الرئيسية رئيسيخطاب العرش.. من صلابة الدولة إلى استحقاق الإنجاز

خطاب العرش.. من صلابة الدولة إلى استحقاق الإنجاز

من mk
0 مشاهدة
A+A-
Reset

عمان- لم يكن خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني، أمس، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد استعراض للأولويات الوطنية أو تجديد للمواقف الأردنية تجاه قضايا الإقليم، بل جاء أقرب إلى مراجعة سياسية شاملة لمفهوم قوة الدولة، وشروط صمودها، والمسؤوليات التي ينبغي أن تترتب على امتلاكها عناصر القوة.

ففي خطاب الملك تتقدم تداعيات حادثة الكرك الأمنية، وتتداخل فيه حماية السيادة مع الدفاع عن القضية الفلسطينية، وتبرز فيه قضايا المياه والتنمية والعدالة وسيادة القانون، فيما تتضح رؤية أمن الأردن واستقراره وقدرته في مواجهة الأزمات وهي التي ليست نتاج قوة عسكرية أو تماسك اجتماعي وحدهما، بل حصيلة منظومة متكاملة من المؤسسات والحقوق والواجبات والقدرة على الإنجاز.
ولعل أبرز ما يمنح الخطاب الملكي أهميته أنه لا يكتفي بتأكيد عناصر القوة الأردنية، وإنما يربطها بمسؤوليات مباشرة تقع على عاتق الحكومة والبرلمان ومؤسسات الدولة، ويضع مصلحة المواطن في قلب معادلة الأمن والتنمية، ويعيد جلالة الملك التأكيد أن قوة الدولة لا تكتمل إلا حين يشعر الأردني بأثرها في حياته اليومية.
من حادثة الكرك إلى معادلة الأمن الوطني
وفيما افتتح الخطاب رسائله السياسية والأمنية باستحضار حادثة الكرك الأخيرة، والتأكيد أن الإرهاب لن يتمكن من المساس بأمن الأردن ووحدته، وأن دماء الشهداء ستظل عهدًا في أعناق الأردنيين، ولم يكن مجرد تعبير عن التضامن مع الضحايا، بل حمل دلالة التحدي الذي تواجهه الدولة، وبالطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها معه.
ففي اللحظات التي يتعرض فيها المجتمع الأردني لاعتداءات إرهابية، لا يكون الهدف الأمني مقتصرًا على ملاحقة مرتكبيها، بل يمتد إلى منع تحويل الحادثة إلى مصدر للخوف أو الانقسام أو فقدان الثقة بالمؤسسات.
من هنا، فإن تأكيد جلالة الملك على حماية أمن الوطن ووحدته يضع المواجهة الأمنية في إطار أوسع من مجرد التعامل مع الجريمة؛ يقوم على حماية المجتمع من التداعيات التي قد تسعى الجماعات المتطرفة الإرهابية إلى إنتاجها عبر العنف.
لكن هذه الرسالة تطرح في الوقت نفسه استحقاقًا مؤسسيًا لا يقل أهمية عن الاستجابة الأمنية، يتمثل في أهمية مراجعة الثغرات التي تسمح بوقوع الاعتداءات، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة المعنية، وتطوير قدرات الرصد والاستباق، بما يضمن أن تتحول التجارب الأمنية الصعبة إلى دروس عملية ترفع مستوى الجاهزية.
ولعل نجاح الدولة في مواجهة الإرهاب لا يُقاس فقط بسرعة التعامل مع الحادثة أو ملاحقة المتورطين فيها، بل بقدرتها على تقليص احتمالات تكرارها، وحماية المجتمع من آثارها، وتعزيز ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات التي تتولى أمنهم.
وهنا تبرز أهمية الربط الذي أقامه الخطاب الملكي بين صلابة الدولة وعزيمة الشعب، فالأمن ليس مسؤولية الأجهزة العسكرية والأمنية وحدها، وإنما منظومة تتكامل فيها كفاءة المؤسسات مع وعي المجتمع وتماسكه، في إطار يحفظ القانون والحقوق ويمنع الخوف من التحول إلى أداة لتفكيك الوحدة الوطنية.
الجيش والشعب.. مصدران متكاملان للقوة الأردنية
إجمالًا عندما يؤكد الخطاب الملكي أن الأردن يحميه جيشه العربي وأجهزته الأمنية، ثم يقرر أن قوة الأردن تكمن في شعبه، فإنه يقدم حالة تكاملية للأمن الوطني، بحيث لا يفصل القدرة العسكرية عن البيئة الاجتماعية التي تستند إليها الدولة.
فالجيش يمثل الدرع الذي يحمي السيادة والحدود، ويمنح الدولة القدرة على مواجهة التهديدات الخارجية، بينما يشكل الشعب عمقها الوطني ومصدر قوتها في مواجهة الضغوط والأزمات.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من حروب وصراعات وتغيرات متسارعة، إذ لم تعد التهديدات الأمنية محصورة في المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى محاولات التسلل والتهريب والإرهاب والضغوط الاقتصادية والإنسانية.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح الجاهزية العسكرية ضرورة إستراتيجية، لكنها لا تكفي وحدها لضمان استقرار الدولة، فالقوة المسلحة تحتاج إلى مجتمع متماسك، ومؤسسات مدنية قادرة على أداء وظائفها، وسياسات اقتصادية واجتماعية تحمي المواطنين من آثار الأزمات.
وبذلك، فإن الرهان على الشعب الأردني لا ينفصل عن ضرورة الاستثمار في الإنسان، وتحسين مستوى معيشته، وتوسيع فرصه، وتعزيز مشاركته في الحياة العامة، فالمجتمع ليس مجرد حاضنة للأمن الوطني، بل شريك في صناعته واستدامته.
الثوابت الوطنية.. وضوح الموقف في إقليم مضطرب
يؤكد الخطاب الملكي أن الأردن سيبقى متمسكًا بعروبته ودفاعه عن قضايا أمته، وأنه لا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة من دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه.
وتنبع أهمية الموقف الأردني ليس فقط من التضامن السياسي، بل يرتبط بمحددات إستراتيجية تمس الأمن الوطني، وفي مقدمتها رفض التهجير، وحماية الحقوق الفلسطينية، والحفاظ على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
فالتطورات المتصلة بالقضية الفلسطينية لا تقع خارج الحسابات الأردنية، بل تتصل مباشرة بمستقبل المنطقة واستقرارها، وبما يمكن أن تفرضه محاولات تصفية القضية أو تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي من تداعيات على الأردن.
من هنا، فإن تمسك الأردن بالحقوق الفلسطينية يمثل جزءًا من رؤيته لحماية مصالحه الوطنية، مثلما يؤكد التزامه التاريخي والقومي تجاه الشعب الفلسطيني.
ويذهب الخطاب الملكي إلى أبعد من ذلك فقد يربط بين غياب العدالة واستمرار انعدام الاستقرار، ويشير إلى أن الاعتقاد بإمكان فرض الشرعية بالقوة أو محو الحقيقة بمرور الزمن هو اعتقاد واهم.
وتحمل هذه الرسالة دلالة سياسية، مفادها أن إدارة الصراع لا يمكن أن تقوم على تجاهل الحقوق أو فرض الوقائع بالقوة، وأن أي تسوية لا تعالج جذور الأزمة ستظل عاجزة عن إنتاج سلام مستدام.
وفي الوقت نفسه، فإن ثبات الموقف الأردني لا يعني الجمود في أدوات السياسة الخارجية، بل القدرة على التحرك الدبلوماسي وتوسيع العلاقات والتحالفات، مع الحفاظ على المصالح الوطنية والثوابت التي لا تقبل المساومة.
البرلمان والحكومة.. من الخطاب السياسي إلى المساءلة
يقدم الخطاب الملكي قراءة مهمة لدور مجلس الأمة، حين يؤكد أنه ركن أساس في الحياة السياسية، وأن الأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها، وأن المجلس ينبغي أن يكون صوتًا للوطن وحارسًا للمصلحة العامة ورقيبًا على الأداء الحكومي.
ولا تقف أهمية هذه الرسائل عند حدود التأكيد على الدور الدستوري للبرلمان، بل تتصل بضرورة الانتقال من ممارسة العمل النيابي بوصفه نشاطًا تشريعيًا إلى تفعيله باعتباره أداة للمساءلة والرقابة على أداء الحكومة.
فالبرلمان لا يكتسب شرعيته من عدد القوانين التي يقرها وحدها، بل من قدرته على ضمان جودة التشريع، ومتابعة تنفيذ السياسات العامة، ومساءلة المسؤولين عن نتائجها، وحماية المصلحة العامة من التجاوزات أو الإخفاقات.
تأكيد الملك في خطابه يشير إلى أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن المجلس من قوانين فقط، بل إلى ما يصدر عنه من سلوك وخطاب.
من هنا، فإن دعوة الخطاب إلى اعتبار اختلاف الرأي مصدر قوة، ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية، تحمل رسالة تتصل بضرورة ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على التعددية والحوار والتنافس المسؤول.
وفي المقابل، فإن توجيه الخطاب الملكي إلى الحكومة بتسريع إنجاز المشاريع الكبرى، والتأكيد على أن مصلحة المواطن يجب أن تكون في صلب كل قرار، يضع الأداء التنفيذي أمام مسؤولية واضحة تتجاوز إعلان الخطط إلى تحقيق النتائج.
التنمية الحقيقية.. حين تصبح مصلحة المواطن معيارًا للأداء
لعل أكثر الرسائل وضوحًا في الخطاب الملكي التأكيد على أن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه.
وتحمل هذه العبارة تحولًا مهمًا في معيار تقييم السياسات العامة، من التركيز على حجم المشاريع أو قيمة الاستثمارات إلى قياس أثرها المباشر في حياة الناس.
فالمشاريع الكبرى تكتسب أهميتها من قدرتها على تعزيز الاقتصاد الوطني ورفع تنافسيته وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى الخدمات، وليس من حجمها أو كلفتها وحدهما.
من هنا، فإن دعوة الحكومة إلى تسريع إنجاز المشاريع الكبرى ينبغي أن تقترن بضرورة الالتزام بالجداول الزمنية، وضمان جودة التنفيذ، وتحقيق أعلى عائد اقتصادي واجتماعي ممكن، مع تعزيز الشفافية في متابعة مراحل الإنجاز.
كما أن نجاح التحديث الاقتصادي لا يتوقف على إطلاق المشاريع الإستراتيجية، بل يحتاج إلى بيئة اقتصادية قادرة على تمكين القطاع الخاص، وتوسيع فرص الاستثمار، وتحسين كفاءة سوق العمل، وتوفير فرص أكثر عدالة للشباب.
وهنا تبرز أهمية الربط بين المشاريع الكبرى والتنمية التي يلمسها المواطن. فالمشروع الذي لا ينعكس على فرص العمل أو مستوى الخدمات أو قدرة الاقتصاد على النمو، يبقى أثره محدودًا مهما بلغت أهميته الإستراتيجية.
بذلك، فإن الخطاب لا يكتفي بتأكيد ضرورة التنمية، بل يضع أمام الحكومة معيارًا واضحًا للحكم على نجاحها، مقدار ما تحققه من تحسن ملموس في حياة الأردنيين.
لكن هذا المبدأ لا يكتمل بمجرد إعلانه، وإنما يحتاج إلى إجراءات مؤسسية واضحة تضمن النزاهة والشفافية، وتعزز استقلال الرقابة، وتحمي حق المواطنين في الحصول على المعلومات، وتضمن محاسبة المسؤولين عن التجاوزات والإخفاقات.
خطاب يضع القوة أمام اختبار الإنجاز
يقدم خطاب العرش معادلة متكاملة لقوة الأردن، تقوم على حماية السيادة، وتعزيز التماسك الوطني، والتمسك بالثوابت، وتفعيل دور البرلمان، وتحسين الأداء الحكومي، وترسيخ سيادة القانون، وحماية الموارد الوطنية.
لكن القيمة الأعمق للخطاب تكمن في أنه لا يتعامل مع هذه الأولويات بوصفها ملفات منفصلة، بل يربطها جميعًا بمصلحة المواطن وقدرة الدولة على مواجهة الأزمات والاستعداد للمستقبل.
فالجيش القوي يحتاج إلى مجتمع متماسك، والمجتمع المتماسك يحتاج إلى مؤسسات عادلة وكفؤة، والثوابت الوطنية تحتاج إلى سياسات قادرة على حمايتها، والتنمية تحتاج إلى إدارة عامة نزيهة وفعالة، فيما يحتاج الأمن الوطني إلى اقتصاد قادر على الاحتمال وموارد مستدامة.
وهنا تكمن الرسالة الأبرز في خطاب العرش، أن الأردن يمتلك عناصر قوة راسخة، لكن الحفاظ عليها وتعزيزها يتطلبان عملًا مؤسسيًا متواصلًا، يربط بين الأمن والتنمية، وبين السيادة والعدالة، وبين قوة الدولة وكرامة المواطن.

شاهد ايضا

Focus Mode