عمان- تفرض التحولات في سياسات الإنفاق والتعاون الدولي تحديات جديدة أمام الأردن، لكنها تتيح في الوقت ذاته فرصة لإعادة توجيه الشراكات التنموية نحو أولويات اقتصادية أكثر ارتباطا بالإنتاج والاستثمار والتشغيل، في ظل تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية عالميا بنسبة 23.1 % بالقيمة الحقيقية خلال عام 2025.
ويضع هذا الواقع كفاءة استقطاب التمويل وتوظيفه في صلب الجهود الرامية إلى تعزيز مسار التحديث الاقتصادي، بما يتطلب تنويع أدوات التمويل وتطوير مشروعات قادرة على جذب الشركاء والاستثمارات وتحقيق أثر تنموي مستدام، دون الإخلال بالاستدامة المالية.
وأكد خبراء اقتصاديون أن التغيرات في توجهات المانحين تستدعي تطوير آليات التعاون التنموي وعدم حصر الخيارات في المنح التقليدية، بل توسيع الاستفادة من التمويل الميسر والضمانات والاستثمار المشترك والشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع مراعاة طبيعة كل مشروع وقدرته على تحقيق عوائد اقتصادية وتنموية.
وبينوا أن استقطاب التمويل يرتبط بمدى جاهزية المشروعات الوطنية ووضوح جدواها، ما يستدعي إعداد محفظة من المشروعات ذات الأولوية تستند إلى دراسات جدوى وتقييم للمخاطر ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وتنسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي واهتمامات الشركاء الدوليين، لا سيما في قطاعات المياه والطاقة النظيفة والصناعة والتحول الرقمي والتشغيل.
ولفتوا إلى أهمية توجيه الموارد نحو مشروعات تعزز الإنتاجية والصادرات، وتخفض كلف الإنتاج، وتوفر فرص عمل مستدامة، مؤكدين في المقابل ضرورة الحفاظ على المنح المخصصة للخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية، وعدم اللجوء إلى القروض بديلا عن المنح دون تقييم آثارها على المديونية والقدرة على السداد.
وأشاروا إلى أن علاقات الأردن الدولية ومصداقيته لدى الشركاء تمثلان ركيزة يمكن البناء عليها لتوسيع التعاون، إلا أن تحويل هذه الميزة إلى نتائج ملموسة يتطلب تنسيقا مؤسسيا أكثر فاعلية، وتبسيط الإجراءات، وتوفير بيانات موثوقة لمتابعة تنفيذ المشروعات وتقييم أثرها.
وفي الأثناء، تتجه المساعدات الإنمائية الرسمية عالميا إلى تسجيل تراجع للعام الثالث على التوالي، إذ تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاضها بنسبة 6.9 % خلال عام 2026، لتبلغ نحو 152 مليار دولار وفق الأسعار الثابتة لعام 2024، وهو أدنى مستوى منذ عام 2014، بعد انكماشها بنسبة 23.3 % خلال عام 2025.
ويأتي هذا التراجع في ظل تحولات في أولويات الإنفاق لدى الدول المانحة، وسط توقعات بانخفاض التمويل الموجه إلى القطاعات الصحية والإنسانية والدول الأقل نموا.
وعلى الصعيد الوطني، لم تنشر تحديثات إحصائية رسمية شاملة عن حجم المساعدات الخارجية المقدمة للأردن منذ المعطيات التي أعلنتها وزارة التخطيط والتعاون الدولي بشأن الفترة الممتدة من كانون الثاني وحتى نهاية تموز 2024، والتي أظهرت بلوغ قيمة المنح والقروض الميسرة الملتزم بها والموقعة نحو 1.465 مليار دينار.
وفي نهاية تشرين الأول 2025، كشف تقرير أعمال الحكومة “عام من العمل” عن بلوغ إجمالي المساعدات الخارجية من المنح والقروض الميسرة الملتزم بها والموقعة خلال الفترة من أيلول 2024 وحتى نهاية أيلول 2025 نحو 5 مليارات دولار، دون أن تتوافر لاحقا بيانات إحصائية رسمية جديدة توضح تطورات إجمالي هذه المساعدات.
وكان تحليل سابق لـ”الغد” قد أظهر تجاوز إجمالي المنح والمساعدات التي حصل عليها الأردن خلال الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2023 حاجز 35 مليار دولار.
الربضي: التمويل المدمج يفتح المجال أمام استثمارات جديدة
ويرى وزير التخطيط الأسبق وسام الربضي أن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم تنعكس على الموارد المتاحة وأولويات تخصيصها، بما يؤثر في المساعدات المقدمة للدول المستفيدة، الأمر الذي يستدعي التعامل مع هذه المتغيرات من خلال تطوير آليات التعاون التنموي وتحسين توظيف التمويلات المتاحة.
وأكد الربضي أهمية الانتقال نحو نماذج تمويلية أكثر تنوعا، تتيح الاستفادة من الموارد المتاحة في استقطاب استثمارات القطاع الخاص والمساهمة في تمويل المشروعات التنموية، مشيرا إلى أهمية التمويل المدمج الذي يجمع بين المنح والتمويل الميسر والاستثمارات، بما يساعد على الحد من المخاطر التي قد تواجه المستثمرين ويشجعهم على المشاركة في تنفيذ المشروعات.
وأوضح أن هذا النهج يمكن توظيفه في مشروعات تتطلب تمويلات كبيرة، مثل مشروعات الصرف الصحي، من خلال تصميم آليات تمويل تتيح توزيع المخاطر بصورة مناسبة، وتوفر حوافز أكبر لمشاركة القطاع الخاص، بما يعزز تنوع مصادر التمويل ويحد من الاعتماد على المنح التقليدية وحدها.
وفيما يتعلق بقدرة الأردن على الحفاظ على تدفقات المساعدات في ظل التغيرات الدولية، أشار الربضي إلى أهمية الدبلوماسية الأردنية والعلاقات التي تربط المملكة بشركائها الدوليين، لافتا إلى دور جلالة الملك في تعزيز مكانة الأردن على المستوى الدولي، وما يتمتع به من مصداقية في علاقاته والتزاماته مع الشركاء.
وأضاف أن تراجع المساعدات على المستوى العالمي لا يعني بالضرورة انقطاعها عن الأردن، في ظل استمرار العلاقات والشراكات الدولية، مؤكدا أهمية الاستفادة من التمويلات المتاحة بكفاءة أكبر، وتعزيز قدرتها على تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرجوة، بالتوازي مع العمل على استقطاب استثمارات جديدة.
وفي سياق متصل، تناول الربضي أهمية مؤتمر الاستثمار الأوروبي المرتقب في تعزيز فرص الاستثمار والشراكات الاقتصادية، مشددا على ضرورة التعامل مع المنح والتمويل الميسر والاستثمارات باعتبارها أدوات متكاملة ضمن منظومة التمويل التنموي، بما يتيح للأردن توسيع قاعدة موارده وتعزيز قدرته على تمويل أولوياته الاقتصادية والتنموية.
بدران: إعداد محفظة مشروعات جاهزة يعزز فرص التمويل
وأكدت ريم بدران، عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني، أن الأردن يمتلك فرصا لتعزيز شراكاته التنموية وتطوير أدوات تعامله مع التحولات في المساعدات الإنمائية الدولية، من خلال البناء على أولوياته الاقتصادية وتوسيع مجالات التعاون مع الشركاء الدوليين، بما يعزز الاستفادة من الموارد المتاحة ويوجهها نحو مشروعات تحقق أثرا اقتصاديا واجتماعيا مستداما.
وقالت بدران إن التوافق بين الأولويات الوطنية واهتمامات الشركاء الدوليين يشكل قاعدة مهمة لتوسيع فرص التمويل، لا سيما في قطاعات الصناعة والتصدير والطاقة النظيفة والمياه والاقتصاد الرقمي والتشغيل، التي تتقاطع مع عدد من مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي وإطار الشراكة مع البنك الدولي في الأردن.
وأشارت إلى أن تعظيم الاستفادة من هذا التقاطع يتطلب تطوير مشروعات جاهزة للتنفيذ، تستند إلى دراسات جدوى واضحة، ومخاطر مدروسة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، إلى جانب تصميم نماذج تمويل تتناسب مع طبيعة كل قطاع واحتياجاته، بما يتيح توجيه الموارد بكفاءة أكبر، مع استمرار الاهتمام بتمويل الخدمات العامة التي لا تقوم على الربحية التجارية وحدها.
وفيما يتعلق بتوسيع الخيارات التمويلية، أوضحت بدران أهمية الجمع بين المنح والتمويل الميسر والضمانات والاستثمار المشترك والشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يتيح توظيف مزايا كل أداة في دعم المشروعات التنموية واستقطاب استثمارات إضافية. فالمنح، بحسبها، يمكن أن تسهم في تمويل الدراسات والمنافع العامة وبناء القدرات، فيما تساعد الضمانات والتمويل المختلط على تشجيع مشاركة القطاع الخاص في المشروعات المؤهلة من خلال الحد من المخاطر المرتبطة بها.
وأكدت أن تنويع مصادر التمويل ينبغي أن يراعي طبيعة المشروعات وقدرتها على تحقيق عوائد تنموية واقتصادية، مع الحفاظ على التوازن بين احتياجات التنمية والاستدامة المالية، وعدم اللجوء إلى القروض بدلا من المنح دون تقييم القدرة على السداد. وشددت على أن الأثر التنموي والقيمة المضافة والتكلفة الكلية للمخاطر يجب أن تكون في مقدمة معايير اختيار أدوات التمويل.
وفي هذا السياق، لفتت بدران إلى أهمية إعداد محفظة وطنية للمشروعات ذات الأولوية، تتضمن دراسات الجدوى والاحتياجات التمويلية والمخاطر والعوائد المتوقعة، وتصنيف المشروعات بحسب قابليتها للاستثمار التجاري أو حاجتها إلى التمويل الميسر أو التمويل المختلط، بما يساعد على تحديد الأداة التمويلية الأنسب لكل مشروع.
وأضافت أن إعطاء الأولوية للمشروعات التي تعزز الإنتاجية والصادرات، وتوفر فرص عمل مستدامة، وتوسع مشاركة القطاع الخاص، من شأنه أن يربط التمويل بصورة أوثق بالأولويات الاقتصادية الوطنية، ويسهم في معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد. كما أكدت أهمية اعتماد مؤشرات أداء واضحة ومتابعة التنفيذ بشفافية، لضمان توجيه التمويل نحو نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين وقدرة الاقتصاد على النمو.
وخلصت بدران إلى أن التحولات في المساعدات الإنمائية الدولية تستدعي تطوير أساليب بناء الشراكات التنموية، مع إتاحة المجال أمام الأردن لتعزيز تنوع أدوات التمويل، وتوسيع فرص التعاون والاستثمار، وربط الموارد المتاحة بمشروعات أكثر ارتباطا بالإنتاج والتشغيل والنمو الاقتصادي.
عوض: تنويع الشركاء والتمويل يعزز القدرة على مواجهة التراجع
من جانبه، أكد مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية في الأردن، أحمد عوض، أن التحولات في أولويات الإنفاق لدى الدول المانحة تفرض على الأردن تطوير مقاربته للتعاون التنموي، بما يراعي الضغوط المالية وتصاعد الإنفاق الدفاعي وتزايد ارتباط التمويل بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية للدول الممولة.
وأشار إلى أن تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 23.1 % بالقيمة الحقيقية خلال عام 2025، وفق البيانات الأولية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يعكس تحولا في بيئة التمويل الدولي، يستدعي التعامل معه من خلال خطط واقعية تأخذ في الاعتبار احتمالات استمرار التراجع، لا افتراض استقرار المساعدات عند مستوياتها السابقة. كما أن التحذيرات من تقلص الموارد المتاحة لمواجهة التحديات الاقتصادية والتنموية تعزز أهمية الاستعداد لهذه المتغيرات وتنويع خيارات التمويل.
وأوضح عوض أن الأردن، رغم أهمية موقعه الإقليمي وشبكة شراكاته الدولية، يحتاج إلى تعزيز قدرته على إدارة التعاون التنموي وفق سيناريوهات متعددة، وتنويع الشركاء، والسعي إلى اتفاقيات تمويل متعددة السنوات، مع التمييز بين التعهدات المالية والمبالغ المصروفة فعليا، وبين المنح والقروض والاستثمارات، لضمان وضوح الالتزامات وتقدير الموارد المتاحة بصورة دقيقة.
ولفت إلى أن التحولات الدولية تتيح في الوقت ذاته فرصا لتوسيع الشراكات في المجالات التي تتقاطع فيها أولويات التحديث الاقتصادي مع اهتمامات الشركاء الدوليين، وفي مقدمتها الأمن المائي والطاقة النظيفة والتحول الرقمي وتنمية المهارات والتشغيل. وبين أن تحويل هذه الفرص إلى نتائج اقتصادية يتطلب تطوير مشروعات ناضجة تستند إلى دراسات جدوى موثوقة، وتستجيب لاحتياجات الاقتصاد الأردني، وتسهم في رفع الإنتاجية وزيادة الصادرات وتعزيز القيمة المضافة المحلية.
وأكد أهمية تنويع أدوات التمويل من خلال الاستفادة من التمويل الميسر والاستثمار المشترك والضمانات والتمويل المناخي، مع اختيار الأداة الأنسب لطبيعة كل مشروع، وتقييم تكلفتها ومخاطرها والتزاماتها المستقبلية. وشدد على أن تقليل الاعتماد على المنح يجب أن يرتبط بتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الإنتاج وتوليد الموارد، وليس بمجرد استبدال المنح بالقروض أو الضمانات التي قد تنقل أعباء إضافية إلى الخزينة العامة والمواطنين.
وأضاف أن المنح تظل أداة مهمة في تمويل الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية، إلى جانب الإسهام في تقاسم الأعباء المرتبطة باستضافة اللاجئين، الأمر الذي يجعل الحفاظ على هذا النوع من الدعم ضمن أولويات الحوار التنموي مع الشركاء الدوليين.
وفي سياق تحديد الأولويات، دعا عوض إلى توجيه التمويل نحو المشروعات التي تخفض كلف الإنتاج والنقل والمياه والطاقة، وتعزز ارتباط المنشآت المحلية بسلاسل التوريد، وتوفر فرصا اقتصادية في المحافظات، بما يوسع قاعدة النشاط الاقتصادي ويعزز استفادة مختلف المناطق من ثمار التنمية. وأشار إلى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تحسين التنسيق بين المؤسسات، وتبسيط الإجراءات، وتوفير بيانات موثوقة للشركاء، وتعزيز الشفافية والرقابة العامة على خيارات التمويل وأوجه إنفاقه.
وشدد على أن نجاح الشراكات التنموية ينبغي أن يقاس بنتائجها الفعلية على الاقتصاد والمجتمع، وفي مقدمتها توفير فرص عمل مستقرة بأجور مناسبة، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتحسين جودة الخدمات العامة. وأكد أن ربط اتفاقيات التمويل بمؤشرات أداء معلنة وإخضاعها لتقييم مستقل من شأنه تعزيز كفاءة استخدام الموارد، ورفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد الأردني، وتقليص حاجته المستقبلية إلى المساعدات.
“الغد”

