عمان – في ظل ما تواجهه منظومة النقل العام في عمّان من تحديات متزايدة ، مع الارتفاع في عدد السكان، عادت فكرة إنشاء مترو في عمان إلى دائرة البحث، مع توجه أمانة عمّان الكبرى إلى إعداد دراسات تتناول جدواه الاقتصادية وكلفته والمسارات الممكنة لتنفيذه، وفق مدير المدينة نبيل الجريري.
وبينما ما يزال المشروع في مرحلة الدراسة، يبقى المضي فيه مرهونا بنتائج التقييمات الفنية والاقتصادية ومدى القدرة على تأمين التمويل اللازم. ما يطرح تساؤلات لخبراء حول مدى حاجة عمّان إلى مترو في ظل وجود بدائل أخرى للنقل العام؟ وهل تسمح طبيعتها الجغرافية بتحقيق جدوى من المشروع، وما أبرز التحديات التنظيمية التي قد تعترض تنفيذه؟
تحديات جيولوجية وطبوغرافية
وفي هذا السياق، قال نقيب الجيولوجيين خالد فياض الشوابكة، إن الحاجة لمشروع مترو في عمّان، تفرضه عوامل عدة، أبرزها تفاقم الازدحامات المرورية والنمو السكاني والعمراني والحاجة لتطوير منظومة نقل عام، قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من المواطنين بكفاءة وانتظام.
وأكد أن اتخاذ قرار بتنفيذ المشروع، ينبغي ألا يستند لحجم الازدحام المروري وحده، بل يتطلب دراسة شاملة تقارن الجدوى الاقتصادية والفنية للمترو بالبدائل المتاحة، وفي مقدمتها تطوير الباص سريع التردد (BRT)، وتوسيع شبكة الحافلات وتحسين التكامل بين وسائل النقل العام.
وأوضح الشوابكة، بأن الطبيعة الجغرافية لعمّان التي تتميز بالتضاريس الجبلية والأودية والانحدارات المتفاوتة، إلى جانب اختلاف الخصائص الجيولوجية والهندسية للصخور والتربة، تفرض تحديات فنية، تستوجب دراسة دقيقة قبل تحديد مسارات المترو.
وأشار إلى أن هذه الخصائص، لا تجعل تنفيذ المشروع مستحيلا، لكنها تستدعي تقييم عدة مخاطر محتملة، من بينها: استقرار المنحدرات، والمياه الجوفية والهبوط الأرضي وتأثير أعمال الحفر في المباني وشبكات البنية التحتية القائمة.
وأضاف الشوابكة، أن دراسات سابقة تناولت إمكانية إنشاء مترو في عمّان، غير أن إثبات جدواه بصورة نهائية، يتطلب إجراء دراسات ميدانية حديثة، وإعداد تصاميم تفصيلية، بدلا من الاكتفاء بالتقييم العام لطبيعة المدينة وتضاريسها.
البدائل المتاحة للنقل العام
وبشأن الخيارات المطروحة، أكد الشوابكة أن تطوير الباص سريع التردد، وتوسيع مساراته ورفع كفاءة الحافلات المغذية، وتوحيد التعرفة وأنظمة الدفع، وتحسين الربط بين الأحياء ومراكز العمل والجامعات، يمكن أن يسهم بإحداث تحسن ملموس في خدمات النقل العام.
في المقابل، أشار إلى أن المترو قد يكون خيارا مناسبا للمحاور التي يثبت أن حجم الطلب على النقل فيها، يتجاوز قدرة الوسائل السطحية على تلبية احتياجات المستخدمين بكفاءة، شريطة التأكد من جدواه الاقتصادية، وتوافر القدرة المالية على تمويل إنشائه وتشغيله وصيانته على المدى الطويل.
وشدد الشوابكة، على أن نجاح المشروع يرتبط أيضا بمعالجة التحديات التنظيمية والمؤسسية، وفي مقدمتها توحيد مسؤوليات الجهات المعنية، وتعزيز التنسيق بين الأمانة ووزارة النقل وهيئة تنظيم النقل البري، وضمان التكامل بين التخطيط العمراني وتخطيط النقل.
كما أكد أهمية تحديد آليات التمويل والتشغيل بوضوح، وتوزيع المخاطر بين القطاعين العام والخاص، وضمان الشفافية في العطاءات والعقود، ومعالجة آثار الاستملاك والتحويلات المرورية خلال مراحل التنفيذ.
الجيولوجيون والمشروع
كذلك شدد الشوابكة على أهمية إشراك الجيولوجيين في جميع مراحل المشروع، بدءا من اختيار المسارات وإعداد الخرائط الجيولوجية والهندسية، مرورا بالدراسات الجيوتقنية والهيدروجيولوجية وتقييم المخاطر الزلزالية وصولا للإشراف على التنفيذ ومراقبة المخاطر المرتبطة بطبيعة الأرض.
وخلص إلى أن تطوير منظومة النقل في عمّان، يتطلب تخطيطا متكاملا يوازن بين الحاجة لوسائل نقل جماعي عالية السعة والجدوى الاقتصادية، والظروف الجيولوجية والطبوغرافية، والقدرة المؤسسية على التنفيذ.
وأوضح بأن الموقف المهني لنقابة الجيولوجيين، يقوم على دعم تقييم مشروع المترو بموضوعية، ضمن دراسة مقارنة شاملة مع البدائل المتاحة، وتحديد المحاور الأكثر جدوى وعدم اتخاذ قرار الاستثمار النهائي قبل استكمال الدراسات الفنية والاقتصادية والبيئية والتنظيمية اللازمة.
دراسات شاملة قبل التنفيذ
بدوره، قال أمين سر شعبة الهندسة المعمارية في نقابة المهندسين مازن النابلسي، إن نجاح مشروع المترو في عمّان يرتبط بعوامل تخطيطية وفنية ومالية وتمويلية، والاخيرين هما أحد أهم المرتكزات الأساسية للمشروع.
ولفت النابلسي إلى أن تقييم جدوى المترو، يتطلب النظر في مدى الحاجة إليه في ظل ضعف كفاءة بعض وسائل النقل العام، أو عدم فعاليتها، وقدرته على تحسين التنقل في المناطق ذات الأولوية التي تتطلب سرعة الوصول، وضرورة ارتباط مساراته بصورة واضحة بمراكز النشاط التجاري والسكني والخدمي.
وشدد على أهمية إعداد مخطط شمولي متكامل، يحدد أولويات المواقع، ويربط مسارات المترو باستعمالات الأراضي والأنشطة، ضمن مراحل تنفيذية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد. مبينا أن القراءة الأولية لواقع النقل العام وخياراته في عمّان، تجعل فكرة المترو خيارا إيجابيا من حيث المبدأ، شريطة توافر المتطلبات التخطيطية والتصميمية لضمان فاعليته.
وأشار إلى ضرورة إجراء دراسة شاملة ومتكاملة لتقييم كفاءة المترو في المناطق الحيوية، خصوصا المحاور التجارية والخدمية الرئيسة، لافتا إلى أن الوضع التنظيمي لبعض المناطق، قد يحد من فعاليته بسبب التقاطعات المرورية المعقدة، وضيق الشوارع الرئيسة، وطبيعة العلاقة بين المباني والطرق والفراغات المحيطة بها.
وأضاف النابلسي، أن دراسة المشروع يجب أن تشمل الشكل الحضري للمناطق المستهدفة، بما في ذلك ارتفاعات المباني وعلاقتها بالشارع، وعرض المساحات العامة وتصميم الساحات والأرصفة والفراغات الحضرية، بما يضمن انسجام المشروع مع النسيج العمراني للمدينة.
شبكة متكاملة
وأكد النابلسي أهمية توفير خطوط نقل داعمة ومراكز لتجميع الركاب وتوزيعهم عند محطات المترو، بما يسهم باستيعاب الطلب على النقل العام، وإعادة تنظيم حركة التنقل، ويعزز سهولة الوصول وكفاءة الخدمة.
وأوضح بأن نجاح المشروع لا يقتصر على سرعة القطارات، بل يتطلب تمكين المستخدمين من الوصول لأماكن العمل ومراكز النشاط بسهولة ويسر، مع توفير بيئة آمنة للمشاة والحد من الضغوط التي قد تواجههم أثناء التنقل. داعيا
كما دعا لإعداد سيناريوهات متعددة للمشروع والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، وتجنب الإخفاقات التي شهدتها تجارب أخرى، مع دراسة تأثير مسارات المترو ومنشآته على المشهد الحضري وارتفاعات المباني المجاورة. مشددا على ضرورة توفير خيارات نقل متنوعة، ومرافق آمنة ومريحة وجذابة بصريا، بحيث يشكل المترو إضافة إيجابية إلى هوية عمّان وطابعها العمراني.
رؤية تخطيطية مستقرة
وفي تقييمه لواقع المدينة، أشار النابلسي إلى أن عمّان تتمتع بهوية خاصة وامتداد تاريخي وخصائص جغرافية مهمة، لكنها واجهت تحديات تتعلق بعدم وضوح الرؤية التخطيطية، والتغيرات التي طرأت على المخططات الشمولية، وعدم استكمال تنفيذها بصورة متكاملة.
ولفت إلى أن المدينة شهدت طرح مشروعات عدة للنقل العام، أبرزها الباص السريع الذي ما يزال بحاجة لتقييم وتطوير بعض جوانبه، ما يجعل قراءة واقع النقل العام ومستقبله أكثر تعقيدا.
واعتبر أن مشروع المترو يحمل احتمالين، أولهما: أن يشكل نقلة إيجابية في منظومة النقل إذا روعيت المتطلبات التخطيطية والتصميمية والبيئية، وثانيهما: أن يتحول لتجربة جديدة لا تحقق النتائج المرجوة، على غرار مشروعات سابقة، بما يترتب على ذلك من آثار سلبية على المدينة وسكانها.
توصيات لضمان نجاح المشروع
وطرح النابلسي توصيات يرى أنها ضرورية لتعزيز فرص نجاح المشروع، في مقدمتها توحيد القرار وتحديد جهة مسؤولة عن تخطيط شبكة النقل والتعاقد بشأنها وضمان تكاملها بالتنسيق بين الأمانة و”النقل” وهيئة تنظيم النقل والبلديات المجاورة، بدلا من إدارة كل مشروع بصورة منفصلة.
كما دعا لربط شبكة النقل بالمخططات التنظيمية، وتحديد المسارات من الناحية الفنية بوضوح، مع توفير المرافق اللوجستية المساندة بما فيها المستودعات والخدمات للتشغيل.
وشدد النابلسي على ضرورة تحديد الجدوى الاقتصادية للمشروع، ووضع آليات مناسبة لتعويض المتضررين، ودراسة المخاطر المحتملة على المديين القصير والطويل، وإعطاء السلامة العامة أولوية في مراحل التخطيط والتنفيذ والتشغيل.
ولفت إلى أن طرح مشروع المترو، يمثل توجها إيجابيا من حيث المبدأ، لكن نجاحه يبقى مشروطا بتوفير البنية التحتية المناسبة والالتزام بالضوابط التخطيطية والتصميمية والبيئية، ومعالجة المعوقات المتوقعة قبل التنفيذ، مؤكدا أن عمّان لا تحتمل تكرار تجارب لا تحقق أهدافها أو تفضي لنتائج عكسية.
“الغد”

