“بن هجهوج”.. حكاية تراث تتجدد بلغة معاصرة

#image_title

عمان – في الكرك، حيث تتكئ الحكايات على كتف الجبل، وحيث ما يزال للصوت القديم صداه في الأزقة والبيوت، جاءت أمسية إطلاق أغنية “بن هجهوج” ضمن مشروع “مرسال”، كأنها استعادة واعية لذاكرة لم تغب، لكنها كانت تنتظر من يعيد إنصاتها.

لم يكن الحدث مجرد حفل فني، بل لحظة ثقافية تحمل في جوهرها سؤال الهوية، وتفتح بابا واسعا أمام إعادة قراءة التراث الأردني، لا بوصفه ماضيا منتهيا، بل كحالة مستمرة قابلة للتجدد.
في مقهى “كايفين”، ذلك البيت العتيق الذي يحتفظ بروح الزمن، اجتمع الحضور في مشهد بدا وكأنه امتداد طبيعي لفكرة المشروع. المكان، بجدرانه القديمة وتفاصيله الدافئة، لم يكن مجرد مساحة، بل كان شريكا في الحكاية، يمنحها عمقا وصدقا.
أدار الأمسية المهندس حسين صرايرة، الذي أشار الى أن التراث ليس مادة جامدة، بل كائن حي، يتطلب وعيا في التعامل معه، مؤكدا أن المشاريع الفنية المعاصرة قادرة على إعادة تقديم هذا الإرث بأسلوب يحافظ على أصالته ويمنحه في الوقت ذاته، حياة جديدة.
راكان شويحات، صاحب مشروع “مرسال”، استعاد البدايات من أغنية “أبو شويحة”، التي شكلت الانطلاقة الأولى للمشروع، وكانت بمثابة إعلان واضح عن توجهه في إعادة إحياء الأغنية الفلكلورية الأردنية. تلك التجربة لم تكن عابرة، بل أسست لمسار فني يسعى إلى التقاط روح التراث، وإعادة صياغتها بلغة معاصرة، وهو ما يتجلى اليوم في “بن هجهوج”، كامتداد طبيعي لهذه الرؤية.
وأوضح شويحات أن المشروع لا يهدف إلى إعادة إنتاج الأغنيات فقط، بل إلى قراءتها من جديد، واستخراج ما تحمله من دلالات إنسانية وثقافية، وتقديمها بشكل يحافظ على هويتها ويقربها من الأجيال الجديدة.
وفي لحظة بدت الأكثر تأثيرا، تحدثت نجود خالد المجالي، حفيدة كاتبة الكلمات وابنة خالد هجهوج، عن القصة الحقيقية وراء الأغنية، مستحضرة شخصية والدها، وما تحمله من رمزية إنسانية وتاريخية، إلى جانب كاتبة الكلمات حجزة بنت عايد الشواهين، التي عبرت من خلال النص عن مشاعر عميقة ارتبطت بمرحلة زمنية مهمة.
هذا البعد الإنساني، أضفى على الأغنية قيمة تتجاوز حدود الفن، لتصبح وثيقة وجدانية تنبض بالحياة، وتعكس تفاصيل تجربة حقيقية.
غيد حباشنة، صاحبة “كايفين”، رحبت بالحضور، مشيرة الى أن المكان، كونه من أقدم البيوت في الكرك، يمنح الفعالية طابعا تراثيا أصيلا، ينسجم مع روح المشروع ويعزز حضوره.
ومع صعود الفنانة لين الشناق إلى المنصة، تحول كل ما قيل عن التراث إلى صوت حي. في تجربتها مع الأغنيات التراثية، لا تتعامل الشناق مع النص كأداء تقني، بل كحالة شعورية متكاملة. تغني بإحساس عال، وتمنح الكلمات عمقها، فتبدو الأغنية وكأنها تروى من جديد، لا تعاد فقط.
في “بن هجهوج”، استطاعت أن توازن بين الحفاظ على روح اللحن الفلكلوري والانفتاح على التوزيع الموسيقي الحديث، لتقدم عملا يصل إلى المتلقي المعاصر من دون أن يفقد صدقه الأول. حضورها، أضاف بعدا مختلفا، وساهم في إعادة تقديم هذا اللون الغنائي بحساسية جديدة.
ومع انسياب الكلمات، تحولت الأغنية إلى حالة وجدانية تعبر عن الشوق والفخر والانتماء، وتستحضر صورة الإنسان المرتبط بأرضه وذاكرته، مهما ابتعد.
العمل، الذي كتبته حجزة بنت عايد الشواهين، ولحنه الفلكلور، وأعاد توزيعه جوزيف دمرجيان، بصوت لين الشناق، يشكل نموذجا حيا لكيف يمكن للتراث أن يستمر، لا عبر الحفظ فقط، بل عبر التجديد.
مشروع “مرسال”، من “أبو شويحة” إلى “بن هجهوج”، لا يقدم أغنيات فحسب، بل يعيد بناء العلاقة مع الذاكرة، ويمنح التراث فرصة جديدة ليسمع، ويفهم، ويعاش.
في زمن تتشابه فيه الأصوات، يبقى هذا المشروع تذكيرا بأن للتراث صوتا لا يخفت.. ما دام هناك من يؤمن به، ويعيده إلى الحياة.

Related posts

العيسوي ينقل تعازي الملك وولي العهد إلى عشيرة القطارنة

ولي العهد يشارك ناشطين في مسير طبيعي بمحمية غابات اليرموك

مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي عشيرة أبو عرابي