الرئيسية ⁠اقتصاداقتصاد إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات.. لماذا لم يصل إلى الانهيار؟

اقتصاد إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات.. لماذا لم يصل إلى الانهيار؟

من mk
A+A-
Reset

واجه الاقتصاد الإيراني ضغوطا متراكمة قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية، تمثلت في تراجع الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع التضخم وتدهور سعر صرف الريال، ما انعكس على مستوى معيشة الإيرانيين.

وزادت الحرب هذه الضغوط مع استهداف منشآت حيوية وفرض القوات الأميركية حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية، ما أثر في قدرة طهران على تصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية.

لكن هذه الضغوط، رغم استمرار الحرب لأكثر من 6 أشهر، لم تدفع الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار الكامل، في وقت تكثف فيه واشنطن ضغوطها الاقتصادية سعيا إلى إجبار طهران على تغيير سياساتها.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ما وصفها بعملية “إنزال اقتصادي” تستهدف إيران، مؤكدا تشديد العقوبات بشكل مستمر إلى حين تغيير طهران سياساتها.

وتبقى قدرة هذه الاستراتيجية على دفع الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار “سؤالا مفتوحا”، في ظل خبرة طهران الطويلة في التعامل مع العقوبات الأميركية وامتلاكها قنوات تجارية ومالية بديلة.

خسائر اقتصادية كبيرة

تسببت الضربات الأميركية الإسرائيلية على مؤسسات حيوية في إيران، بينها مصانع ومستودعات للطاقة ومنشآت للبنية الأساسية، بخسائر اقتصادية قدرت بنحو 270 مليار دولار حتى نيسان الماضي، وفقا لما نقلته بلومبيرغ عن بيانات الحكومة الإيرانية.

كما أدى الحصار الأميركي للموانئ إلى تراجع قدرة إيران على تصدير النفط. وبحلول منتصف آب الماضي، كان ما لا يقل عن 41 مليون برميل من الخام الإيراني عالقا على متن ناقلات داخل الخليج، وفقا لبيانات شركة “كبلر”.

ومع تراجع صادرات النفط والغاز ونقص الدولار في السوق، هبط سعر صرف الريال الإيراني إلى أدنى مستوى له، إذ بلغ نحو 2.2 مليون ريال مقابل الدولار في السوق غير الرسمية.

وارتفع التضخم السنوي إلى 87.9%، ما دفع كثيرا من الأسر الإيرانية إلى الاقتراض لتوفير احتياجاتها الأساسية، بحسب بلومبيرغ.

كما تواجه إيران نقصا متزايدا في الوقود في ظل القيود على الموانئ، فيما أقرت صحيفة “همشهري” الحكومية بوجود طوابير طويلة أمام محطات الوقود في طهران، وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار.

وتوقع صندوق النقد الدولي في تموز الماضي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% على الأقل خلال العام الحالي، وهي من أعلى نسب الانكماش التي يشهدها الاقتصاد الإيراني منذ عقود.

وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران نحو 363 مليار دولار عام 2025، وفقا لبيانات البنك الدولي.

الصين.. منفذ رئيس للاقتصاد الإيراني

في مواجهة هذه الضغوط، تؤدي الصين دورا محوريا في إبقاء قنوات التجارة الإيرانية مفتوحة، خصوصا في قطاع النفط.

وتعد بكين أكبر مستورد للخام الإيراني، إذ تشتري نحو 90% من صادرات إيران النفطية، ما يجعل السوق الصينية منفذا رئيسا للإيرادات الإيرانية.

وقال رئيس قسم تحليل النفط الخام في شركة “كبلر” همايون فلكشاهي، لبلومبيرغ، إن الإيرادات المالية لإيران تصل عادة بعد شهر أو شهرين من تفريغ الشحنات في الموانئ الصينية.

ولا تشتري شركات تكرير النفط الصينية المملوكة للدولة الخام الإيراني، لكن المصافي الخاصة تواصل شراءه، فيما تعتمد شركات إيرانية على بنوك في الصين لشراء السلع والمنتجات الصينية.

وتتم عمليات تحويل الأموال عبر شبكات مالية معقدة، تساعد طهران على مواصلة تجارتها رغم العقوبات.

ويرى اقتصاديون أن العقوبات الإضافية التي فرضها بيسنت ستزيد “الألم الاقتصادي” لإيران، لكنها لن تكون كافية لخنق اقتصادها ما دامت واشنطن تتجنب استهداف الصين بالعقوبات نفسها، خشية رد فعل بكين.

“اقتصاد المقاومة”

وبالتوازي مع ذلك، تعمل إيران على تنويع طرق تجارتها بعيدا عن الموانئ الواقعة على مضيق هرمز، مستفيدة من الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية التي تربطها بالدول المجاورة، إضافة إلى موانئها الشمالية المطلة على بحر قزوين.

وتندرج هذه الإجراءات ضمن ما تسميه طهران “اقتصاد المقاومة”، الذي يهدف إلى تقليل الاعتماد على الغرب، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع العلاقات التجارية مع دول الجوار.

وقال علي واعظ، رئيس مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن الوضع الاقتصادي “سيئ”، لكنه لا يمثل نوعا من الضغوط التي تؤدي إلى انهيار اقتصادي.

وأضاف أن دفع الاقتصاد الإيراني إلى حافة الانهيار أمر شبه مستحيل، بسبب اتساع البلاد وخبرتها الطويلة في الالتفاف على العقوبات، فضلا عن صعوبة فرض حصار كامل عليها.

دعم من دول منظمة شنغهاي

ولا يقتصر الدعم الذي تتلقاه طهران على الصين، إذ تسعى إيران إلى الاستفادة من علاقاتها مع دول منظمة شنغهاي للتعاون، إلى جانب روسيا والهند وباكستان.

وخلال اجتماع المنظمة في بشكيك، عاصمة قرغيزستان، تلقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تأكيدات من عدد من القادة بشأن أهمية تطوير العلاقات الاقتصادية مع طهران، بينهم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.

كما دعا الرئيس الأذري إلهام علييف إلى تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي مع إيران، فيما عرض رئيس قرغيزستان صدر جباروف على طهران الاستثمار في مصفاة للنفط في بلاده.

وخلال لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش اجتماعات منظمة شنغهاي، قال بزشكيان إن مشاركة إيران في المنظمة ومجموعة “بريكس” تهدف إلى مواجهة ما وصفها بالسياسات الأحادية.

من جهته، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ إن الاتجاه نحو عالم متعدد الأقطاب “لا رجعة فيه”، داعيا إلى نظام عالمي يقوم على المساواة بين الدول واحترام السيادة والحوار والتشاور والتعاون.

ورغم عدم الإعلان عن اتفاقيات مع طهران خلال قمة منظمة شنغهاي، فإن استمرار العلاقات التجارية مع الصين ودول الجوار يوفر لإيران منافذ إضافية لمواجهة الضغوط الأميركية.

مضيق هرمز.. كلفة تتجاوز إيران

وفي المقابل، يضيف التصعيد العسكري في مضيق هرمز بعدا جديدا إلى الأزمة الاقتصادية.

وتهدد طهران باستهداف منشآت النفط والغاز في الخليج إذا استمرت الحرب، فيما تتعرض نواقل نفط في المضيق لتفجيرات قالت؛ إيران إنها ناجمة عن ألغام بحرية زرعها الحرس الثوري.

وأدى اضطراب حركة الملاحة إلى ارتفاع أسعار النفط، إذ تجاوز خام برنت 95 دولارا للبرميل قبل أن يتراجع لاحقا، ما يرفع الكلفة الاقتصادية للحرب على المستهلكين والاقتصادات في الولايات المتحدة وأوروبا أيضا.

وتشير هذه التطورات إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطا شديدة تشمل تراجع العملة وارتفاع التضخم وانكماش النشاط الاقتصادي وتضرر صادرات النفط، لكن طهران ما تزال تمتلك أدوات لتخفيف أثر العقوبات والحصار.

وتتمثل أبرز هذه الأدوات في استمرار صادرات النفط إلى الصين، والحفاظ على قنوات تجارية مع دول الجوار، واستخدام طرق برية وبحرية بديلة، وهو ما يجعل دفع الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار الكامل أكثر تعقيدا، رغم ارتفاع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للحرب.

شاهد ايضا

Focus Mode