تعود قضية نيغريرا إلى واجهة الصراع بين ريال مدريد وبرشلونة قبل مواجهة الكلاسيكو المرتقبة، الأحد، بعدما تصاعدت حدة الاتهامات والانتقادات المرتبطة بالتحكيم الإسباني، في وقت يترقَّب فيه أنصار النادي المدريدي تطورات التحقيقات المتعلقة بمدفوعات مالية قدَّمها برشلونة لشركات مرتبطة بمسؤول سابق في لجنة الحكام، وسط اعتقاد لدى بعضهم بأنَّ العقوبات ضد النادي الكاتالوني باتت مسألة وقت.
وبحسب تقرير نشرته «The Athletic»، تحوَّلت القضية إلى محور أساسي في الخطاب الإعلامي لريال مدريد، الذي كثَّف انتقاداته للتحكيم الإسباني، وربط عدداً من القرارات المثيرة للجدل بملف المدفوعات التي بلغت 8.4 مليون يورو، وقدَّمها برشلونة بين عامَي 2001 و2018 إلى شركات يسيطر عليها خوسيه ماريا إنريكيز نيغريرا، نائب الرئيس السابق للجنة الحكام التابعة للاتحاد الإسباني لكرة القدم.
وكانت القضية قد ظهرت إلى العلن في فبراير (شباط) 2023، عندما كشفت إذاعة «كادينا سير» الإسبانية عن مدفوعات برشلونة لإحدى الشركات المرتبطة بنيغريرا، قبل أن تتسع التحقيقات القضائية لتشمل مسؤولين سابقين وحاليين في النادي.
ونفى برشلونة ونيغريرا مراراً ارتكاب أي مخالفات، مؤكداً أن الأموال دُفعت مقابل تقارير واستشارات تتعلق بالتحكيم الاحترافي، بينما شدَّد رئيس النادي خوان لابورتا، خلال مؤتمر صحافي في أبريل (نيسان) 2023، على أن برشلونة لم يمارس أي نشاط يهدف إلى تغيير نتائج المنافسات أو الحصول على أفضلية رياضية غير مشروعة.
وشملت التحقيقات القضائية إفادات لابورتا والرئيسين السابقين جوسيب ماريا بارتوميو وساندرو روسيل، إلى جانب المدربين السابقين لويس إنريكي وإرنستو فالفيردي، وعدد من المسؤولين الإداريِّين.
وأوضح خافيير تيباس، رئيس رابطة الدوري الإسباني، أن الرابطة لا تستطيع فرض عقوبات رياضية بسبب سقوط المخالفات المحتملة بالتقادم وفق اللوائح الرياضية، مع استمرار إمكانية الملاحقة وفق القانون الجنائي.
وفي يونيو (حزيران) 2023، قرَّر محققو الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عدم فرض عقوبات على برشلونة، الذي واصل المشارَكة في دوري أبطال أوروبا، رغم استمرار التحقيقات المتعلقة بالقضية.
وتصاعد الخلاف بين الناديين عندما وصف لابورتا ريال مدريد بأنه «فريق النظام»، في إشارة إلى فترة حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو بين عامَي 1939 و1975، لترد القناة الرسمية للنادي المدريدي بمقطع مُصوَّر تضمَّن تصريحات قديمة لرئيسه التاريخي سانتياغو برنابيو.
وفي البداية، بدا فلورنتينو بيريز، رئيس ريال مدريد، حذراً في انتقاد برشلونة، خصوصاً خلال فترة التعاون بين الناديين ضمن مشروع دوري السوبر الأوروبي، قبل أن تتغير لهجته بصورة واضحة.
وخلال مؤتمر صحافي في مايو (أيار) الماضي، أكد بيريز أن حكاماً من حقبة نيغريرا ما زالوا يديرون مباريات في الدوري الإسباني، معلناً إعداد ملف شامل من 500 صفحة لإرساله إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
وتحوَّلت القناة الرسمية لريال مدريد إلى منصة رئيسية لانتقاد الحكام، إذ تستعيد باستمرار قرارات تحكيمية سابقة وتربطها بالقضية، خصوصاً قبل المباريات الكبرى أو عقب النتائج السلبية.
وبعد خسارة ريال مدريد أمام أتلتيكو مدريد بنتيجة 1 – 2 في سبتمبر (أيلول)، نشر الموقع الرسمي للنادي تقريراً بعنوان «أداء تحكيمي كارثي يحسم الديربي»، بينما صعَّد محللو القناة التلفزيونية انتقاداتهم للحكام.
وامتدَّ الجدل إلى وسائل إعلام إسبانية، بينها «إل ديباتي» و«أوكي دياريو» و«إل إسبانيول»، إلى جانب البرنامج التلفزيوني «إل تشيرينغيتو»، التي تناولت بصورة متكرِّرة اتهامات بوجود تحيُّز تحكيمي ضد ريال مدريد.
وأثارت إحدى المواد المنشورة في «إل ديباتي» خلافاً حاداً مع تيباس، بعدما شبّه رئيس رابطة الدوري الإسباني الاستراتيجيةَ الإعلاميةَ لريال مدريد بأساليب الدعاية التي استخدمها جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي، ما دفع النادي المدريدي إلى المطالبة بإقالته.
وفي سياق متصل، أطلق عدد من المحللين والمؤثرين والمشجعين المدريديين موقعاً إلكترونياً باسم «نيغريرا غيت»، يجمع إحصاءات تحكيمية، ويعرض مقارنات تاريخية يعتقد القائمون عليه أنها تدعم مزاعم استفادة برشلونة من قرارات الحكام.
وقال المحامي خوان لويس مارتين دي بوزويلو، أحد مؤسسي الموقع، إن اكتشاف مدفوعات برشلونة لمسؤول بارز في المنظومة التحكيمية جعل كثيراً من مشجعي ريال مدريد يشعرون بأنهم تعرَّضوا للخداع، خصوصاً خلال مواسم نجح فيها فريقهم أوروبياً دون تحقيق لقب الدوري الإسباني.
وعاد البرتغالي جوزيه مورينيو، مدرب ريال مدريد، إلى استحضار القضية خلال مقابلة تلفزيونية في أغسطس (آب) الماضي، مؤكداً أنه كان يشعر بوجود أمور غير طبيعية في القرارات التحكيمية خلال فترته الأولى مع الفريق بين عامَي 2010 و2013، رغم أنه لم يكن يعرف نيغريرا آنذاك.
وتواصلت انتقادات مورينيو خلال الموسم الحالي، إذ حضر إلى مؤتمر صحافي عقب إحدى مواجهات أتلتيكو مدريد حاملاً أوراقاً تتضمَّن حالات تحكيمية عدَّ أنها تستحق بطاقات حمراء ضد لاعبي المنافس.
كما انتقد توقيت إعلان عقوبة إيقاف فينيسيوس جونيور 4 مباريات، بعد طرده أمام فياريال، عادّاً أن صدور القرار قبل ساعتين من مواجهة أوروبية مهمة أمام روما يثير التساؤلات.
وامتدت أجواء الاحتجاج إلى مدرجات ملعب «سانتياغو برنابيو»، حيث ردد المشجعون هتافات تتهم الاتحاد الإسباني بالفساد، ورفعت جماهير النادي لافتة تحمل عبارة «ليست كرة قدم… إنه تيباس ونيغريرا».
وخلال الفوز على إشبيلية بنتيجة 4 – 1، تردَّدت هتافات تتهم لابورتا بمواصلة الدفع، بينما أثار عدم معاقبة أردا غولر على تدخل محتمل بالمرفق في إحدى اللقطات جدلاً لدى أنصار برشلونة.
وعلى الصعيد الأوروبي، أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم مطلع أكتوبر (تشرين الأول) تسلمه الملف الذي وعد بيريز بإرساله، موضحاً أن الوثائق ستخضع لتقييم مفتشي الأخلاقيات والانضباط ضمن التحقيق الجاري.
وردَّ برشلونة بأنَّ الاتحاد الأوروبي لم يفتح إجراءات جديدة ضده، مؤكداً أن الإعلان يتعلق بالتحقيق القائم، وليس ببدء قضية مستقلة.
ورغم أن بعض الأوساط المدريدية تتوقَّع استبعاد برشلونة من البطولات الأوروبية، فلم تصدر مؤشرات رسمية تؤكد قرب فرض عقوبات، بينما امتنع الاتحاد الأوروبي عن التعليق على تفاصيل التحقيق حتى صدور قرار من الجهة التأديبية المختصة.
أما التحقيق القضائي الإسباني، الذي بدأ في مارس (آذار) 2023، فما زال في مرحلة جمع الأدلة وسماع الشهادات، مع تحديد جلسات في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل للاستماع إلى جيرارد لوبيز، لاعب برشلونة السابق ومدرب الفريق الرديف بين عامَي 2015 و2018، وأنطونيو ألونسو، المسؤول السابق في أحد الملاعب.
وفي تطوُّر آخر، بدأ برشلونة إجراءات قضائية ضد بيريز، متهماً إياه بالإدلاء بتصريحات تشهيرية خلال مؤتمره الصحافي في مايو، وحدد يوم 25 نوفمبر موعداً لجلسة مصالحة، مع التلويح بتقديم شكوى جنائية إذا لم يتراجع رئيس ريال مدريد علناً عن تصريحاته.
وتضع هذه التطورات «الكلاسيكو» المقبل تحت مجهر استثنائي، إذ باتت القرارات التحكيمية جزءاً من صراع يتجاوز المنافسة الرياضية، وسط انقسام واضح بين جماهير الناديين بشأن حقيقة القضية وتداعياتها المحتملة.
ورغم استمرار التحقيقات في إسبانيا والاتحاد الأوروبي، فلم تثبت حتى الآن مسؤولية برشلونة عن التلاعب بنتائج المباريات في حكم قضائي نهائي، كما لم يصدر قرار أوروبي باستبعاده من المنافسات، ما يجعل التوقعات المتداولة بشأن سقوط النادي الكاتالوني أو معاقبته مرتبطة بنتائج إجراءات لم تُحسم بعد.

