بقلم : لورنس عواد
في خضم الأحداث المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يبرز تساؤل عميق حول طبيعة الصراع الدائر: هل هو صراع ديني كما يُسوّق له، أم أنه في جوهره صراع دنيوي تُستخدم فيه الأدوات الدينية كوسيلة للتعبئة والتأثير؟ إن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن ما يجري يتجاوز البعد العقائدي بكثير، ليتمحور حول النفوذ والمصالح والسيطرة.
عند تفكيك الواقع الإقليمي، نجد أن الدول الفاعلة لا تتحرك بدوافع دينية خالصة، بل وفق حسابات سياسية واقتصادية واستراتيجية دقيقة. فالدين، في كثير من الأحيان، لم يعد سوى أداة يتم توظيفها لحشد الجماهير وتبرير السياسات، بينما تبقى الأهداف الحقيقية مرتبطة بتوسيع النفوذ وبسط السيطرة على مناطق ذات أهمية جيوسياسية بالغة.
لقد أصبح الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع الإقليمية والدولية، حيث تتنافس القوى على النفوذ عبر أدوات متعددة، من بينها دعم فاعلين محليين أو قوى مسلحة تعمل خارج إطار الدولة. وفي هذا السياق، برز الدور الإيراني من خلال شبكة من الحلفاء أو “الأذرع” في عدد من الدول، مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن.
القراءة الواقعية لهذه الظاهرة تُظهر أن هذه الأذرع، بغض النظر عن الشعارات التي ترفعها، لم تؤدِ في كثير من الحالات إلى استقرار الدول التي تنشط فيها، بل ساهمت في تعقيد المشهد الداخلي. فوجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة أضعف المؤسسات الرسمية، وخلق ازدواجية في القرار السياسي والأمني، وأدى إلى أزمات اقتصادية خانقة، وانقسامات اجتماعية عميقة.
وفي دول مثل لبنان واليمن، أصبحت الأزمات الاقتصادية والسياسية أكثر تعقيدًا في ظل تعدد مراكز القوة وتداخل الأجندات الإقليمية. أما في سوريا والعراق، فقد ساهمت هذه التداخلات في إطالة أمد الصراعات، وجعلت من استعادة الاستقرار الكامل أمرًا بالغ الصعوبة. والنتيجة في المحصلة كانت واضحة: شعوب تُستنزف، ودول تتراجع، ومستقبل يزداد غموضًا.
ومع ذلك، لا يمكن فهم هذه الظواهر بمعزل عن السياق الأوسع، حيث ترى بعض الأطراف في هذه السياسات وسيلة لتحقيق توازن أو ردع في مواجهة خصومها. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في أن كلفة هذا “التوازن” تُدفع من الداخل، من استقرار الدول نفسها، ومن اقتصادها، ومن حياة مواطنيها.
إن أخطر ما في هذا المشهد هو تغليفه بخطاب ديني وطائفي، يُغذّي ضيق الأفق الفكري لدى الشعوب، ويحول دون إدراك الحقيقة الأساسية: أن الصراع ليس صراع عقائد، بل صراع مصالح. فالدين لم يعد العامل الجامع للبشرية في هذا السياق، كما أن القومية لم تعد اللاعب الرئيسي. بل إن ما يحكم العالم اليوم هو منطق المصالح، وتوازنات القوة، والتحالفات الاستراتيجية.
ومن هنا، فإن تجفيف منابع الخلافات لا يكون بالشعارات، بل بالوعي. وعي يُدرك أن ما يجري هو صراع نفوذ، وأن الانجرار خلف الخطاب الطائفي لا يخدم إلا من يوظفه. ووعي يُعيد ترتيب الأولويات على أساس مصلحة الشعوب واستقرار الدول.
وفي الحالة الأردنية، تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية ووضوحًا في آن واحد. فالأردن دولة تقوم سياساتها على البراغماتية والواقعية، وتسعى إلى الحفاظ على استقرارها في بيئة إقليمية مضطربة. ومن هذا المنطلق، تبنّى الأردن نهج الحياد الإيجابي، مع بناء شبكة علاقات دولية قائمة على المصالح المشتركة.
وتبرز هنا أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، والتي تشكل ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد الأردني وتعزيز استقراره. فهذه الشراكات لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تمتد إلى مجالات حيوية تمس حياة المواطن بشكل مباشر، مثل الدعم الاقتصادي، والاستثمار، والتبادل التجاري، والمساعدات التنموية، والتعاون الأمني والعسكري.
لقد ساهمت هذه العلاقات في دعم مشاريع البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وتعزيز قدرات الدولة في مواجهة التحديات الاقتصادية. كما أن التعاون مع الدول الغربية يوفر للأردن مظلة من الاستقرار السياسي، ويعزز من موقعه كدولة محورية معتدلة في المنطقة.
وعلى المستوى المجتمعي، فإن هذه الشراكات تنعكس على فرص العمل، والتعليم، والتدريب، والانفتاح على الأسواق العالمية، ما يساهم في تحسين مستوى المعيشة وخلق آفاق أوسع للشباب الأردني. وهذا ما يجعل هذه العلاقات ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة استراتيجية تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
وفي المقابل، فإن العلاقة مع إيران لا تحمل ذات الزخم أو المصالح المباشرة التي تخدم الواقع الأردني، سواء من حيث الاقتصاد أو الأمن أو الاستقرار الإقليمي. ومن هنا، فإن الموقف الأردني القائم على التوازن، مع ميل واضح نحو الشراكات التي تحقق مصلحة الدولة، هو موقف واقعي ومنطقي.
ختامًا، فإن توصيف الصراع في الشرق الأوسط على أنه ديني هو تبسيط مخلّ للحقيقة. فما نشهده هو فكر دنيوي بغطاء ديني، تُستخدم فيه العقائد كوسيلة، بينما تبقى المصالح هي المحرك الأساسي. والوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو حماية المجتمعات من الانجرار خلف صراعات لا تخدمها، وبناء مستقبل قائم على الاستقرار والمصلحة والواقعية.