الرئيسية رئيسي“خطة التعليم 2026 – 2030”.. معالجة اختلالات المدرسة أم إعادة إنتاجها؟

“خطة التعليم 2026 – 2030”.. معالجة اختلالات المدرسة أم إعادة إنتاجها؟

من mk
A+A-
Reset

عمان – لا يكفي أن تتوسع الخطط التعليمية وتزداد البرامج والمبادرات للحكم على نجاح إصلاح التعليم في الأردن؛ فالمعيار الحقيقي هو ما يتعلمه الطلبة، ومدى تكافؤ فرصهم، وقدرة المدرسة على إعدادهم للحياة والعمل.

 

 

ومن هنا، تبرز أهمية خطة التعليم 2026 – 2030، التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، في وقت لا تزال فيه مؤشرات التحصيل الدراسي تكشف عن فجوات عميقة، تتطلب معالجة تتجاوز تطوير المناهج وتحديث البنية التحتية إلى مراجعة فاعلية العملية التعليمية برمتها.

ويواجه قطاع التعليم اختبارا خقيقيا حول ما إذا كانت خطة تحويل الإصلاح تتضمن مجموعة تدخلات تفضي في النهاية إلى تغيير ملموس في أداء المدرسة، أم أن نتائجها ستظل مرتبطة بعدد البرامج المنفذة والمباني المطورة، من دون تحسن يتناسب مع حجم الجهد والإنفاق؟

فجوة التعلم.. المؤشر الأكثر إلحاحا

وتكشف نتائج الأردن في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة “بيزا 2025″، المنشورة في أيلول (سبتمبر) 2026، عن حجم التحدي، فقد بلغت نسبة الطلبة الأردنيين الذين حققوا الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة 26 %، مقابل 31 % في الرياضيات و48 % في العلوم، مقارنة بمتوسطات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغة 69 % و65 % و74 % على التوالي.

وتعني هذه الأرقام أن غالبية الطلبة الأردنيين لم يبلغوا المستوى الأساسي المطلوب في القراءة والرياضيات، فيما بقيت نتائج العلوم أفضل نسبيًا، لكنها لا تزال بعيدة عن المتوسط الدولي.

ورغم التحسن المسجل مقارنة بنتائج عام 2022، فإن الفجوة القائمة تؤكد أن التعافي في بعض المؤشرات لا يعني تجاوز المشكلة، وأن الإصلاح يحتاج إلى تدخلات تستهدف مهارات التعلم الأساسية، لا الاكتفاء بتعديل المناهج أو إدخال أدوات جديدة إلى الصفوف.

وتتجاوز دلالة هذه النتائج حدود الامتحانات الدولية؛ إذ ترتبط بقدرة الطلبة على فهم النصوص، والتفكير المنطقي، وحل المشكلات، ومواصلة التعلم في مراحل لاحقة، كما أن ضعف هذه المهارات ينعكس على فرصهم في التعليم العالي والتدريب والعمل، ويعمق الفوارق بين الطلبة بحسب ظروفهم الأسرية والمدرسية.

من هنا، ينبغي أن تضع الخطة مؤشرات واضحة لقياس تحسن القراءة والرياضيات والعلوم، وأن تربط التدخلات التعليمية بنتائج معلنة، مع تحديد الفئات والمدارس الأكثر حاجة إلى الدعم، فنجاح الإصلاح لا يقاس بما أُدخل إلى المنهاج، بل بما أصبح الطالب قادرًا على فهمه وتطبيقه.

العدالة التعليمية.. ما وراء أعداد المدارس

ولا تتوقف فجوات التعليم عند مستوى التحصيل، بل تمتد إلى اختلاف الظروف التي يتعلم فيها الطلبة، فالاكتظاظ، ونظام الفترتين، وتفاوت التجهيزات، وصعوبة توفير بيئة مدرسية مناسبة، كلها عوامل تحد من قدرة المعلم على متابعة الطلبة وتلبية احتياجاتهم، وتؤثر في الوقت المتاح للتعلم وجودته.

وتشير بيانات رسمية إلى استمرار نظام الفترتين في نحو 800 مدرسة حكومية، بما يعكس ضغطًا على الطاقة الاستيعابية في التعليم بالأردن، غير أن معالجة هذا التحدي لا ينبغي أن تقتصر على زيادة الأبنية أو توزيع الطلبة؛ بل تتطلب دراسة التفاوت بين المناطق، وأعداد الطلبة في الصفوف، ومدى توافر المختبرات والمرافق، والوقت الفعلي المخصص للتدريس.

وتزداد أهمية هذا الأمر عند النظر إلى الفروق بين المدارس في المناطق العاصمة والأطراف، وبين البيئات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، فالطالب الذي يتلقى تعليمه في مدرسة تعاني نقص التجهيزات أو محدودية المساحات لا يبدأ من الظروف نفسها التي تتوافر لزميله في مدرسة أكثر جاهزية.

وإذا لم تأخذ الخطة هذه الفوارق في الحسبان، فقد يؤدي التوسع في البرامج إلى تحسين فرص بعض الطلبة، فيما تبقى الفئات الأكثر احتياجًا خارج دائرة الاستفادة.

وعموما، تحتاج الخطة الحكومية إلى خريطة دقيقة للاحتياجات التعليمية بحسب المنطقة والمدرسة، ولمعايير معلنة لتوزيع الموارد وفق حجم المشكلة، لا وفق اعتبارات التوسع العام وحدها، فالعدالة لا تتحقق بتقديم الخدمة نفسها للجميع، وإنما بضمان حصول الطلبة على فرص تعلم متكافئة، مع منح المدارس الأشد احتياجًا ما يلزمها لتقليص الفجوة.

المعلم.. محور الإصلاح لا مجرد منفذ

وإجمالا، فلا يمكن لأي خطة تعليمية أن تحقق تحولًا مستدامًا إذا لم تجعل المعلم في قلب عملية التطوير، فالمناهج الحديثة والتقنيات الرقمية لا تنتج تعلمًا أفضل تلقائيًا؛ إذ تتوقف فاعليتها على قدرة المعلم على استخدامها، وتشخيص صعوبات الطلبة، وتنويع أساليب التدريس، وتقييم المهارات بدل التركيز على المعلومات.

وتشير بيانات “بيزا 2025” إلى أن مديري مدارس يلتحق بها 39 % من الطلبة أفادوا بوجود نقص في المعلمين يعيق التدريس بدرجة ما، مقارنة بـ57 % في عام 2022، ورغم تراجع النسبة، فإنها تظل مؤشرًا على تحدٍ لا يمكن التعامل معه عبر التدريب وحده؛ فالتطوير المهني يحتاج إلى بيئة عمل مستقرة، وتوزيع عادل للمعلمين، ومواءمة بين التخصصات والاحتياجات الفعلية للمدارس.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين تدريب المعلمين بوصفه نشاطًا تنفذه الوزارة، وبين أثر التدريب في الممارسات الصفية ونتائج الطلبة، فعدد الدورات والمشاركين لا يكفي للحكم على نجاح برامج التطوير، ما لم يقترن بقياس ما تغير في أساليب التدريس، وقدرة المعلمين على معالجة ضعف التحصيل، ومدى حصولهم على الدعم المهني المستمر.

كما أن إصلاح التعليم يتطلب تعزيز مكانة المعلم، وتخفيف الأعباء التي لا ترتبط مباشرة بالتدريس، وإشراكه في تطوير المناهج وتقييم البرامج، فالمعلم – وهو أساس العملية التعليمية – الذي لا تتوافر له الأدوات والوقت والدعم لن يستطيع وحده تعويض الاختلالات في المدرسة.

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.. فرصة تحتاج إلى ضوابط

ويفرض التطور الرقمي تحديا إضافيا على الخطة، يتمثل بالانتقال من توفير الأجهزة والمنصات إلى بناء قدرة الطلبة على استخدامها في التعلم والبحث والتحليل.

وتظهر نتائج “بيزا 2025” أن 41 % من الطلبة الأردنيين يستخدمون روبوتات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في التعلم مرة واحدة أسبوعيًا على الأقل، مقارنة بمتوسط يبلغ 46 % في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ويكشف ذلك عن حضور متزايد لهذه الأدوات في حياة الطلبة، لكنه لا يثبت وحده أن استخدامها يحسن التعلم، فالاستفادة منها تتطلب مهارات في التحقق من المعلومات، والتمييز بين الإجابة الصحيحة والمضللة، واحترام النزاهة الأكاديمية، إلى جانب حماية الخصوصية وتقليص الفجوة بين الطلبة الذين تتوافر لهم الأجهزة والاتصال بالإنترنت ومن يفتقرون إليهما.

إلى ذلك، لا ينبغي أن يقتصر التحول الرقمي على إدخال التكنولوجيا إلى الصفوف أو تدريب الطلبة على استخدام تطبيقات بعينها؛ بل يجب أن يرتبط بهدف تعليمي محدد، وأن يخضع لتقييم يوضح أثره في التحصيل والتفكير النقدي، فالتكنولوجيا التي لا تعالج مشكلة تعليمية واضحة قد تتحول إلى كلفة إضافية، بدل أن تكون أداة لتطوير التعلم.

المدرسة وسوق العمل.. فجوة لا تعالجها المناهج وحدها

وتتصل جودة التعليم أيضًا بمدى قدرة النظام على إعداد الطلبة لمتطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ولا يعني ذلك اختزال المدرسة في وظيفة تلبية احتياجات سوق العمل، بل ضمان امتلاك الخريجين المهارات الأساسية والرقمية واللغوية، والقدرة على التعلم المستمر والتكيف مع التحولات المهنية.

ويتطلب هذا الأمر مراجعة الصلة بين المناهج والتطبيق العملي، وتوسيع فرص التعلم القائم على حل المشكلات والعمل الجماعي، وتعزيز التوجيه المهني المبكر، وتطوير التعاون بين المدارس ومؤسسات التدريب وأصحاب العمل.

كما تستدعي تقييما مستمرا للمهارات التي يحتاجها الاقتصاد الأردني، بدل افتراض أن الشهادات وحدها كافية لضمان فرص العمل.

لكن مسؤولية مواءمة التعليم مع سوق العمل لا تقع على المدرسة وحدها؛ فالتشغيل يتأثر كذلك بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف مناسبة، ومستوى الأجور، وظروف العمل، وفرص الاستثمار، لذلك، ينبغي تجنب تقديم إصلاح التعليم بوصفه حلًا منفردًا للبطالة، والتركيز بدلًا من ذلك على دوره في تقليص فجوة المهارات ورفع جاهزية الشباب للفرص المتاحة والمستقبلية.

المساءلة.. من تنفيذ الأنشطة إلى قياس النتائج

ويبقى التحدي الأهم في خطة 2026 – 2030 هو كيفية قياس نجاحها، فالتقارير التي ترصد

عدد المدارس المطورة، والبرامج المنفذة، والمعلمين المدربين، والأجهزة الموزعة، تقدم معلومات عن التنفيذ، لكنها لا تكشف بالضرورة عن مقدار التحسن في التعلم أو العدالة أو جاهزية الخريجين.

ولكي لا تتحول الخطة إلى قائمة إنجازات إدارية، تحتاج إلى مؤشرات أداء محددة ومعلنة، تشمل تحسن القراءة والرياضيات والعلوم، وتقليص الفوارق بين المدارس والمناطق، وخفض الاكتظاظ حيثما يشكل عائقًا، وتحسين كفايات المعلمين، وقياس أثر التكنولوجيا في التعلم، ينبغي نشر النتائج دوريًا، وشرح أسباب التعثر، وتحديد المسؤوليات والإجراءات التصحيحية.

ويتطلب ذلك ايضا توضيح لكل مؤشر، وأهداف قابلة للقياس، وآليات مستقلة للتحقق من النتائج، إلى جانب إشراك المعلمين والأهالي والطلبة في تقييم البيئة المدرسية. فالمساءلة لا تعني محاسبة المؤسسات على ما لم تنفذه فقط، بل معرفة ما إذا كانت الموارد العامة قد أحدثت فرقًا حقيقيًا في حياة الطلبة.

من الخطة إلى المدرسة

وتمثل خطة التعليم 2026 – 2030 فرصة لإعادة ترتيب الأولويات ومعالجة الاختلالات المتراكمة، لكن قيمتها لن تتحدد بحجم البرامج التي تتضمنها، وإنما بقدرتها على تحويل المدرسة إلى بيئة يتعلم فيها الطلبة بفاعلية، ويحصلون على فرص أكثر عدالة، ويكتسبون مهارات يحتاجون إليها في حياتهم.

ويشير رصد المؤشرات في وزارة التربية والتعليم والموارد البشرية أن التحديات لا تزال مترابطة بضعف في مهارات أساسية، وفوارق في البيئة المدرسية، وحاجة إلى دعم المعلمين، وتحول رقمي يتطلب توجيهًا تربويًا، وفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات المستقبل، ولهذا، فإن التعامل مع كل ملف بصورة منفصلة قد يحسن بعض الجوانب، لكنه لن يضمن تحولًا شاملًا.

فالاختبار الحقيقي للخطة هو أن يصبح أثرها ظاهرًا داخل الصف، بحيث يصبح الطالب يفهم ويحلل بدل أن يحفظ فقط، ومعلم يمتلك الأدوات والدعم، ومدرسة لا تحدد ظروفها المادية فرص طلبتها، ونظام يعلن نتائجه ويصحح مساره عند الإخفاق، عندها فقط يمكن الحكم على أن الإصلاح تجاوز مرحلة التخطيط والتنفيذ إلى تغيير فعلي في جودة التعليم الأردني.

“الغد”

شاهد ايضا

Focus Mode