عمان – مع إطلاق الإستراتيجية الوطنية للتغذية المدرسية (2026–2030)، يبرز سؤال حول الكيفية التي ستحقق بها دعم صحة الطلبة سعيا لتحسين مخرجات التعلم، والإسهام بتوفير بيئة مدرسية صحية، والمضي باستدامة برامج التغذية المدرسية وتوسيع نطاق الاستفادة منها في مدارس المملكة.
ولتكريس هذه المفهوم، فإن خبراء في التربية يرون أن أهمية الإستراتيجية، تكمن بالتعامل مع الغذاء، بوصفه جزءًا من البيئة التعليمية، موضحين أن الاستثمار في التغذية المدرسية، يحسن صحة الطلبة ويهيئ ظروفا أكثر ملاءمة للتعلم.
ولفتوا في أحاديث منفصلة أن تحسين الوضع التغذوي، يدعم تركيز الطلبة وانتباههم وانتظامهم الدراسي، مؤكدين أهمية تكامل برامج التغذية المدرسية مع جهود تحسين جودة التعليم وتكافؤ الفرص التعليمية، بخاصة لدى طلبة المناطق الأقل حظًا. ما يعني أن التغذية المدرسية، من الجوانب المساندة لجودة التعليم، لما تحققه من دعم لصحة الطلبة واستعدادهم للتعلم.
توسيع نموذج
الوجبات الصحية
إلى ذلك، قال مدير إدارة التعليم بوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية أحمد المساعفة، تستند الإستراتيجية لأربعة محاور، تعمل الوزارة على ترجمتها وفق الآتي: الحوكمة، وتوسيع نطاق نموذج الوجبات الصحية، وبناء الشراكات، والاستدامة، مشيرا إلى أن الحوكمة تعمل على إرساء إطار قانوني ومؤسسي مستدام للبرنامج، وتعزز التنسيق بين الشركاء عبر هيكل حوكمة، يضم لجنة توجيهية ولجانًا فنية متخصصة.
وأضاف المساعفة، أن توسيع نطاق نموذج الوجبات الصحية، يتحقق بتوسيع البرنامج وفق معايير علمية، تضمن الاستهداف العادل والفعال، وبناءً على خطة تنفيذية واضحة. بينما يستهدف بناء الشراكات تعزيز دعم برنامج التغذية المدرسية عبر شراكات فاعلة، تستهدف الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية والقطاع الخاص. مبينا أن الاستدامة، يقوم على تحقيق الملكية الوطنية الكاملة للبرنامج، بحيث يصبح برنامج الأغذية العالمي شريكًا وداعمًا له.
ولفت المساعفة إلى أن الإستراتيجية، تسعى لتوسيع أعداد المشمولين بالبرنامج في السنوات المقبلة. مبينا أن عدد المستفيدين منه وصل لنصف مليون، بينما يبلغ عدد المدارس المشمولة بالبرنامج نحو 2400 مدرسة.
الغذاء والبيئة التعليمية
الخبير فيصل تايه، قال إن أهمية الإستراتيجية تكمن في النظر للغذاء بوصفه عاملا مرتبطا بالبيئة التعليمية، وليس مجرد وجبة يتناولها الطلبة خلال يومه الدراسي، موضحًا بأن توفير غذاء متوازن ومناسب للاحتياجات العمرية، يدعم التركيز والانتباه والمشاركة الصفية، في حين قد يرتبط الجوع وسوء التغذية والاعتماد على الأغذية منخفضة القيمة الغذائية بتراجع النشاط والاستعداد للتعلم.
وأضاف تايه، أن الاهتمام بالتغذية المدرسية يجمع بين الجوانب الصحية والتربوية، ويستدعي النظر في أثره على صحة الطلبة وظروف تعلمهم. مشيرا إلى أن تحقيق العدالة في الوصول للغذاء الصحي، جانب أساسي في الإستراتيجية، بحيث لا تتأثر استفادة الطلبة بالظروف الاقتصادية لأسرهم أو بموقع مدارسهم.
وبين أن ذلك يتطلب مراعاة الفروق بين المناطق والمدارس، وتحديد الفئات الأكثر احتياجًا، وتوجيه التدخلات استنادًا لبيانات واضحة، تضمن وصول الدعم لمن يحتاجونه. موضحا بأن الجانب التربوي لا يقل أهمية عن الصحي، إذ ينبغي أن تسهم التغذية المدرسية ببناء الوعي الغذائي وترسيخ السلوكيات الصحية للطلبة، عبر أنشطة صفية ومبادرات وتوعية بكيفية قراءة الملصقات الغذائية، وفهم مكونات الطعام والتمييز بين الخيارات الصحية وغيرها. وأضاف تايه، أن مشاركة الطلبة بهذه الأنشطة وفهمهم للأسباب للتوجيهات الصحية يعززان قدرتهم على اتخاذ قرارات غذائية واعية في المدرسة وخارجها.
وأكد أن تنفيذ الإستراتيجية، يتطلب تنسيقًا بين وزارات: التربية والصحة والجهات المعنية بسلامة الغذاء، إلى جانب الأسرة والمجتمع المحلي، موضحًا بأن دور”التربية”يرتبط بتنظيم البيئة المدرسية ومتابعة تطبيق المعايير، بينما تسهم الجهات الصحية بتحديد المتطلبات الغذائية والصحية ومتابعة سلامة الغذاء، وتؤدي الأسرة دورًا بدعم العادات الغذائية الصحية في المنزل.
وشدد على أهمية وضوح الأدوار وتكامل جهود الجهات المعنية بالمساعدة بتطبيق الإجراءات ومتابعة تنفيذها، دون حصر مسؤولية التغذية المدرسية بجهة واحدة. لافتا إلى أن تقييم نتائج الإستراتيجية، ينبغي ألا يقتصر على عدد المدارس التي تطبق البرنامج، بل وان يشمل متابعة التغيرات المرتبطة بجودة الغذاء والوعي الغذائي للطلبة والمؤشرات الصحية المناسبة.
وأوضح بأن متابعة النتائج، يمكن أن تشمل دراسة العلاقة بين التدخلات الغذائية والحضور المدرسي والتركيز والمشاركة الصفية والتحصيل، مع مراعاة أن التغذية عامل قد يؤثر في التعليم، إلى جانب عوامل أخرى تتصل بالبيئة المدرسية والظروف الأسرية وأساليب التدريس.
وأضاف تايه، أن استدامة تنفيذ الإستراتيجية، يتطلب توفير موارد مالية، وتدريب عاملين بالمقاصف المدرسية والمدارس، وتحديد آليات للرقابة والمتابعة، ومراجعة النتائج بصورة دورية والاستفادة منها بتطوير الإجراءات وفقًا للاحتياجات الفعلية.
دعم صحة الطلبة
وأكد الخبير محمد أبو عمارة أن إطلاق الإستراتيجية خطوة للارتقاء بدور المدرسة بدعم صحة الطلبة وتهيئة ظروف ملائمة للتعلم، بربط التغذية المدرسية بصحة الطلبة واستعدادهم للتعلم، وتعزيز دورها بدعم البيئة التعليمية وتحسين فرص التعلم. مضيفا أن توفير وجبات صحية للطلبة يعزز وعيهم الغذائي، ودعم صحتهم الجسدية والنفسية، ومساعدتهم على الاستعداد للتعلم، موضحا بأن اختياراتهم الغذائية قد تتأثر برغباتهم ووعيهم بأهمية الغذاء المتوازن، ما يجعل المدرسة شريكا مهما بترسيخ العادات الغذائية الصحية.
وأوضح أبو عمارة بأن توفير وجبات متوازنة، يراعي احتياجات الطلبة الغذائية تشمل أصنافا كالمعجنات والفواكه والخيار وكعك التمر، ما يمد أجسامهم بعناصر غذائية ضرورية، بخاصة أن أسرا قد تواجه صعوبات اقتصادية تحد من قدرتها على توفير وجبات صحية لأبنائها بانتظام.
وأشار إلى أن أهمية الإستراتيجية، تبرز بصورة أكبر في المناطق النائية والأقل حظا، بحيث يمكن الإسهام بتوفير الوجبات لدعم حصول الطلبة على احتياجاتهم الغذائية، والتخفيف من أعباء أسرهم، وتعزيز تكافؤ الفرص، بصرف النظر عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
وبين أبو عمارة، أن التغذية المدرسية قد تحد من المشكلات الصحية، كزيادة الوزن والسمنة، إذا اقترنت بالتوعية الغذائية والتشجيع على ممارسة النشاط البدني، إذ إن ترسيخ السلوك الغذائي الصحي يتطلب تكامل الجهود بين المدرسة والأسرة، وعدم الاكتفاء بتوفير الوجبة وحدها.
ولفت إلى أن الجوع قد يؤثر بقدرة الطلبة على التركيز والاستعداد للتعلم، خصوصا أن اليوم الدراسي قد يمتد في بعض المدارس من 4 إلى 8 ساعات، مبينا أن توفير وجبة صحية يمكن أن يساعد الطلبة على المشاركة بالأنشطة الصفية والتعليمية، ويدعم فرص اكتسابهم المعارف والمهارات.
وأكد أن التغذية المدرسية على أهميتها، لا تمثل عاملا مستقلا بتحسين التحصيل الأكاديمي، بل تتكامل مع جودة التدريس، والبيئة المدرسية الآمنة، والدعم النفسي والاجتماعي، وأساليب التقييم الفاعلة، مضيفا أن الإستراتيجية تنسجم مع جهود تطوير التعليم، بما يشمل تعزيز الدور التربوي لمدير المدرسة، وتأهيل المعلمين، وتطوير المناهج وتحسين البيئة المدرسية.
وبشأن التوعية الغذائية، أوضح بأن تقديم الوجبات الصحية قد يعزز معرفة الطلبة وأولياء الأمور بمكونات الغذاء المتوازن وأهميته، ويساعد الطلبة على اتخاذ خيارات غذائية ملاءمة لاحتياجاتهم.
وأكد أبو عمارة أهمية دور المدرسة بتحويل المعلومات المتعلقة بالتغذية الصحية لممارسات يومية، بتوفير خيارات مناسبة في المقاصف المدرسية، وتشجيع تناول الخضراوات والفواكه وشرب الماء، وتنفيذ الأنشطة والمبادرات التوعوية، وإشراك أولياء الأمور بتعزيز العادات الغذائية السليمة في المنزل.
وبين أن أحاديثه مع زملاء في مهنة التعليم يعملون في قرى تستفيد من هذه الوجبات، أشارت إلى أنها شكلت دافعا لبعض الطلبة للذهاب إلى المدرسة، في ظل الظروف الاقتصادية التي تعيشها أسرهم. موضحا بأن هذه الملاحظات تستدعي متابعة معدلات التسرب المدرسي قبل تطبيق البرنامج وبعده، للتعرف إلى مدى إسهام التغذية المدرسية بالحد من هذه الظاهرة.
وأشار أبو عمارة، إلى أن اعتماد الإستراتيجية على وجبات من إنتاج أردني بنسبة 100 % يضيف بعدا اقتصاديا واجتماعيا لأهدافها الصحية والتعليمية، إذ يمكن أن يسهم بدعم السوق المحلي والمطابخ الإنتاجية، وتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الاعتماد على المنتجات المحلية، مع مراعاة معايير الجودة والسلامة الغذائية، بما يتيح فرصا للاستفادة الاقتصادية للمجتمعات المحلية.
وأكد أن تقييم أثر الإستراتيجية، يتطلب متابعة تنفيذها باستمرار، وإجراء دراسات تقيس نتائجها الصحية والغذائية والتعليمية والاجتماعية، بدلا من الاكتفاء بتوفير الوجبات، بما يساعد بتحديد تحقيقها للأهداف المعلنة والجوانب التي قد تحتاج لتطوير.
وأوضح أبو عمارة، أن من المؤشرات التي يمكن متابعة الحالة التغذوية للطلبة فيها، هي سوء التغذية وزيادة الوزن، للوصول إلى ضوابط صحية تحافظ على خصوصيتهم، ومدى تغير سلوكهم الغذائي، ومعدلات الحضور والغياب والتسرب المدرسي، وتركيزهم الدراسي، وقياس رضاهم وأولياء أمورهم عن الوجبات المقدمة.
تهيئة الطلبة للتعلم
الخبير عايش النوايسة، أكد أن التغذية المدرسية ترتبط بتهيئة الطلبة للتعلم، بخاصة في المناطق النائية والأقل حظًا، بحيث قد يؤثر نقص بعض الفيتامينات والعناصر الغذائية على التركيز والانتباه والقدرة على الاستيعاب والمشاركة بالأنشطة. موضحا بأن “التربية” وفرت منذ فترة طويلة عناصر غذائية تعزز النمو الجسمي والذهني للطلبة، بما يدعم قدرتهم على التعلم والاستفادة من التعليم.
وقال النوايسة، أن الإستراتيجية تهدف لتحسين الوضع التغذوي والصحي للطلبة في المناطق الأقل حظًا، بتوفير عناصر غذائية متكاملة ومعالجة الاختلالات الناتجة عن نقص الفيتامينات والعناصر الأساسية، بما يساعد على الحد من العوامل الصحية التي قد تعيق تعلمهم.
وأشار إلى أن الاستثمار بالتغذية المدرسية يحسن صحة الطلبة ونموهم الجسمي، ويهيئ ظروفا أكثر ملاءمة للتعلم، فتحسين الوضع التغذوي يدعم التركيز والانتباه والانتظام بالمشاركة الصفية، ويعزز اكتساب المعارف والمهارات.
وأكد أن الغاية الأساسية من الإستراتيجية، تتمثل ببناء شخصية متوازنة للطلبة صحيا ونفسيا واجتماعيا ومعرفيا وتربويا، بما يدعم نموهم ويعزز فرص تعلمهم واكتساب المهارات وتحقيق نتائج تعليمية أفضل.
وكان وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية د. عزمي محافظة، رعى مؤخرا، حفل إطلاق الإستراتيجية، بحضور شركاء محليين ودوليين، وممثلي وزارات ومؤسسات وطنية، إذ أكد في كلمته خلال الحفل، أن إطلاق الإستراتيجية يأتي ثمرةً للتعاون المتواصل والشراكة الفاعلة بين الوزارة وبرنامج الأغذية العالمي والجهات المعنية، مبينا أنها تشكل خارطة طريق تهدف لبناء جيل يتمتع بالصحة والعافية والعزيمة، قادر على التعلم والإنجاز والمشاركة الفاعلة في بناء مستقبل وطنه.
من جانبها، أوضحت الممثل المقيم والمدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي انتونيلا دابريل أن تجربة “الأغذية العالمي” في الأردن أظهرت في السنوات الماضية أن برامج التغذية المدرسية، عندما تُصمَّم بصورة جيدة وتُنفَّذ بفعالية، تحسن مخرجات التعليم، وتعزز الحماية الاجتماعية، وتضاعف الاستثمار في أهم ثروات الوطن: أطفاله.
“الغد”

