بقلم : فلاح الصغيّر
في كل صيف، تتجه الأنظار إلى عودة آلاف الأردنيين المغتربين باعتبارها موسم اقتصادي متكامل يعيد تنشيط الاستهلاك، ويضخ سيولة مباشرة في الأسواق، ويحرك قطاعات عديدة في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى كل دينار إضافي من الإنفاق المحلي.
وعادة ما يجري قياس مساهمة المغتربين بحجم الحوالات المالية فقط، باعتبارها أحد أهم مصادر العملات الأجنبية للمملكة، إلا أن هذا القياس يبقى ناقصاً، لأن القيمة الاقتصادية الحقيقية للمغترب تبدأ عندما يصل إلى الأردن، حيث يتحول دخله ومدخراته إلى إنفاق مباشر ينعكس على التجارة والسياحة والنقل والخدمات والعقار، وهو أثر لا يظهر بالكامل في المؤشرات التقليدية.
وتؤكد بيانات البنك المركزي هذا الثقل الاقتصادي، إذ ارتفعت حوالات العاملين إلى المملكة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بنسبة 14.5% لتصل إلى 2.06 مليار دولار، ما يعكس استمرار قوة هذا المورد الحيوي للاقتصاد الوطني، الا أن أهمية هذه الأموال ك تكمن في قدرتها لاحقاً على تحريك الطلب المحلي عندما يعود أصحابها لقضاء إجازاتهم داخل المملكة.
فالمغترب لا يكتفي بزيارة أسرته، لكن ينفق على الإقامة والتنقل والتسوق والمطاعم والترفيه، ويجري أعمال صيانة لمنازله، وقد يشتري سيارة أو عقاراً أو يؤجل استثماراً لحين وجوده في الأردن، وهذا الإنفاق يتوزع على عشرات الأنشطة الاقتصادية، ليخلق سلسلة طويلة من العوائد تمتد من التاجر الصغير إلى المصنع والمورد والعامل وشركات النقل والخدمات.
ومن هنا، فإن أثر المغترب يتجاوز قيمة الدينار الذي ينفقه، لأن هذا الدينار يدور أكثر من مرة داخل الاقتصاد، وهو ما يعرف اقتصادياً بـ”الأثر المضاعف”، حيث تتحول فاتورة مطعم إلى أجور للعاملين ومشتريات من الموردين، وتتحول أجرة سيارة إلى وقود وصيانة وتأمين، بينما يدعم الإنفاق في الفنادق والأسواق سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية.
وتبرز أهمية هذا الدور بصورة أكبر في ظل التحديات التي يواجهها القطاع السياحي، فرغم ارتفاع الدخل السياحي خلال شهر حزيران بنسبة 7%، إلا أن إجمالي الدخل السياحي خلال النصف الأول من عام 2026 انخفض بنسبة 5.3% ليبلغ نحو 3.5 مليار دولار، كما تراجع الدخل المتأتي من الأردنيين المغتربين بنسبة 12.1% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في حين ارتفع الدخل السياحي من الزوار العرب بنسبة 6.5%.
وهذه الأرقام تحمل أكثر من دلالة، فهي تعكس من جهة استمرار تأثير الظروف الإقليمية على حركة السياحة، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن المغتربين ما يزالون يشكلون أحد أهم عناصر الاستقرار للطلب المحلي خلال الصيف، وأن أي زيادة في استقطابهم أو إطالة مدة إقامتهم ستنعكس مباشرة على مستويات الإنفاق في الأسواق.
ولا يقتصر هذا الأثر على العاصمة، لكن يمتد إلى المحافظات كافة، حيث تستفيد الفنادق والشقق الفندقية، والمطاعم، والأسواق الشعبية، والمزارع السياحية، وقطاع النقل، وتأجير السيارات، والمنتجعات، والمحال التجارية الصغيرة، كما تستفيد قطاعات قد لا تبدو مرتبطة بالمغترب للوهلة الأولى، مثل شركات الاتصالات، والصرافة، والبنوك، والتأمين، ومحطات الوقود، ومقدمي الخدمات اللوجستية.
ورغم ذلك، لا يزال التعامل مع موسم المغتربين أقرب إلى رد فعل سنوي منه إلى سياسة اقتصادية واضحة، فلا توجد برامج وطنية متكاملة تستهدف هذه الشريحة، ولا حزم تشجيعية تجعل من فترة إقامتهم فرصة لزيادة الإنفاق والاستثمار، رغم أنهم يمثلون شريحة تتمتع بقدرة شرائية أعلى من المتوسط، وتملك ارتباطاً عاطفياً واقتصادياً بالمملكة.
لذلك، فإن المطلوب لم يعد يقتصر على تحسين الخدمات في المطارات والمعابر، وإنما بناء استراتيجية متكاملة تجعل من موسم المغتربين جزءاً من السياسة الاقتصادية والسياحية، عبر اطلاق حوافز للإنفاق مثل إطلاق بطاقة خصومات موحدة “بطاقة المغترب”، والاعلان عن عروض سياحية وتجارية، وبرامج استثمارية، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يحول هذه الزيارات من موسم استهلاكي مؤقت إلى محرك اقتصادي سنوي أكثر استدامة.
فالاقتصاد الأردني لا يستفيد من المغترب عبر الحوالات وحدها، بل من وجوده على أرض الوطن. وبين التحويل المالي والإنفاق المباشر تتشكل قيمة يصعب تعويضها، وتستحق أن تُدار باعتبارها أحد أهم المواسم الاقتصادية التي تملكها المملكة.
وبين التحويل المالي والإنفاق المباشر، تتشكل قيمة اقتصادية يصعب تعويضها، وتستحق أن تُدار باعتبارها أحد أهم المواسم الاقتصادية التي تمتلكها المملكة.

