الرئيسية مقالاتلقاء موسع للنخب… حين تبدأ بالفكرة وتنتهي بسدر منسف

لقاء موسع للنخب… حين تبدأ بالفكرة وتنتهي بسدر منسف

من admin
A+A-
Reset

الدكتور نضال المجالي

كما حدثني احد الحضور قبل دقائق هاتفيا عن تجربته قررت ان أعيد الصياغة بقصة قصيرة لما حدث معه، تبدأ الحكاية باتصال استقبله بعبارة خفيفة الوزن: “يسرّنا دعوتكم لحضور لقاء مع نخبة من الهامين والفاعلين اللاعبين الرئيسيين …”، عندها شعر صديقي انه على موعد مع لحظة تاريخية تجمعه بالمهمتين ستعيد ترتيب الوضع العام—أو على الأقل ترتيب بعض الأفكار. ارتدى صديقي أفضل ربطة عنق لديه، وذهب متأهبا للاجتماع الذي يجمع شخصيات بارزة وهو يتوقع سماع ما لم يُقل بعد. لكنه -واقصده وكل من توجه للنقاش فقط- بعد نصف ساعة واقل، أن الجديد الوحيد في اللقاء هو نوع القهوة ومستوى “بهورة” الداعي واقصد ” المعزّب”.

النخبة، كما يفترض، هي جماعة تُنتج معرفة، تُحرّك الساكن، وتدفع المجتمع خطوة إلى الأمام. نخبة تُقلق الأسئلة فيها أكثر مما تُطمئن الإجابات. نخبة تُضيف، لا تُكرّر. لكن ما نراه في كثير من هذه “اللقاءات النخبوية” كما عاشها صديقي هو نسخة اجتماعية من إعادة البث: نفس الوجوه، نفس العبارات، نفس القلق الوجودي المُعاد تدويره بلغة أكثر تهذيبا استحياءً من المعزب.

المدهش أنه اكد لي ان الجميع هناك “خبير”. خبير في السياسة، خبير في الاقتصاد، خبير في الفن، بل وبينهم خبير في خبرته الخاصة. وحين يتحدث أحدهم، كان يشعر أن الحقيقة على وشك أن تُكشف… ثم تُفاجأ بأنها كانت مختبئة أصلا خلف جملة إنشائية طويلة لم تصل إلى أي مكان. أما النقاش الذي عاش لحظاته، فهو تمرين جماعي على تجنب الاختلاف الحقيقي، لأن الاختلاف قد يفسد الودّ، والودّ أهم من الفكرة—خصوصا إن كان الودّ سيقود لاحقا إلى شيء أهم.

وهنا اكتشف صديقي انه وصل إلى لبّ المسألة، أو لنقل إلى قاعها الواسع: سدر المنسف.

اكد لي بالتشبيه البليغ ان المؤشرات بدأت بالظهور تدريجيا. أحدهم ينظر إلى الساعة. آخر يهمس: “متى العشاء؟”. فجأة، يتحول الحماس من “تفكيك الخطاب السياسي” إلى “تفكيك اللحم عن العظم”. تُختصر الأسئلة الوجودية في سؤال واحد: هل الرز كاف للجميع؟ وعندها، تتضح الحقيقة التي حاولت الدعوة إخفاءها طوال الوقت: ما جمع القوم لم يكن الفكرة، بل المنسف… وما الفكرة إلا فاتح شهية.

في تلك اللحظة، شهد النخبة في صورتها الأكثر صدقا: لا أوراق عمل، لا مصطلحات رنانة، فقط أيد تعمل بكفاءة عالية، وتوافق نادر لا تشوبه أي خلافات فكرية. الجميع متفق، منسجم، منتج—لكن في اتجاه واحد فقط. ربما لو أُديرت النقاشات بنفس الحماسة التي يُدار بها السدر، لخرجنا بنظرية جديدة على الأقل.

حاولت ان اخفف عليه ما ينقله لي من صور فنية مؤكدا له  أن الوضع “عادي” وان هذه اللقاءات تُختتم غالبا بعبارات كبيرة عن “ضرورة الاستمرار في الحوار” و“أهمية البناء على ما طُرح”. لكن البناء الحقيقي الوحيد كان ارتفاع طبقات الرز، والحوار الأكثر عمقا دار حول قطعة اللحم الأخيرة وتنوع أطباق الحلويات.

أعلمته ليرتاح قليلا انه لا مشكلة في المنسف، بل على العكس—هو صادق أكثر من كثير من الكلمات التي قيلت قبله. المشكلة حين يتحول إلى الهدف غير المعلن، والنتيجة الوحيدة المضمونة. عندها، يصبح لقب “نخب” مجرد ديكور، وانها مجرد تجمع أنيق حول سدر كبير.

لذلك، حاولت جاهدا ان أنير دربه ليتعلم في المرات القادمة التي تصله فيها دعوة “نخبوية”، بأن لا يرهق نفسه كثيرا بالتوقعات. وليسأل فقط السؤال الحقيقي: هل الفكرة تستحق الحضور… أم أن المنسف هو المتحدث الرئيسي.

شاهد ايضا

Focus Mode