الرئيسية مقالاتحين يضيق العالم عن دمعة طفل

حين يضيق العالم عن دمعة طفل

من mk
A+A-
Reset

بقلم: محمد الحواري

في زمنٍ تُقاس فيه الأحداث بسرعة انتشارها، لا بثقلها الإنساني، يظهر رقمٌ كـ ٦٣٣ طفلًا قُتلوا في لبنان خلال أيام… كأنه صدمة عابرة. صدمة تُقال، تُتداول، ثم تُركن جانبًا، وكأنها لا تستحق أكثر من لحظة انتباه.

لكن المشكلة ليست في الرقم، بل في قابليته للنسيان.

قبل أن يستقر في الوعي، هناك مأساة أخرى تتجاوز الأرقام أصلًا. في غزة، لم يعد العدّ معيارًا للفهم، بل صار العجز عن الإحصاء هو الحقيقة الأكثر قسوة. حين تصبح الخسارة أكبر من أن تُعد، نكون قد دخلنا منطقة يتعطّل فيها المنطق، ويختبر فيها الضمير حدوده.

في الحالتين، لا يختلف المشهد كثيرًا. الجغرافيا تتبدل، لكن الألم يحتفظ بصورته: ألعاب متروكة في منتصف الحكاية، وحقائب مدرسية معلّقة كأن أصحابها سيعودون، وأمهات يبحثن في الفراغ عن أثر صوتٍ انقطع فجأة.

سياسيًا، تُدار هذه اللحظات بلغة محسوبة: بيانات، إدانات، توازنات. لكن إنسانيًا، لا يمكن اختزال كل هذا في مفردات باردة. فحين يصبح الدم حدثًا قابلًا للتجاوز، لا نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام خلل عميق في تعريفنا للعدالة.

المفارقة المؤلمة أن العالم لا يجهل ما يحدث، بل يتقنه. يرى، يفهم، ثم يختار إيقاع استجابته بما لا يربك حساباته. وهنا، لا يعود السؤال: من المسؤول؟ بل: ما الحدّ الذي يُجبر العالم على أن يكون أكثر من مجرد شاهد؟

لأن الحقيقة التي تتسلل بصمت… أن الأرقام تكبر، لكن الاستجابة لا تكبر معها.

فكم يجب أن يتسع هذا الغياب…
حتى يضيق العالم أخيرًا؟

شاهد ايضا

Focus Mode