الإنصاف أن نقول إن المغتربين الأردنيين ليسوا مجرد أبناء وطن يعيشون خارج حدوده، بل هم سفراء حقيقيون للأردن في مختلف أنحاء العالم، فقد أثبتوا حضورهم وتميزهم في ميادين الطب والهندسة والتعليم والإدارة والقانون والتكنولوجيا والاقتصاد والبحث العلمي، حتى أصبحت الكفاءات الأردنية علامة جودة واحترام في كثير من المؤسسات العالمية.
لقد حمل الأردني المغترب معه قيم وطنه قبل شهاداته وخبراته؛ حمل الصدق والأمانة والاجتهاد والانضباط، فاستحق المكانة التي وصل إليها، واستحق أن يكون صورة مشرقة للأردن حيثما حلّ وارتحل، ولهذا فإن نجاحات الأردنيين في الخارج ليست نجاحات فردية فحسب، بل هي امتداد لنجاح المدرسة الأردنية في بناء الإنسان وتأهيله وتمكينه.
وفي عيد الاستقلال، لا نحتفي فقط بذكرى وطنٍ نال حريته وسيادته، بل نحتفي أيضاً بأبنائه الذين حملوا اسمه إلى العالم، فرفعوه علماً وأخلاقاً وعملاً وإنجازاً، نحتفي بأولئك الذين أثبتوا أن الأردني قد يغادر وطنه طلباً للرزق أو العلم أو الفرصة، لكنه لا يغادر انتماءه أبداً.
ويبقى الأردن، كما كان دائماً، وطناً يسكن أبناءه أينما كانوا، وتبقى الراية الهاشمية عنواناً لوحدتهم، ويبقى الاستقلال مناسبةً نستذكر فيها أن حب الوطن ليس شعاراً يُرفع، بل عهدٌ يُحفظ، ووفاءٌ يتوارثه الأردنيون جيلاً بعد جيل.
عاش الأردن حراً عزيزاً، وحفظ الله قيادته الهاشمية، وأدام على شعبه الأمن والاستقرار والكرامة.
الأردن… وطنٌ يُقيمُ فينا
9