بقلم: محمد الحواري
ليس السؤال اليوم: هل نعيد “داعش” إلى بلدانهم؟ بل: هل يمكن لدولة حديثة أن تتنصل من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية تجاه رعاياها، خصوصاً الأطفال، بحجة حماية الأمن القومي؟
قرار بعض الحكومات رفض استعادة مواطنيها من مخيمات شمال شرق سوريا يُقدَّم بوصفه إجراءً وقائياً. الخشية مفهومة؛ فالأمن القومي ليس تفصيلاً ثانوياً. لكن ترك نساء وأطفال في فضاء قانوني هش، بلا محاكمات واضحة ولا برامج تأهيل، لا يُنهي الخطر… بل يُجمّده خارج الحدود.
الأطفال تحديداً ليسوا ملفاً أمنياً. هم لم يختاروا الانتماء، ولم يصوّتوا لأفكار آبائهم، ولم يقرروا مكان ولادتهم. معاقبتهم بالترك في بيئة قاسية، معزولة ومشحونة بالغضب، ليست سياسة ردع، بل وصفة لصناعة هشاشة جديدة. القانون الدولي واضح في اعتبارهم ضحايا نزاع، والدولة مسؤولة عن حمايتهم وإعادة إدماجهم.
أما البالغون، فالمسار ليس عاطفياً ولا متساهلاً: عودة مشروطة، تقييم فردي، محاكمات عادلة داخل الدولة الأصلية، وبرامج رقابة وإعادة تأهيل صارمة. إذا كنا نثق في منظوماتنا القضائية، فلماذا نخشى إخضاعهم لها؟
المفارقة أن ترك المشكلة خارج الحدود لا يجعلها تختفي. الفراغ القانوني بيئة خصبة لإعادة التطرف، والمخيمات المغلقة ليست حلولاً دائمة، بل أزمات مؤجلة.
بين الخوف والضمير طريق ثالث اسمه سيادة القانون. الأمن لا يتحقق بالتخلي، والإنسانية لا تعني التساهل. التوازن الصعب ممكن، لكنه يتطلب شجاعة سياسية ترى في حماية الطفل استثماراً في الأمن، لا تهديداً له.