عمّان – يفتح التحول في قطاع الطاقة الأردني آفاقاً جديدة أمام سوق العمل، مع توسع مشاريع الطاقة المتجددة وتزايد الاهتمام بمصادر الطاقة المحلية والتقنيات الحديثة، في وقت تتجه فيه احتياجات الشركات نحو كفاءات متخصصة في الهندسة والتشغيل والصيانة وتخزين الكهرباء وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.
ولا تقتصر فرص التشغيل المرتبطة بهذا التحول على الوظائف المباشرة التي توفرها مشاريع الطاقة خلال مراحل الإنشاء والتشغيل، بل تمتد إلى قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات، من خلال إمكانية خفض كلف الطاقة وتعزيز تنافسية المنشآت وتحفيز الاستثمارات الجديدة.
غير أن تحويل هذه الفرص إلى وظائف مستدامة يتطلب، وفق خبراء اقتصاديين ومتخصصين في قطاع الطاقة، مواءمة مخرجات التعليم والتدريب مع احتياجات السوق الفعلية، وتوسيع التدريب العملي، وربط الحوافز الاستثمارية بمؤشرات واضحة للتشغيل ونقل المعرفة إلى الكفاءات الأردنية.
27 % مساهمة الطاقة المتجددة.. ماذا تعني لسوق العمل؟
قال الخبير الاقتصادي منير دية إن التحول في قطاع الطاقة الأردني أسهم في إيجاد فرص عمل مباشرة للشباب، من خلال المشاريع العاملة في عدد من المجالات، إلى جانب الأنشطة المرتبطة بقطاع التعدين، ما عزز الحاجة إلى الكفاءات الهندسية والفنية والمهنية.
وأوضح أن توسع الشركات في مشاريع الطاقة المتجددة، ولا سيما محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، رفع الطلب على المهندسين والفنيين المتخصصين في تركيب الأنظمة وتشغيلها وصيانتها، وهي مجالات تتطلب مهارات تقنية متجددة تواكب التطور المستمر في تكنولوجيا الطاقة.
وأضاف، إن هذه التحولات تستدعي تطوير التخصصات الجامعية والبرامج التدريبية، بما يضمن تأهيل الشباب للوظائف التي تستحدثها المشاريع، ويقلص الفجوة بين المهارات التي يمتلكها الخريجون والمتطلبات الفنية التي تفرضها الشركات.
وفي مؤشر على حجم التحول الذي شهده القطاع، أشار الخبير في شؤون الطاقة الدكتور فراس بلاسمة إلى ارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة في خليط الكهرباء من نحو 0.5 % عام 2014 إلى قرابة 27 % في نهاية عام 2024.
وقال إن هذا التطور يعكس تغيراً مهماً في بنية قطاع الكهرباء، لكنه لا يعني بالضرورة ارتفاع أعداد الوظائف بالنسبة نفسها، ما يستدعي التمييز بين نمو الاستثمارات في الطاقة وعدد الوظائف التي توفرها فعلياً، فضلاً عن استدامتها ومستويات أجورها ومدى إسهامها في نقل المعرفة إلى العاملين الأردنيين.
من تركيب الألواح إلى الذكاء الاصطناعي.. خريطة الوظائف تتغير
لم تعد الوظائف المرتبطة بقطاع الطاقة تقتصر على الهندسة الكهربائية وتركيب الألواح الشمسية وأعمال الصيانة التقليدية، إذ بات التوسع في التقنيات الحديثة يفتح المجال أمام تخصصات أكثر تنوعاً، تشمل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني الصناعي والشبكات الذكية وتخزين الكهرباء والنقل الكهربائي.
وقال بلاسمة إن مشاريع الطاقة المتجددة أوجدت منظومة مهنية جديدة تشمل تصميم الأنظمة الشمسية وتحليل أدائها، والتنبؤ بإنتاج الطاقة، ودمج المصادر المتجددة مع الشبكات الكهربائية، إلى جانب التشغيل والصيانة المتقدمة المعتمدة على تحليل البيانات والصيانة التنبئية ومراقبة المحطات عن بُعد.
أما مشاريع الهيدروجين الأخضر، فتمثل، بحسب بلاسمة، فرصة صناعية على المدى الأطول، إذ يرتبط حجم الوظائف المحتملة فيها بتقدم المشاريع إلى مراحل الاستثمار والتنفيذ والتشغيل التجاري، وليس بمجرد الإعلان عن خططها وأهدافها.
وفي السياق ذاته، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان أن الطلب المستقبلي على العمالة مرشح للتوسع في ثلاثة مجالات مترابطة، هي تخزين الكهرباء وإدارة الشبكات الذكية ورفع كفاءة استخدام الطاقة في المصانع والمباني.
وأوضح أن التوسع في مصادر الطاقة المتجددة يزيد الحاجة إلى متخصصين في التنبؤ بالإنتاج والطلب، وبرمجة أنظمة التحكم، وصيانة البطاريات وإدارة الأحمال الكهربائية، فيما تتيح برامج كفاءة الطاقة فرصاً للمهندسين والفنيين القادرين على قياس الهدر وتطوير حلول تخفض استهلاك المنشآت وفواتيرها.
وأشار إلى أن الهيدروجين الأخضر قد يفتح بدوره المجال أمام وظائف متخصصة في التحليل الكهربائي للمياه والسلامة الصناعية والتحكم الكيميائي، لكن حجم هذه الفرص وتوقيتها سيظلان مرتبطين بمدى تقدم المشاريع إلى التنفيذ الفعلي.
الوظائف المؤقتة لا تكفي.. الرهان على فرص عمل مستدامة
في مقابل الفرص التي يتيحها التحول في الطاقة، يبرز تحدي قياس الأثر الحقيقي للاستثمارات على سوق العمل، خصوصاً أن احتياجات المشاريع خلال الإنشاء تختلف عن احتياجاتها في مراحل التشغيل والصيانة والإدارة.
وقال السرحان إن الوظائف التي تنشأ خلال إنشاء محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تختلف عن الوظائف الدائمة التي تتطلبها إدارة هذه المنشآت وتشغيلها وصيانتها، ما يجعل تقييم الأثر التشغيلي للاستثمارات بحاجة إلى مؤشرات تتجاوز العدد الإجمالي للعاملين خلال فترة الإنشاء.
ويتفق بلاسمة مع أهمية هذا التوجه، مشيراً إلى ضرورة قياس أثر مشاريع الطاقة سنوياً، من حيث عدد الوظائف الدائمة وحصة الأردنيين منها ومستويات الأجور، لضمان تحول الاستثمارات من منشآت ومعدات إلى فرص إنتاجية تسهم في التنمية الاقتصادية وتوفر مسارات مهنية طويلة الأجل للشباب.
وتبرز أهمية هذه المؤشرات في تحديد مدى قدرة المشاريع على تحقيق قيمة مضافة محلية، سواء من خلال التوظيف المباشر أو تطوير شركات الخدمات الهندسية والتكنولوجية الوطنية، بما يوسع دائرة المستفيدين من الاستثمارات.
وقال دية إن تعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية يمكن أن يسهم في خفض كلف الطاقة وتحسين بيئة الاستثمار، بما يتيح فرصاً للتوسع في الأنشطة الصناعية والزراعية والتجارية والخدمية.
وأوضح أن توفير الطاقة بكلف أقل، سواء في توليد الكهرباء أو من خلال إتاحة الغاز الطبيعي للمناطق الصناعية، من شأنه تشجيع الاستثمارات الجديدة وزيادة النشاط الاقتصادي، وهو ما قد ينعكس على توفير فرص عمل إضافية خارج قطاع الطاقة نفسه.
فجوة المهارات تعرقل الاستفادة الكاملة من الفرص
رغم امتلاك الأردن قاعدة من خريجي الهندسة وتكنولوجيا المعلومات والتخصصات التقنية، فإن الانتقال من التأهيل الأكاديمي إلى الجاهزية المهنية لا يزال يمثل تحدياً أمام الاستفادة الكاملة من الوظائف الجديدة.
وقال بلاسمة إن التحدي الأساسي يتمثل في مواءمة مهارات الخريجين مع الاحتياجات الفعلية للتكنولوجيا الحديثة، في ظل وجود فجوات بين العرض والطلب على المهارات الخضراء، خصوصاً في مجالات الكهرباء والطاقة.
ودعا إلى توسيع التدريب العملي داخل المشاريع، وتطوير برامج مهنية متخصصة ترتبط باحتياجات الشركات، وربط التدريب بالتشغيل، إلى جانب تشجيع الاستثمار في شركات الخدمات الهندسية والتكنولوجية الوطنية.
كما دعا إلى الاستفادة من نظام معلومات سوق العمل الذي أطلقته وزارة العمل لإعداد قائمة سنوية بالمهن الأكثر طلباً في قطاع الطاقة، وتحديث برامج الجامعات ومؤسسة التدريب المهني استناداً إلى هذه الاحتياجات، بالتوازي مع توفير فرص تدريب عملي مدفوع بالتعاون مع الشركات.
وشدد على أهمية تخصيص مسارات تدريب وتشغيل للنساء والشباب في المحافظات، خصوصاً في مجالات المراقبة الرقمية وتحليل البيانات والصيانة الفنية، بما يوسع الاستفادة الجغرافية والاجتماعية من استثمارات الطاقة.
من جانبه، أكد بلاسمة ضرورة ربط الاستثمارات الكبرى بتطوير الكفاءات الأردنية ونقل المعرفة، بحيث لا يقتصر أثر المشاريع على توفير البنية التحتية، بل يمتد إلى بناء خبرات محلية قادرة على تشغيل الأنظمة الحديثة وتطويرها.
من التحول الطاقي إلى التحول
في سوق العمل
تكشف التحولات في قطاع الطاقة عن فرصة تتجاوز تنويع مصادر الكهرباء، لتشمل تطوير المهارات الوطنية وفتح مجالات مهنية جديدة وتعزيز قدرة القطاعات الاقتصادية على التوسع والإنتاج.
وبينما تتقدم تقنيات الطاقة المتجددة والتخزين والشبكات الذكية، يبرز التحدي أمام الأردن في بناء حلقة متكاملة تربط الاستثمار بالتأهيل والتوظيف ونقل المعرفة، بما يضمن أن يتحول نمو قطاع الطاقة إلى فرص عمل مستدامة وقيمة مضافة أوسع للاقتصاد الوطني.
“الغد”

