عمان – تحمل السيول والفيضانات الوميضية الناجمة عن التغيرات المُناخية الى البيئة المحلية أخطاراً لا تكشفها المياه المتدفقة على سطح الأرض، إذ يمكن أن تعيد تحريك ملوثات ومعادن سامة ظلت حبيسة التربة، ورواسب الأودية لسنوات أو حتى عقود، وربما تنقلها إلى مناطق جديدة، ما يهدد سلامة التربة، والمحاصيل الزراعية، والكائنات الحية، ويفتح الباب أمام مخاطر صحية لا تظهر آثارها بصورة مباشرة.
وتثير هذه الظاهرة، المعروفة علمياً باسم إعادة تحريك الملوثات التاريخية، تخوفات خبراء بشأن ما تختزنه الأراضي في الأردن من ملوثات قديمة، خاصة في المناطق المتأثرة بالأنشطة الصناعية، والتعدينية، والزراعية.
كما وأنها تحمل معها إمكانية أن تتحول السيول من مجرد خطر مرتبط بالفيضانات، إلى وسيلة لإعادة توزيع التلوث، وزيادة قابلية امتصاص بعض مواده السامة، وانتقالها عبر السلسلة الغذائية.
وللحد من المخاطر البيئية المحتملة لإعادة تحريك الملوثات التاريخية بفعل السيول، دعا خبراء إلى تبني نهج وقائي يقوم على إنشاء برنامج متكامل لرصد تلوث التربة، ورواسب الأودية في المناطق الصناعية والتعدينية والزراعية، بشكل خاص.
مصادر للتلوث
ومن وجهة نظر الأستاذ المساعد والباحث في كيمياء البيئة وصحة الإنسان في قسم الموارد الطبيعية والبيئية في جامعة العلوم والتكنولوجيا د. معن الغزاوي، فإن التربة الملوثة ورواسب الأودية المتأثرة بالملوثات المختلفة قد تكون من أهم مصادر التلوث، خصوصاً بالعناصر السامة والثقيلة.
وأعطى الغزاوي أمثلة على هذه العناصر الثقيلة والسامة، من بينها الزرنيخ (As) وهو أكثر العناصر سمّية، والرصاص(Pb) ، والكاديميوم(Cd)، والزنك (Zn) وغيرها.
ولفت أن تلك العناصر قد تخزن بالتربة لفترات طويلة، وقد تعيد السيول وحركة الجريان السطحي الناتجة عن كميات الهطول الكبيرة بفترات قصيرة توزيعها على الأراضي بنسب وكميات مختلفة.
وأضاف إن السيول قد تزيد من ذوبان بعض هذه العناصر والمعادن التي تحمل بعضاً منها، وقابلية انتقالها وتوفرها الحيوي.
وتلعب استخدامات الأراضي، بحسبه، دوراً كبيراً في تحديد طبيعة ونوع هذه الملوثات، وكميات وأماكن انتشارها بعيداً عن الخلفية الجيولوجية الطبيعية.
كما تلعب مجموعة من العوامل دورا في تحديد مقدار الخطورة الناتجة عن تأثر هذه الملوثات بالسيول، والتي حددها بـمصدر التلوث، والتركيب المعدني للتربة، والظروف الكيميائية والظروف المُناخية، إلى جانب شدة السيول.
وفي الأردن على سبيل طرحه، قد يكون لمناطق التعدين والمقالع والمناطق المتأثرة بالأنشطة الزراعية والصناعية دور كبير في التأثير على السيول والجريان السطحي في الأودية، وإعادة توزيع المعادن الثقيلة، والعناصر السامة بمواقع مختلفة.
واستند إلى الدراسة التي قام بإعدادها في جنوب غرب الولايات المتحدة الأمريكية حول التحولات الكيميائية في الشكل الكيميائي للعناصر السامة، والوفرة الحيوية/البيولوجية لها، في عدة مواقع تعدين مهجورة، وتأثير الظروف المُناخية المختلفة على توزيعها في التربة الملوثة.
وأظهرت نتائج الدراسة إمكانية وصول تلك العناصر للمجتمعات البشرية، وانتقالها في جسم الإنسان من خلال تناول الغذاء والمياه الملوثين، وارتباط بعضها (مثل الزرنيخ) بأمراض عدة مثل السكري والسرطان وغيرهما، محذرا من إمكانية أن تكون التربة ورواسب الأودية مستودعات طويلة الأمد للملوثات.
التحلل التأكسدي
ونوه الغزاوي بأن الخطر لا يتحدد بالتركيز الكلي وحده، بل يتأثر أيضاً بالصورة الكيميائية للعنصر، وقابليته للذوبان والامتصاص، ومدة التعرض، وطبيعة الكائنات المتأثرة.
وأكد أن التعرية وتعريض الملوثات المدفونة في باطن الأرض للماء والأكسجين، أو ما يعرف بالتحلل التأكسدي، يتحقق بحركة السيول، ويعد ذلك، كما ذكر، من أهم العوامل التي قد تساعد بإطلاق هذه الملوثات للطبيعة، وتغيير تركيبها الكيميائي بالشكل الذي يجعلها أكثر وفرة بيولوجية (مدى قدرة الكائن الحي على امتصاص المعدن والاستفادة منه أو التأثر به) في كثير من الحالات، وهو ما أثبته العديد من الدراسات.
وبين أن خطورة المعدن قد تتغير دون أن تحول تركيزه الكلي في التربة (كمية المعدن الموجودة في العينة).
وأوضح الغزاوي أن السيول يمكن أن تغيّر الظروف التي تتحكم بهذه الخصائص، مثل الرقم الهيدروجيني (pH)، وجهد الأكسدة والاختزال (Eh)، وتركيز الأكسجين، والمادة العضوية الذائبة، وتركيب المعادن الحاملة للملوثات.
ومع ذلك، فإن الغزاوي يشدد على أنه ليست كل السيول مؤدية إلى زيادة التوفر البيولوجي، فقد يحدث العكس أيضاً، مثل ترسيب المعادن في صورة أقل ذوباناً أو ارتباطها مجدداً بأكاسيد الحديد، ولذلك يجب قياس التغير الفعلي بدلاً من افتراضه.
وفي الأردن، وفق قوله، الذي تتسع فيه مساحة المناطق الجافة وشبه الجافة، فإن التربة فيه تمتلك ظروفاً جيولوجية وكيميائية قد تساعد على احتجاز المعادن الثقيلة لسنوات ثم إطلاقها بصورة مفاجئة.
لكنه بين أن تحديد المواقع الأكثر عرضة للخطر يتطلب بيانات ميدانية عن الصخور والتربة، والرواسب ومصادر التلوث المحتملة.
وضرب مثالاً على ذلك بما أوجدته الدراسة التي أجراها في خمسة مواقع في أميركا بأنها كانت تتوزع ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة، لتظهر أن الخطورة فيها ترتبط بالطبقات السطحية من التربة المحتوية على تراكيز أكبر للعناصر السامة، وعلى وفرة بيولوجية قريبة من سطح التربة.
غير أنه نبه بأن الظروف التي تحتجز المعادن قد تكون نفسها التي تسمح بتحريرها عندما تتغير البيئة الكيميائية.
وشرح ذلك بأن الرواسب الغنية بأكاسيد الحديد قد تحتجز الزرنيخ بكفاءة في ظروف معينة، لكنها قد تطلقه إذا ذابت تلك الأكاسيد في ظروف مختزلة مثل وفرة المياه، والإشباع بالمياه نتيجة كميات الهطول الكبيرة.
كذلك، فإن المناطق الغنية بالكبريتيدات قد تشهد تحرر بعض المعادن عند تعرضها للأكسجين والماء وتكوّن ظروفا حمضية، وعلى الجانب الآخر، قد تؤدي الكربونات إلى معادلة الحموضة والحد من ذوبان بعض المعادن، تبعا له.
لذلك، فإن تقييم الخطر في الأردن يجب أن يدمج بين الجيولوجيا والهيدرولوجيا وكيمياء التربة، بدلاً من الاعتماد على خرائط الأمطار، أو الفيضانات وحدها، كما ذكر.
ارتباطات كيميائية
ولم ينف الغزاوي احتمالية أن تتراكم بعض المعادن في جذور النباتات، أو أوراقها، أو أجزائها الصالحة للأكل دون أن تظهر أعراض واضحة يمكن مشاهدتها بالعين أو ملاحظتها، مثل الاصفرار أو الذبول، فغياب الأعراض لا يعني بالضرورة أن المحصول آمن للاستهلاك.
ولخص التداعيات المحتملة بأن كل عنصر سام مرتبط بمجموعة من التأثيرات الصحية، والأمراض، والتداعيات، فعلى سبيل المثال، يرتبط التعرض للرصاص بآثار عصبية، وتكون المخاطر مهمة خصوصاً لدى الأطفال.
ومن بين الأمثلة التي أوردها كذلك أن عنصر الزرنيخ إذ وجد فإن التعرض المزمن له يرتبط بمخاطر صحية خطيرة، منها زيادة بعض أنواع السرطان.
وتوقع تأثر المياه الجوفية بالأردن في حالة حدوث مثل هذه الفيضانات بسبب وفرة هذه المياه بعدة مناطق مختلفة فيه.
توظيف المنطق العلمي
وفي رأي الخبير في إدارة مياه الري د. نعيم مزاهرة فإن ظاهرة إعادة تحريك الملوثات التاريخية، يجب التعامل معها بمنطق علمي ودبلوماسي.
وعرف مزاهرة الظاهرة بأنها تفاعل طبيعي بين قوة المياه المحيطة والبيئة الأرضية، والأمطار، حيث تعمل على تنقية الأرض، وبالإدارة الحكيمة يمكن تجنب حدوث التلوث.
لكنه لم ينف إمكانية تحول الأودية إلى ممرات جيولوجية تعيد توزيع تلوث تراكم منذ عقود، لكن يجب النظر إليها كذلك على أنها ممرات لتوزيع المياه، والتربة الخصبة التي تعتمد عليها الزراعة.
ولفت إلى أن الأودية تعمل كشبكات تصريف طبيعية، وبفعل الطاقة الحركية العالية للأمطار الغزيرة، فإنها تقوم بعملية غسل وترتيب للتربة.
وأضاف إن بعض المناطق أكثر عرضة لإعادة توزيع الملوثات بسبب خصائص تشمل طبوغرافية شديدة الانحدار تزيد من سرعة الجريان السطحي، وغطاء نباتيا محدودا يقلل من تثبيت التربة والرواسب، وتركيبة رسوبية طينية أو رملية سريعة التفكك والنقل.
والفائدة هنا تكمن، وفقه، في أن هذه الحركة المائية تعمل على تجديد التربة الزراعية في الأحواض المنخفضة عبر نقل الطمي، والرسوبيات المغذية.
وفي ظروف معينة، قد تعمل هذه الممرات على نقل الرواسب المحملة ببعض العناصر، أو المركبات التاريخية المتراكمة، ولاسيما في المناطق ذات التضاريس الحادة، والتربة الهشة، أو غير المغطاة بالنباتات بشكل كافي، وذات معدلات جريان سطحي عالية.
وتابع حديثه بالقول: “هذا القطع قد يحرر ملوثات كانت مطمورة. ولكن، دبلوماسياً وعلمياً، هذا التآكل هو ذاته الآلية الطبيعية التي تخلق الترب الزراعية الغنية بالمعادن والعناصر في السهول الفيضية.”
وأوضح أن المياه التي تصل للمزروعات باستخدام تقنيات الري الحديثة كالري بالرش، أو التنقيط تتميز بالنقاء، وأما تلك الناجمة عن السيول فتكون محملة بالرواسب القديمة، وتصل إلى أحواض الترسيب الطبيعية، أو الاصطناعية لتصفية المياه قبل ضخها لشبكات الري.
ولفت الى أن التغير في الأنماط المطرية يغير من حركة الرواسب وقدرة النقل.
ويشرح فكرته بالإشارة الى أن عاصفة شديدة ومفاجئة قد تحرك في ساعات ما تراكم لعقود، لكنها في ذات الوقت تُسهم في التغذية المائية للسدود والينابيع في الأردن.
وفي هذا الشأن اقترح وعبر التخطيط المكاني الدقيق، توجيه مسارات السيول لتغذية مناطق زراعية بحاجة للمياه، مع عمل أحواض ترسيب في نقاط التقاء لتنقية المياه من أي ملوثات تاريخية قبل ضخها في شبكات الري.
وأما بشأن المواد الضارة، فأكد أنه يمكن تحديد مواقع تراكمها جيولوجياً باستخدام نماذج الارتفاع الرقمية (DEM) لتحديد خطوط تساوي الانحدار ونقاط التدفق.
وهذه الخطوة، بحسبه، تساعد في إنشاء خزانات ترسيب عند مداخل هذه الأحواض؛ لتصفية المياه من أي ملوثات تاريخية، ثم استخدام المياه النقية في ري المزروعات المحيطة.
ومن بين التقنيات الأخرى التي ذكرها استخدام الاستشعار عن بعد ونماذج التوزيع المكاني للمخاطر البيئية مثل Marghany & Hashim, 2019، لرسم سيناريوهات التدفق قبل حدوثها.
وشدد على أن الغالبية العظمى من دراسات مخاطر السيول في الأردن تركز بشكل أساسي على هيدرولوجيا الفيضانات، وحساب ذروة التدفق، وكميات المياه، وتأمين البنية التحتية، وهذا التركيز، في رأيه، يعد أمراً مبرراً في ضوء ما يعانيه الأردن من شح في المصادر المائية.
“الغد”

