– تحويل الدعم الحكومي للحبوب لتوسع الإنتاج المحلي
عمان – في منطقة تتسارع فيها الأزمات، وتتداخل اضطرابات سلاسل التوريد مع التغير المناخي وشح المياه والتوترات الإقليمية، لم يعد الأمن الغذائي في الأردن ملفا زراعيا أو تموينيا منفصلا، بل تحول بصورة متزايدة إلى جزء من مفهوم الأمن الوطني وإدارة المخاطر والاستعداد للأزمات.
وتكشف المعطيات الحكومية خلال العام الحالي أن الأردن استطاع تعزيز قدرته على التعامل مع اضطرابات الإمدادات، مستفيدا من سياسة بناء المخزون الإستراتيجي وتنويع مصادر الاستيراد والتنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص.
غير أن نجاح إدارة المخزون يفتح، في المقابل، سؤالا أكثر إلحاحا، وهو: إلى أي مدى يستطيع الأردن الانتقال من تأمين الغذاء عبر الاستيراد والتخزين إلى تعزيز قدرته على إنتاج جزء أكبر من احتياجاته محليا بصورة مستدامة؟
وتظهر أحدث البيانات التي أعلنتها وزارة الصناعة والتجارة والتموين أن مخزون القمح الموجود فعليا في المستودعات بلغ في آب (أغسطس) الماضي نحو 610 آلاف طن، تكفي للاستهلاك المحلي مدة 6.4 أشهر، فيما كانت هناك كميات متعاقد عليها وفي الطريق تبلغ 302 ألف طن، ترفع إجمالي الكفاية إلى نحو 9.6 أشهر.
أما الشعير، فبلغ المخزون الموجود 609 آلاف طن، مع 220 ألف طن متعاقد عليها، ليصل إجمالي الكفاية إلى نحو 9.5 أشهر.
وبالنسبة إلى بقية السلع التموينية الأساسية، تراوحت مستويات المخزون بين شهرين وأربعة أشهر تقريبا.
سياسة استباقية
وتأتي هذه الأرقام في سياق سياسة استباقية تبنتها الحكومة خلال الأشهر الماضية، خصوصا مع استمرار الاضطرابات الإقليمية واحتمال تأثر طرق التجارة والإمداد.
وكان رئيس الوزراء جعفر حسان شدد، خلال ترؤسه اجتماع المجلس الأعلى للأمن الغذائي في آذار (مارس) الماضي، على ضرورة تعزيز المخزون الإستراتيجي ومراقبة الأسواق والأسعار ومنع الاحتكار، فيما أكدت الجهات المعنية أن المخزون من المواد الأساسية آمن وكافٍ لعدة أشهر.
لكن المخزون، مهما ارتفع، لا يمثل وحده الأمن الغذائي، ذلك أن هذا الأمن يرتبط أيضا بقدرة المواطنين على الوصول إلى الغذاء، واستقرار أسعاره، وجودته، واستدامة مصادر إنتاجه، إلى جانب قدرة الدولة على التعامل مع أزمات طويلة الأمد قد لا تكون مجرد أزمة شحن أو استيراد مؤقتة.
وتشير أحدث نتائج تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم (SOFI 2026) إلى تحسن عدد من مؤشرات الأردن.
ووفق وزارة الزراعة، انخفضت نسبة السكان غير القادرين على تحمل تكلفة نظام غذائي صحي إلى 2.2 % في 2025، مقابل 2.3 % في 2024، فيما بلغت نسبة التقزم لدى الأطفال دون الخامسة 7.7 % في 2024.
كما انخفض معدل السمنة بين البالغين من 38.5 % في بيانات العام 2022 الواردة في التقرير السابق إلى 35.4 % في 2024.
وتقدم هذه المؤشرات صورة أكثر تركيبا من مفهوم توفر الغذاء؛ فالدولة قد تكون قادرة على توفير السلع الأساسية في الأسواق، لكن التحدي يبقى في ضمان أن يكون الغذاء متاحا وميسور التكلفة، وذا قيمة غذائية مناسبة لجميع الفئات، خصوصا الأسر الأقل دخلا.
وفي الجانب الإنتاجي، تتجه السياسة الحكومية إلى إعطاء الحبوب والمحاصيل الإستراتيجية أهمية أكبر، وفي أيلول (سبتمبر) الماضي، أعلنت وزارة الزراعة رفع مخصصات شراء الحبوب المحلية إلى 59 مليون دينار، في خطوة تستهدف تعزيز الإنتاج المحلي وتحفيز المزارعين على التوسع في زراعة المحاصيل الإستراتيجية.
قيود هيكلية
وهنا تبرز إحدى أهم حلقات معادلة الأمن الغذائي الأردني: هل يمكن تحويل الدعم الحكومي للحبوب إلى توسع مستدام في الإنتاج المحلي؟
فالأردن يواجه قيودا هيكلية معروفة، في مقدمتها ندرة المياه ومحدودية الأراضي الزراعية، ما يجعل تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في عدد كبير من السلع هدفا شديد الصعوبة. ولذلك، تبدو المقاربة الأكثر واقعية قائمة على تحديد السلع ذات الأولوية الإستراتيجية، وزيادة كفاءة الإنتاج، وتحسين استخدام المياه، فضلا عن تقليل الفاقد وتنويع مصادر الاستيراد في السلع التي يصعب إنتاجها محليا.
وتضع الإستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2021-2030 أربعة أهداف رئيسة تتمثل في ضمان توافر الغذاء، وتحسين إمكانية الوصول إليه، وتعزيز استقراره والاستخدام الأمثل له، علاوة على تحسين حوكمة منظومة الأمن الغذائي.
كما أن وزارة الزراعة تواصل العمل على إعداد خطط وبرامج مرتبطة بالإستراتيجية ومتابعة المؤشرات الوطنية للأمن الغذائي.
وتكشف بنية المجلس الأعلى للأمن الغذائي أيضا عن اتساع النظرة الحكومية للملف؛ إذ يضم وزارات الزراعة، والصناعة والتجارة والتموين، والمياه والري، والصحة، والتنمية الاجتماعية، والمالية، والتخطيط، والبيئة، والتربية والتعليم، وتنمية الموارد البشرية، إلى جانب مؤسسات أخرى، والقطاعين التجاري والصناعي والمزارعين.
هذا التداخل يعكس حقيقة أن الأمن الغذائي لا يمكن أن تحققه وزارة واحدة؛ فالمياه تحدد سقف الإنتاج الزراعي، والطاقة والنقل يؤثران في تكلفة الغذاء، والسياسات التجارية تحدد مصادر الاستيراد، والدعم والحماية الاجتماعية يحددان قدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء، فيما تحدد الصناعة المحلية قدرة الاقتصاد على تحويل المواد الأولية إلى منتجات غذائية.
الاختبار المقبل
إلى هنا، فإن الاختبار المقبل للأردن لا يتعلق فقط بعدد أشهر المخزون، وإنما بمدى قدرته على بناء منظومة غذائية مرنة تستطيع التعامل مع أزمات طويلة، لا مع انقطاع مؤقت في الإمدادات.
ويكتسب هذا التحدي أهمية إضافية في ظل تغير المناخ، الذي يفرض ضغوطا متزايدة على الموارد المائية والزراعية، ولهذا تتجه السياسات الزراعية إلى استخدام تقنيات الزراعة الحديثة والزراعة الذكية وتحسين إدارة المياه، وهي توجهات أكدت وزارة الزراعة أهميتها في إطار رفع الإنتاج المحلي وتقليل الفجوة الغذائية.
وفي الوقت نفسه، يظل القطاع الخاص شريكا رئيسا في معادلة الأمن الغذائي، ليس فقط في استيراد وتخزين السلع، وإنما في الصناعات الغذائية وسلاسل التوريد.
وكانت غرفة صناعة الأردن أشارت، في اجتماع المجلس الأعلى للأمن الغذائي، إلى أن الصناعات الغذائية المحلية تغطي قرابة 65 % من احتياجات السوق المحلية.
وعليه، يمكن قراءة السياسة الحالية باعتبارها انتقالا تدريجيا من مفهوم “مخزون الطوارئ” إلى مفهوم أوسع يقوم على مرونة النظام الغذائي بأكمله.
فالاحتفاظ بمخزون مرتفع يمنح الدولة هامش أمان في مواجهة الصدمات قصيرة الأمد، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الإنتاج المحلي، ولا يعالج تحديات المياه والمناخ والأسعار، ولا يضمن وحده قدرة الأسر على تحمل تكلفة الغذاء.
وفي المرحلة المقبلة، سيكون معيار نجاح السياسة الغذائية أكثر ارتباطا بمؤشرات مثل زيادة الإنتاج المحلي من المحاصيل الإستراتيجية، وتحسين إنتاجية وحدة المياه، وخفض الفاقد والهدر، واستقرار أسعار السلع الأساسية، وتحسين قدرة الأسر الأقل دخلا على الوصول إلى غذاء صحي، إلى جانب استمرار تنويع مصادر الاستيراد.
وبذلك، فإن السؤال الذي يواجه الأردن ليس: هل لدينا غذاء يكفي لعدة أشهر؟ بل: هل نملك منظومة غذائية تستطيع الصمود أمام أزمة تمتد لأشهر أو سنوات؟ فإذا كان الجواب إيجابيا، عندها فقط يمكن القول إن الأمن الغذائي الأردني انتقل من إدارة المخزون إلى إدارة المستقبل.

