الرئيسية رئيسيتأهيل الينابيع التاريخية يفتح آفاقا جديدة للسياحة والتنمية في عجلون

تأهيل الينابيع التاريخية يفتح آفاقا جديدة للسياحة والتنمية في عجلون

من mk
A+A-
Reset

عجلون- لأهميتها التاريخية والسياحية، وارتباط السكان بها في أزمان ماضية، واعتمادهم عليها في الشرب وري مزروعاتهم، تأتي مبادرة “عجلون أرض الينابيع” التي أطلقتها بلدية عجلون الكبرى لإحياء تلك الينابيع، وذلك بإعادة تأهيلها وإبرازها بشكل تراثي جميل، لتجمع بين أهميتها هذه الأيام في عملية الجذب السياحي، إلى جانب دعم استخداماتها من المواطنين في عملية ري مزروعاتهم.

ويؤكد مسؤولو البلدية أن هذه المبادرة تأتي في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز السياحة البيئية والحفاظ على الإرث التاريخي والمائي، وذلك من خلال ترميم وتأهيل ينابيع المياه التاريخية الحيوية في المحافظة، وإدراجها ضمن المسارات السياحية التي تجذب الزوار من داخل المملكة وخارجها.
ويقول رئيس البلدية محمد البشابشة إن إطلاق بلدية عجلون الكبرى للمبادرة يأتي استجابة للوضع الذي آلت إليه العديد من عيون الماء التاريخية في المنطقة، حيث كانت تعاني سابقا من الإهمال، وتراكم الأتربة والأنقاض التي تسببت في انسداد مجاري المياه وتراجع تدفقها، كما تعرضت المساحات المحيطة بها للتهميش، مما أفقدها قيمتها الجمالية والتاريخية وجعلها مواقع غير مستغلة، رغم ما تحمله من إرث وارتباط بين الإنسان والأرض منذ مئات السنين.
وأكد أن أهداف المبادرة لا تقف عند حدود الجانب الهندسي أو البيئي فقط، بل تتعدى ذلك لتشكل مشروعا تنمويا متكاملا يعيد صياغة المشهد السياحي والثقافي في المحافظة، مبينا أنه من الناحية البيئية والمائية، فإن البلدية تضع حماية هذه الثروة المتجددة في مقدمة أولوياتها من خلال تنظيف الأقنية والمجاري لضمان ديمومة تدفق المياه النظيفة وحمايتها من التلوث، وهو ما ينعكس مباشرة على إحياء المساحات الخضراء المحيطة بها وإعادة الألق لطبيعة عجلون الساحرة.
وأضاف البشابشة أن الأثر الأعمق للمبادرة يتجلى في بعدها الإنساني والثقافي، حيث تسعى البلدية إلى إعادة ربط الأجيال الحالية بجذورها من خلال ترميم معالم ارتبطت بوجدان كبار السن وذاكرتهم، مما يحول هذه الينابيع إلى جسور تواصل حية تروي حكاية الإنسان والأرض، مشيرا إلى أن هذا البعد الوجداني يتكامل بدوره مع رؤية استثمارية طموحة تهدف إلى تحويل هذه العيون التاريخية من مجرد نقاط مرور عابرة إلى محطات ومزارات سياحية رئيسية، مجهزة بالكامل لاستقبال الوفود وهواة المسارات البيئية وسياحة المشي.
كما أكد أنه من المتوقع أن تفرز هذه الرؤية آثارا اقتصادية إيجابية ملموسة على المجتمع المحلي، فتهيئة المواقع لاستقطاب الزوار ستفتح آفاقا رحبة لخلق فرص استثمارية وتشغيلية جديدة للأهالي، مما يسهم في تنشيط الحركة التجارية، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وتقديم عجلون كنموذج رائد في السياحة المستدامة التي تستثمر في التاريخ لبناء المستقبل.
حكاية الأرض والهوية
من جهتها، تقول الناطقة الإعلامية في البلدية أماني الطوالبة إن عين التيس تعد أيقونة تراثية تروي حكاية الأرض والهوية، فالنبع الجاثم على مدخل بلدة عين جنا لا يمثل مجرد نبع ماء عابر، بل هو رمز متجذر في الوجدان العجلوني وأيقونة تختزل أصالة إنسان هذه الأرض، وقد تجلت هذه المكانة التاريخية في الذاكرة الشعبية للمحافظة عبر مأثور طالما ردده الأهالي كصك انتماء للمكان، إذ يقال في المأثور المحلي: “إن كنت من عجلون، فأنت حتما ممن ارتووا من عين التيس، واقتاتوا من ثمر بلوطها”، في إشارة بليغة إلى تلازم الهوية العجلونية مع مفردات طبيعتها وضيافتها.
وأكدت أنه في هذا السياق، فقد حرصت بلدية عجلون الكبرى على أن تحاكي أعمال التأهيل هذا البعد الرمزي، إذ تجاوزت نسبة الإنجاز في الموقع 80 %. وشملت الأعمال إعادة بناء العين بالطابع الأثري مستخدمة حجارة المدينة الأصيلة المستخرجة من قلب جبال عجلون، لتبدو كجزء لا يتجزأ من تضاريسها، كما تم الحفاظ بعناية فائقة على شجرة البلوط العتيقة في الموقع لتبقى شاهدا حيا يجسد المأثور الشعبي أمام الزوار، وتتوسط المكان اليوم نافورة مائية تحيط بها ساحات مبلطة وممرات مجهزة، تمنح الزائر فرصة التماس مباشر مع عراقة الماضي وسحر الطبيعة.
وأشارت الطوالبة إلى عين أم جلود، التي تعد شريانا متجددا وبوابة حضارية تفيض بالتاريخ والجمال، فعلى الطريق الرئيسي الحيوي الذي يربط بين عجلون وجرش وعمان، تبرز “عين أم جلود” بموقعها الإستراتيجي كبوابة ترحيبية شامخة عند مدخل منطقة عنجرة، وقد نجحت المبادرة في تحويل هذا الموقع إلى تحفة معمارية متكاملة تتناغم فيها الطبيعة مع عبق التاريخ، حيث تجلت اللمسات التراثية في إعادة بناء واجهة العين وبوابتها المقوسة باستخدام حجارة عجلون الصفراء المتميزة، والتي نقشت عليها آيات قرآنية كريمة تذكر بقدسية وأهمية الماء، لتضفي على المكان جلالا وسحرا خاصا، وتتدفق من ثناياها المياه العذبة عبر قنوات تم تنظيفها وتأهيلها بالكامل لتنساب في مجاريها الطبيعية.
ولفتت إلى أن ملامح المشروع، الذي شارف على الاكتمال بنسبة إنجاز بلغت 90 %، تكشف عن تخطيط هندسي رفيع، إذ تميز الموقع بمسارات مشاة أنيقة رصفت بأحجار الرصيف الملونة وبتناظر هندسي بديع، تحيط بها أحواض من الزهور المتنوعة والورود الجورية الملونة التي تضفي حيوية ونضارة على جنبات الطريق، وسيتم تزويد الموقع بمقاعد استراحة متناسقة تتيح للزوار والمارة الاستمتاع بجمالية المكان والتقاط الأنفاس في أجواء طبيعية ساحرة.
وأكدت الطوالبة أن أبرز ما يسترعي الانتباه في هذا التطوير هو النصب التذكاري الصخري الضخم من صخور جبال عجلون الشاهقة، والذي يحمل كلمات تحاكي فخر المدينة وإرثها العريق، لتشكل هذه الصروح مجتمعة محطة سياحية وثقافية وطنية متكاملة تأسر قلوب زوار المحافظة.
إلى ذلك، يتمنى الناشط في المجال السياحي ماجد الزغول أن تشمل المبادرة مستقبلا ينابيع جديدة، لتكون ضمن الرؤية المستدامة لبلدية عجلون الكبرى، وألا تتوقف المبادرة عند هذا الحد كما أعلنت البلدية، بل تشمل خططها المقبلة توسيع نطاق العمل ليشمل ينابيع تاريخية أخرى في مختلف المناطق، كعين أم العبر الواقعة في منطقة الصفا، بالإضافة إلى “العين البرانية” في منطقة عين جنا وغيرها من العيون في المحافظة، لضمان إحياء هذه العيون التاريخية وإعادتها إلى ألقها لتخدم المجتمع المحلي والزوار على حد سواء.
استغلال الموارد المحلية
وأكد أن من يتابع خطوات هذه المبادرة يرى أن بلدية عجلون الكبرى تقدم نموذجا حيا وتجربة رائدة يجدر بالجميع الاقتداء بها في كيفية استغلال الموارد المحلية المتاحة وتحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية، وبذلك تؤكد البلدية أن تطوير عيون الماء هذه هو استثمار حقيقي في الذاكرة الحية للمجتمع العجلوني، وتأكيد راسخ على ارتباط الإنسان بأرضه وحجارته التاريخية.
وبحسب نائب رئيس جمعية البيئة الأردنية ربيعة المومني، فإن إعادة تأهيل محيط الينابيع وتهيئة مرافق مناسبة للزوار يحدان من مظاهر التنزه العشوائي وما يرافقها من مخلفات أو ممارسات تؤثر على البيئة، مؤكدة أهمية المحافظة على الغطاء النباتي والمساحات الخضراء التي تشكل أحد أبرز عناصر الجذب السياحي في عجلون.
وأضافت أن المواقع الطبيعية المطورة باتت تستقطب الزوار المحليين والعرب والأجانب، خاصة تلك التي تتميز بالمياه المتدفقة والمطلات الواسعة، مبينة أن العديد من السياح يحرصون على زيارة هذه المواقع والتقاط الصور والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، الأمر الذي يسهم في تنشيط الحركة السياحية وإطالة مدة إقامة الزائر في المحافظة.
أما رئيسة جمعية عجلون الخضراء للتنمية البيئية المهندسة ابتهال الصمادي، فترى أن تأهيل الينابيع والمواقع الطبيعية يسهم في حماية الموارد البيئية واستدامتها، مبينة أن المحافظة تضم عشرات العيون والينابيع التي يمكن استثمارها سياحيا بطريقة تحافظ على البيئة وتوفر متنفسا آمنا للعائلات والزوار.
ودعت إلى تعميم تجربة تطوير المواقع الطبيعية في مختلف مناطق المحافظة لما لها من أثر إيجابي على الواقع البيئي والسياحي.
ويؤكد رئيس لجنة مجلس محافظة عجلون المهندس معاوية عنانبة أهمية مشروعات تأهيل الينابيع والمواقع الطبيعية في محافظة عجلون في إبراز جماليات المحافظة وتعزيز مكانتها كوجهة سياحية وبيئية متميزة، في ظل جهود متواصلة لتطوير البنية التحتية للمواقع الطبيعية وتحويلها إلى مقاصد جاذبة للزوار والمتنزهين.
وبين أن المحافظة تمتلك مقومات طبيعية وسياحية فريدة تستوجب مواصلة العمل على تطويرها واستثمارها بالشكل الأمثل، مشيراً إلى أن تأهيل الينابيع والمطلات الطبيعية يسهم في تعزيز الجذب السياحي وتحفيز الاستثمار المحلي، مؤكدا أن مجلس المحافظة يدعم المشروعات التنموية التي تستهدف تحسين البنية التحتية للمواقع السياحية والبيئية بما ينعكس إيجابا على المجتمعات المحلية ويوفر فرصا اقتصادية وتنموية لأبناء المحافظة.

شاهد ايضا

Focus Mode