لغة الأوامر مع الذكاء الاصطناعي.. هل تمتد إلى علاقاتنا الإنسانية؟

الرئيسية تكنولوجيالغة الأوامر مع الذكاء الاصطناعي.. هل تمتد إلى علاقاتنا الإنسانية؟

لغة الأوامر مع الذكاء الاصطناعي.. هل تمتد إلى علاقاتنا الإنسانية؟

من mk
A+A-
Reset

قد تؤثر الطريقة التي نتحدث بها مع الذكاء الاصطناعي سلبا في أسلوب تواصلنا مع الآخرين.
قد يعتقد معظم الناس أنهم يتمتعون بقدر معقول من اللباقة، لكن هناك استثناء واضحا، وهو طريقة تعاملهم مع مساعدات الذكاء الاصطناعي. فعند توجيه الأوامر أو كتابة التعليمات، نادرا ما تُستخدم عبارات مثل “من فضلك” أو “شكرا”.كما لا تُستخدم صيغ الطلب غير المباشر التي تُعد من مظاهر اللباقة الشائعة في اللغة الإنجليزية، مثل: “هل يمكنك إرسال رسالة؟”. وبدلًا من ذلك، تستخدم أوامر مباشرة مثل: “أرسل رسالة”، “أعد جدولا للرحلة”، “اقرأ ملف التعليمات هذا، ووثّق جميع خطوات عملك، ولا تتجاوز أي خطوة”.

وهذا ليس الأسلوب الذي نتحدث به مع بعضنا البعض، ولو خاطب شخص زملاءه في العمل بهذه الطريقة، لاعتُبر فظًا أو وقحًا.
أهمية اللباقة
لا يميل الناس إلى تقبل الأشخاص الوقحين، لأنهم يتجنبون بذل الجهد الذي يبذله الآخرون في التعامل بأدب واحترام. إن إظهار قدر من اللباقة ليس مجرد سلوك اجتماعي لطيف، بل هو ضرورة للحياة داخل المجتمع، حيث يتفاعل الإنسان باستمرار مع أشخاص خارج دائرة العائلة والأصدقاء.
عندما نتعامل بلباقة مع الغرباء، فإننا نبعث برسالة مفادها أننا مستعدون للتعاون معهم، وأننا نستحق تعاونهم في المقابل. ويظهر ذلك في مواقف يومية بسيطة، مثل إبقاء باب المصعد مفتوحًا لشخص آخر، أو إفساح الطريق للمارّين، أو الاتصال بالإسعاف عند إصابة أحدهم. فاللباقة هي التي تحافظ على روح التعاون التي يقوم عليها المجتمع.
لماذا نتحدث مع الذكاء الاصطناعي بهذه الطريقة؟
إذا كانت اللباقة بهذه الأهمية، فلماذا نتخلى عنها عند مخاطبة الذكاء الاصطناعي؟
السبب ببساطة هو أننا لا نحتاج إليها عند التعامل مع الأنظمة الذكية، بل قد يكون الاستغناء عنها أكثر كفاءة في بعض الحالات. فالتحدث يتطلب جهدا ذهنيا، وحذف الكلمات والعبارات الدالة على اللباقة قد يجعل التواصل أسرع وأسهل. كما أن مساعدات الذكاء الاصطناعي مبرمجة على التعاون بغض النظر عن أسلوب الطلب، بل إن استخدام الأوامر المباشرة قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج أفضل من الطلبات المهذبة، وفقا لوقع سيكولوجي توداي.
كيف قد يؤثر حديثنا مع الذكاء الاصطناعي في تعاملنا مع البشر؟
رغم المزايا الظاهرة للتعامل المباشر مع مساعدات الذكاء الاصطناعي، فإن لهذا الأسلوب آثارا جانبية محتملة ينبغي الانتباه إليها.
وتشير أبحاث علم التواصل إلى احتمال أن ينعكس الاعتياد على هذا الأسلوب في مخاطبة الذكاء الاصطناعي على طريقة حديثنا مع الآخرين. ورغم أنه ما يزال من المبكر تحديد حجم هذه الظاهرة، فإن الدراسات المتعلقة باللغة والتواصل تسمح بوضع فرضيات مدروسة حول إمكانية أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف مستوى اللباقة في المجتمع.
عندما يحول الإنسان أفكاره إلى كلام أو كتابة، يميل دماغه إلى إعادة استخدام الكلمات والعبارات التي اعتاد استخدامها سابقًا. كما أن تكرار المفردات وأساليب التعبير المألوفة يزوّدنا بعبارات جاهزة يسهل استدعاؤها بسرعة، مما يجعل عملية التواصل أكثر كفاءة.
ولأن هذه الآلية تحدث باستمرار، فمن المنطقي افتراض أن أسلوب الأوامر المباشرة والحديث غير اللبق مع الذكاء الاصطناعي قد ينتقل تدريجيا إلى محادثاتنا اليومية مع الآخرين، على حساب اللباقة.
– أساليب الكلام تنتقل بين البيئات الاجتماعية
قد يبدو من السهل التمييز بين طريقة مخاطبة الذكاء الاصطناعي وطريقة الحديث مع الأصدقاء أو أفراد العائلة، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
صحيح أن الإنسان يستطيع تعديل أسلوبه بحسب الشخص الذي يخاطبه. كثير ما ينقل الناس من دون وعي أسلوب الكلام الذي اعتادوه في بيئة معينة إلى بيئة أخرى. فعلى سبيل المثال، قد يعود طالب الجامعة إلى بلدته ويتحدث مع عائلته وأصدقائه بالأسلوب الذي اعتاده في الجامعة، فيبدو مختلفًا أو متكبرا دون أن يقصد ذلك.
وتشير مثل هذه الأمثلة إلى أن أسلوب الحديث المباشر الذي نستخدمه مع الذكاء الاصطناعي قد ينتقل أيضًا إلى تواصلنا مع البشر.
روبوتات الدردشة المخصصة للرفقة قد تجعلنا أكثر تمحورا حول الذات.
لا يكتفي التأثير بطريقة إصدار الأوامر، بل يمتد أيضا إلى روبوتات الدردشة المصممة لتوفير الرفقة. فالمستخدمون لا يتعاملون معها عادة بوقاحة، لكن هذه التطبيقات تشجعهم على الارتباط بها عاطفيًا، وعلى التحدث باستمرار عن أنفسهم.
ومع مرور الوقت، قد ينتقل هذا الأسلوب المتمحور حول الذات إلى محادثاتهم مع الآخرين. وهذا النوع من التواصل يخالف القواعد الاجتماعية التي تقوم على تبادل الحديث وإتاحة الفرصة لجميع الأطراف للمشاركة.
بل إن بعض مستخدمي هذه التطبيقات أفادوا بأنهم أصبحوا أقل رغبة في التحدث مع البشر، ويفضلون الحديث عن أنفسهم مع روبوتات الدردشة بدلًا من خوض حوار متبادل يتطلب التعاون والإنصات للطرف الآخر.
في ظل الجدل الدائر حول الذكاء الاصطناعي، سواء بسبب تأثيره في الوظائف أو في القدرات الذهنية أو غير ذلك من القضايا، قد يبدو الحديث عن اللباقة مسألة ثانوية.
لكن الحقيقة أن اللباقة تؤدي دورا أساسيا في الحفاظ على التعاون بين الناس، وفي استمرار المجتمع في أداء وظائفه بصورة طبيعية.
كما أنها تواجه بالفعل تحديات عديدة، مثل الاستقطاب السياسي، وتراجع التواصل المباشر وجهًا لوجه، واتساع فجوات عدم المساواة، وغيرها.
وقد يؤدي الاعتياد على مخاطبة الذكاء الاصطناعي إلى إبعادنا تدريجيا عن قيم التهذيب والتعاون التي يحتاج إليها أي مجتمع ليستمر في العمل بصورة سليمة.

شاهد ايضا

Focus Mode