الرئيسية ⁠اقتصادالبيانات الوطنية.. اقتصاد أردني أكثر قدرة على التخطيط

البيانات الوطنية.. اقتصاد أردني أكثر قدرة على التخطيط

من mk
A+A-
Reset

يشهد الأردن حراكا متناميا على أكثر من صعيد لتوسيع قاعدة البيانات الوطنية وتحديثها، تبرز في مقدمتها عملية التعداد العام للسكان والمساكن 2026 الجارية حاليا، بالتوازي مع تنامي استخدام تطبيق “سند” لإنجاز المعاملات الحكومية، والتوسع في مراكز الخدمات الحكومية في مختلف محافظات المملكة.

ويعكس هذا الحراك توجها نحو بناء قاعدة بيانات وطنية أكثر شمولا وحداثة، لا تقتصر أهميتها على تحسين الخدمات الحكومية وتسهيل وصول المواطنين إليها، وإنما تمتد آثارها إلى دعم التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، وتوفير معلومات أكثر دقة تساعد في تحديد الأولويات وتوجيه الموارد وصياغة السياسات والبرامج الحكومية على أسس أكثر واقعية.

وفي ظل هذا التوجه، يبرز التساؤل حول أهمية توسيع قاعدة البيانات الوطنية في تعزيز كفاءة الاقتصاد الوطني، ومدى إمكانية تحويل البيانات المتاحة من مجرد معلومات وسجلات إلى أداة فاعلة لتحسين التخطيط والإنفاق العام وصنع القرار الاقتصادي.

وأكد اقتصاديون أن توسيع نطاق البيانات الوطنية وتحديثها، وزيادة القطاعات التي تتوافر حولها بيانات حديثة ودقيقة، يمثل استثمارا في كفاءة الاقتصاد الأردني، من خلال تحسين القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والاستثمارية الحالية والمستقبلية.

وأوضح الخبراء في تصريحات صحفية أن كفاءة التخطيط ترتفع كلما توافرت صورة أكثر وضوحا عن السكان والأسر والمنشآت والنشاط الاقتصادي وتوزيعها بين المحافظات، بما يساعد على تحديد الاحتياجات الفعلية، وربط الخطط بمؤشرات قابلة للقياس، ومراجعة السياسات عند تغير الظروف، بدلا من الاعتماد على تقديرات قديمة أو متوسطات لا تعكس الفروق بين المناطق والقطاعات.

واعتبروا أن التعداد العام للسكان والمساكن يمثل عنصرا أساسيا في هذه المنظومة، باعتباره يوفر صورة شاملة عن السكان والأسر والمساكن وتوزيعها الجغرافي والديموغرافي، مؤكدين أن جودة البيانات وتكاملها يمكن أن يساهما في خفض كلفة القرار الحكومي والحد من الهدر، من خلال كشف تكرار البرامج وتداخل الخدمات وضعف الاستفادة من بعض المشاريع.

وأشار الخبراء إلى أن الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي يتيحان تحديث هذه الصورة بصورة مستمرة، بدلا من انتظار المسوح الدورية، بما يحول البيانات من صورة ثابتة للاقتصاد والمجتمع إلى منظومة متابعة مستمرة تساعد صانع القرار على رصد التغيرات والاختلالات والاستجابة لها بصورة أسرع.

وللاستفادة من البيانات المجمعة وتوظيفها في التخطيط والقرار الاقتصادي، دعا الخبراء إلى توحيد التعريفات والمؤشرات بين المؤسسات، وربط السجلات الإدارية بالمسوح الإحصائية، ووضع مواعيد معلنة للتحديث والنشر، ورفع قدرات التحليل لدى موظفي القطاع الحكومي، إلى جانب بناء منظومة وطنية مترابطة تسمح بتبادل البيانات وفق قواعد واضحة، والاستثمار في التحليل والذكاء الاصطناعي، وتطوير القدرات البشرية على استخدام البيانات.

 

التوسع في قاعدة البيانات الوطنية.. استثمار في كفاءة الاقتصاد الوطني وخططه
اعتبر مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض أن التوسع في قاعدة البيانات الوطنية وتحديثها يشكل استثمارا في كفاءة الاقتصاد الأردني، مبينا أن المعلومات الدقيقة والدورية تعد موردا اقتصاديا يساعد الحكومة والمنشآت والأسر على اتخاذ قرارات أفضل، ويقلل من حالة عدم اليقين التي ترفع كلفة الاستثمار وتضعف الثقة بالأسواق.

وأوضح عوض أن كفاءة التخطيط ترتفع عندما تتوافر صورة واضحة عن السكان والأسر والمنشآت والنشاط الاقتصادي وتوزيعها بين المحافظات، إذ يمكن عندها تحديد الاحتياجات الفعلية، وربط الخطط بمؤشرات قابلة للقياس، ومراجعة السياسات عندما تتغير الظروف، بدلا من الاعتماد على تقديرات قديمة أو متوسطات قد تخفي الفروق بين المناطق والقطاعات.

ولفت إلى أن البيانات السكانية تساعد في تحديد مواقع المدارس والمراكز الصحية وشبكات النقل، فيما تكشف بيانات الأسر فجوات الدخل والحماية الاجتماعية، بينما توضح بيانات المنشآت احتياجات التمويل والطاقة والمهارات، بما يتيح توجيه الموارد نحو تدخلات تدعم الإنتاج والتشغيل وتستجيب لاحتياجات السكان.

وأكد عوض، من جانب آخر، أن البيانات الجيدة يمكن أن تسهم في خفض كلفة القرارات الحكومية والحد من الهدر، من خلال كشف تكرار البرامج وتداخل الخدمات وضعف الاستفادة من بعض المشروعات، مبينا أن ذلك يتحقق عمليا عبر ربط الإنفاق بالاحتياجات والنتائج، ومقارنة الكلفة بالأثر، وتصحيح مسار البرامج التي لا تحقق أهدافها.

وأشار إلى أن التحديث الدوري للبيانات يتيح كذلك رصد التحولات في وقت مبكر، بما يسمح للحكومة بالتدخل قبل أن تتسع المشكلة وترتفع كلفة معالجتها، كما يمكن المنشآت من تعديل خططها وفقا للتغيرات في الطلب.

ويرى عوض أن نشر البيانات بصورة منتظمة يسهم بدرجة كبيرة في تعزيز ثقة المستثمرين، لأنه يساعدهم على تقدير حجم الأسواق والطلب والمخاطر، فيما يستفيد المستهلكون من المعلومات الواضحة حول الأسعار والخدمات والاتجاهات الاقتصادية، بما يدعم قراراتهم ويحد من تأثير الشائعات.

وبغية الارتقاء بجودة البيانات وتوظيفها في القرار والتخطيط الاقتصادي، دعا عوض إلى توحيد التعريفات والمؤشرات بين المؤسسات، وربط السجلات الإدارية بالمسوح الإحصائية، ووضع مواعيد معلنة للتحديث والنشر، إضافة إلى بناء قدرات التحليل داخل الوزارات، وإلزام الجهات بتوضيح الأدلة التي تستند إليها خططها وموازناتها، إلى جانب إتاحة البيانات أولا بأول للباحثين والقطاع الخاص.

 

تحسين القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والاستثمارية
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن توسيع قاعدة البيانات الوطنية وزيادة القطاعات التي تتوافر حولها بيانات حديثة ودقيقة يسهمان في تحسين القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والاستثمارية الحالية والمستقبلية، مؤكدا أن اتساع قاعدة البيانات يعزز كفاءة الاقتصاد الوطني والأداء الاجتماعي والاستثماري والتنافسي والقطاعي.

وأوضح عايش أن التخطيط والسياسات والأنظمة والقوانين تصبح أكثر فاعلية عندما تستند إلى معلومات وبيانات دقيقة، بدلا من التقديرات أو التوقعات التي قد لا تعكس الواقع بصورة كافية، معتبرا أن قاعدة البيانات الوطنية أصبحت جزءا من البنية التحتية للاقتصاد الحديث، إلى جانب البنية التحتية التقليدية من طرق وكهرباء واتصالات وخدمات.

وأشار إلى أن البيانات المتعلقة بالسكان وتركيبتهم العمرية والجغرافية، والأسر واحتياجاتها، ومعدلات الفقر والبطالة، والمنشآت والعمالة والنشاط الاقتصادي، توفر أساسا لاتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن المشاريع والخدمات وتوجيه الموارد.

وأكد أن أهمية ذلك تتضاعف في الأردن في ظل محدودية الموارد، موضحا أن القضية لا تتعلق فقط بحجم ما تنفقه الدولة، وإنما بمكان توجيه الإنفاق، والفئات والمناطق المستفيدة منه، وتوقيته، والعائد الاقتصادي والاجتماعي والخدمي المتحقق منه.

وقال إن التعداد العام للسكان والمساكن يمثل عنصرا أساسيا في هذه المنظومة، باعتباره يوفر صورة شاملة عن السكان والأسر والمساكن وتوزيعها الجغرافي والديموغرافي، لافتا إلى أن تكامل هذه البيانات مع بيانات المنشآت والعمل والتعليم والنقل والصحة والضرائب والحماية الاجتماعية يتيح الانتقال من التخطيط القائم على التقديرات والمعدلات والمتوسطات إلى التخطيط القائم على الاحتياجات الفعلية على أرض الواقع.

ولفت عايش إلى أن الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي تتيح تحديث هذه الصورة بصورة مستمرة، بدلا من انتظار المسوح الدورية، بما يحول البيانات من صورة ثابتة للاقتصاد والمجتمع إلى نظام متابعة وإنذار مستمر يساعد صانع القرار على اكتشاف الاختلالات والاستجابة لها بسرعة.

وأضاف أن من أهم الآثار الاقتصادية لتحسين البيانات خفض كلفة الخطأ في القرار، إذ إن القرار المبني على معلومات ناقصة قد يوجه الموارد إلى فئات لا تحتاجها أو مناطق لا تمثل الأولوية أو مشاريع لا تتناسب مع حجم الطلب، بينما تسهم البيانات الأكثر دقة وربطا وتحليلا في تقليل مساحة عدم اليقين وتحسين استهداف الإنفاق.

وخلص عايش إلى أن المعادلة الاقتصادية تتمثل في أن “بيانات أدق، وتحديث مستمر، وربط وتحليل، وقرار قائم على المعلومات والأدلة” تعني استخداما أفضل للموارد، وهدرا أقل، وتنفيذا أكثر كفاءة، وإنتاجية أعلى.

وأكد في الوقت ذاته أن امتلاك البيانات وحده لا يكفي، وأن التحدي الحقيقي أمام الأردن يتمثل في الانتقال من جمع البيانات إلى إنتاج المعرفة واستخدامها في القرار، موضحا أن ذلك يتطلب ربط قواعد البيانات الحكومية وفق أطر قانونية تحمي الخصوصية، وتوحيد المعايير، وتطوير البنية الرقمية، ورفع قدرات موظفي الدولة في تحليل البيانات، وربط البرامج الحكومية بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

ودعا إلى بناء منظومة وطنية مترابطة تسمح بتبادل البيانات وفق قواعد واضحة، وربط السجلات الحكومية، والاستثمار في التحليل والذكاء الاصطناعي، وتطوير القدرات البشرية على استخدام البيانات.

 

القرار المبني على قاعدة بيانات أكثر رشدا من القرار المتخذ بناء على الحدس
بدوره، قال الخبير الاقتصادي زيان زوانة إن جميع الجهود الرامية إلى توسيع قاعدة البيانات الوطنية تسهم في تحسين القرار الحكومي ورفع كفاءة التخطيط بمختلف جوانبه، مؤكدا أن “القرار المبني على قاعدة بيانات أقوى وأكثر رشدا من القرار المتخذ بناء على الحدس”.

وأكد زوانة أن ثورة التكنولوجيا الحالية تعتمد بصورة كبيرة على البيانات وتوافرها وحفظها وإدارتها وتوظيفها في اتخاذ القرار، مشيرا إلى حجم الاستثمارات الكبيرة التي تتجه عالميا نحو تأسيس مراكز البيانات، والتي أصبحت، بحسبه، أحد عناصر التنافس بين الدول الكبرى.

وأوضح أن شركات التكنولوجيا العالمية تتعاون مع الحكومات في مجالات تتعلق بالبيانات والمعلومات، بما يوفر للحكومات مصادر إضافية يمكن توظيفها في بناء قواعد المعلومات واتخاذ القرارات الاقتصادية والأمنية وغيرها.

وفي المقابل، لفت زوانة إلى أن هناك مجالات اقتصادية ما تزال تفتقر إلى البيانات الكافية، ومن أبرزها سوق العمل غير المنظم، الذي يحتاج إلى معلومات أكثر دقة حول حجمه ومساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وطبيعة الأنشطة التي يضمها، وأعداد العاملين فيه، وتوزيعهم الجغرافي والاجتماعي، فضلا عن معرفة نسبة الأردنيين والوافدين العاملين ضمنه.

وشدد زوانة على أهمية أن تحافظ الحكومة ودائرة الإحصاءات العامة على نتائج التعداد العام للسكان والمساكن 2026 والاستفادة منها باعتبارها قاعدة معلومات وطنية مهمة، مشيرا إلى أن هناك اهتماما كبيرا من جهات مختلفة بالبيانات التي سيخرج بها التعداد السكاني، الأمر الذي يتطلب المحافظة عليها وحسن إدارتها والاستفادة منها في التخطيط وصنع القرار.

وأشار إلى أن الحاجة إلى تطوير البيانات لا تقتصر على نتائج التعداد، وإنما تشمل قطاعات ومجالات اقتصادية لا تزال تعاني نقصا في المعلومات، وفي مقدمتها سوق العمل غير المنظم، الذي يتطلب بناء قاعدة بيانات أكثر دقة حول حجمه ومساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وطبيعة الأنشطة التي يضمها، وأعداد العاملين فيه، وتوزيعهم الجغرافي والاجتماعي، ونسب الأردنيين والوافدين العاملين ضمنه.

شاهد ايضا

Focus Mode