بين الحر والعصبية.. كيف تغيّر موجات الصيف مزاجنا وسلوكنا؟

الرئيسية المنوعاتبين الحر والعصبية.. كيف تغيّر موجات الصيف مزاجنا وسلوكنا؟

بين الحر والعصبية.. كيف تغيّر موجات الصيف مزاجنا وسلوكنا؟

من mk
A+A-
Reset

تتعالى أصوات أبواق السيارات، ويرافقها أحيانًا صراخ وشجارات بسبب خلاف على موقف سيارة أو تجاوز مروري، وقد يتطور الموقف إلى مشادة كلامية كبيرة لا تحمد عقباها، فيما يسمع أحدهم يقول: “الجو حر وأنا مش متحمل حالي.. ابعد عني أحسن الك”.

هي عبارات تتكرر مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، إذ تزداد أحيانا حالة التوتر بين الأفراد، سواء في المنزل أو بيئة العمل أو الأسواق، ما يعني أن ارتفاع درجات الحرارة وما تسببه من أجواء يصفها البعض بأنها “خانقة”، ينعكس بشكل مباشر على المزاج العام والسلوك في الوقت ذاته.
وما بين محبي الصيف ومن لا يفضلونه، تظهر الكثير من المفارقات من خلال “المناكفات”، بل إن بعضهم أنشأ مجموعة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي تحت مسمى “نادي كارهي الصيف”، ويعتبر أعضاؤها أن حر الصيف يسبب لهم الضيق والتعب النفسي والتوتر من الآخرين، وبالتالي قد يقود أحيانا إلى سلوك عدائي.
العلاقة بين موجات الحر والسلوك
ومع تصاعد درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تتزايد التساؤلات حول العلاقة بين موجات الحر والسلوك والمزاج والصحة النفسية في المجتمع الأردني، كغيره من المجتمعات. وعلى الرغم من أن الأردن يعد من الدول معتدلة الأجواء بشكل عام، فإن ذلك لا يمنع وجود علاقة طردية في بعض الأحيان بين ارتفاع درجات الحرارة والمزاج السلبي الحاد، وما يرافقه من تأثير في الانفعالات والقدرة على التفكير واتخاذ القرار.
وتشير التوقعات الجوية الحالية إلى استمرار الأجواء الصيفية المستقرة في الأردن خلال نهاية الأسبوع والأسبوع المقبل، مع طقس مشمس ودرجات حرارة صيفية اعتيادية إلى حارة نسبيا في معظم المناطق.
فيما يتوقع أن تشهد بعض أيام الأسبوع المقبل ارتفاعا طفيفا، لتتراوح درجات الحرارة بين 33 و36 درجة مئوية، في حين تكون الأجواء أكثر حرارة في الأغوار والعقبة والبادية، مع استمرار الطقس الجاف والمشمس في أغلب الأوقات.
التوتر وسرعة الانفعال
“ما حدا يتعامل معايا لحد ما الصيف يخلص”، هكذا يوجه محيي عواد رسالة إلى أصدقائه، على سبيل المداعبة، مع ارتفاع درجات الحرارة، لكنها تعكس شعورا يمر به كثيرون، فارتفاع درجات الحرارة قد يزيد التوتر وسرعة الانفعال ويجعل الصبر أقل، وهو ما تؤكده دراسات تربط بين موجات الحر وتأثيرها في المزاج والسلوك اليومي.
لذا، لم تعد موجات الحر تقتصر آثارها على الشعور بالإرهاق والتعب الجسدي، بل تمتد إلى الصحة النفسية والسلوك اليومي ايضا. ففي الأيام التي ترتفع فيها درجات الحرارة، يلاحظ كثيرون زيادة في التوتر وسرعة الانفعال وضعف التركيز.
وينعكس ذلك على العلاقات الأسرية، وأداء العمل، وحتى السلامة على الطرق، كونها، وفق مختصين، “تؤثر بشكل مباشر في الجسم والدماغ، الأمر الذي قد يغير طريقة استجابة الإنسان للمواقف اليومية”.
ارتفاع معدلات السلوك العدواني
ولكون تلك الأفعال مرتبطة بتأثير الأجواء على نفسية الفرد، ومن ثم سلوكه، يقول مستشار أول الطب النفسي الدكتور وليد سرحان إن تأثير موجات الحر لا يقتصر على الإجهاد الجسدي، بل يمتد إلى الدماغ والصحة النفسية والسلوك اليومي، مبينا أن الدماغ من أكثر أعضاء الجسم حساسية لارتفاع درجات الحرارة، وهو ما قد ينعكس على الانتباه والانفعالات والأداء المعرفي.
كما يرى سرحان أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بزيادة العصبية وسرعة الانفعال وقلة الصبر، فيما تشير دراسات علمية إلى ارتفاع معدلات السلوك العدواني والمشاحنات خلال فترات الحر الشديد.
ويوضح سرحان ذلك بأن الحرارة، التي قد يشعر بها بعض الأشخاص أكثر من غيرهم، تشكل ضغطًا فسيولوجيًا على الجسم، ومع اضطراب النوم والجفاف تزداد مستويات التوتر والقلق لدى كثير من الأشخاص، كما تؤثر في القدرة على التركيز والانتباه، فتتراجع كفاءة الأداء الذهني، خاصة في الأعمال التي تتطلب تركيزًا مستمرًا أو اتخاذ قرارات دقيقة.
ومن أشكال اضطرابات النوم في الصيف الصعوبة في الخلود إلى النوم، أو كثرة الاستيقاظ، وهو ما ينعكس على المزاج والطاقة والإنتاجية في اليوم التالي. لذا، نجد أشخاصًا يتوجهون إلى العمل بمزاج سيئ بسبب عدم حصولهم على النوم الكافي، وهو ما ينعكس على سلوكهم في الطريق إلى العمل وداخل بيئة العمل كذلك.
إجراءات وقائية للتخفيف من الآثار
هذا ما تؤكده أيضا منار عدنان، وهي موظفة في إحدى المؤسسات، وتقول إنها تلاحظ على زملاء العمل تغيرا في مزاجهم أحيانا مع موجات الحر خلال فصل الصيف، لذلك تحاول تجنب النقاش الحاد معهم لما قد يترتب عليه من سلوك سلبي، وفي النهاية يبررون ذلك بقولهم: “الجو حر ومزاجي مش رايق”.
وهنا، يلفت سرحان إلى أن الحرارة قد تؤدي إلى تفاقم أعراض بعض الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب، واضطرابات القلق، والفصام، والاضطراب ثنائي القطب، خاصة إذا ترافق ذلك مع الجفاف أو اضطراب النوم.
كما يمكن أن ترتبط تلك التأثيرات بعدة عوامل، من بينها اضطراب قدرة الجسم على تنظيم حرارته، ونقص السوائل والأملاح، وارتفاع هرمونات التوتر، إلى جانب تغيرات في بعض النواقل العصبية المرتبطة بالمزاج والانفعالات. كما أن بعض الأدوية النفسية قد تقلل قدرة الجسم على التعرق أو تزيد احتمالية الإصابة بالإجهاد الحراري.
الأثر على المصابين بأمراض مزمنة
ووفق سرحان، فإن الفئات الأكثر تأثرا بهذه الظروف تشمل كبار السن، والأطفال، ومرضى الاضطرابات النفسية، والأشخاص الذين يتناولون بعض الأدوية النفسية، إضافة إلى المصابين بأمراض القلب أو السكري أو السمنة، والعاملين في الأماكن المفتوحة.
ودعا سرحان إلى اتخاذ إجراءات وقائية للتخفيف من الآثار النفسية والسلوكية لموجات الحر، من أبرزها الإكثار من شرب الماء، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، والبقاء في أماكن جيدة التهوية أو مكيفة، والحرص على الحصول على قسط كاف من النوم.
بالإضافة إلى ذلك، ينبغي تقليل المجهود البدني في الأوقات شديدة الحرارة، مع أهمية متابعة المرضى النفسيين وعدم تعديل جرعات أدويتهم من تلقاء أنفسهم، ومراجعة الطبيب عند ظهور علامات الإجهاد الحراري أو الجفاف.
وبحسب سرحان، فإن “موجات الحر تمثل عامل ضغط بيئي يؤثر في الصحة النفسية كما يؤثر في الصحة الجسدية، ما يستدعي زيادة الوعي بهذه التأثيرات والالتزام بالإجراءات الوقائية لحماية الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات”.

شاهد ايضا

Focus Mode