الكاتب إبراهيم ناصر .
في الآونة الأخيرة، عادت إلى الواجهة تصريحات متطرفة من بعض المسؤولين الإسرائيليين حول ما يصفونه بـ “إسرائيل الكبرى”، وتداولت وسائل الإعلام صورًا لخرائط توسعية تتجاوز فلسطين لتطال الأردن، كما شاهدنا على منصات سياسية وعسكرية صهيونية. هذه ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل تعبير عن عقلية استعمارية تعيش على الوهم وتعيد إنتاج الأساطير. لكن الأخطر من الخرائط والشعارات هو السلاح الحقيقي الذي اعتمد عليه المشروع الصهيوني منذ بدايته: تفتيت المجتمعات وزرع الانقسام الداخلي بينها.
الكثيرون يظنون أن الاحتلال قام على قوة عسكرية خارقة، بينما الحقيقة أن ما حسم المشهد كان هشاشة الصفوف أمامه. فإسرائيل لم تنتصر في المنطقة بقوة جيشها بقدر ما تقدمت على وقع الانقسامات العربية، والخلافات الداخلية، وغياب الصف الواحد.
هذه الحقيقة ليست محصورة في منطقتنا فقط، بل هي قاعدة تاريخية عالمية. عندما انهارت روما العظمى، لم يكن السبب هزيمتها في معركة فاصلة، بل تفككها الداخلي وصراعاتها الأهلية التي جعلت غزوات البرابرة مجرد ضربة قاضية على جسد منهك. وفي المقابل، عندما توحدت الولايات الأميركية الثلاث عشرة بعد حرب الاستقلال، خرجت من كونها مستعمرات متفرقة لتصبح قوة عالمية خلال عقود. كذلك، عندما تشرذمت الصين في القرن التاسع عشر بين أمراء الحرب وتدخل القوى الأجنبية، أصبحت لقمة سائغة للاستعمار، لكن وحدتها مجددًا في القرن العشرين جعلتها تنهض لتصبح قوة اقتصادية وسياسية كبرى.
حتى في أوروبا الحديثة، لم تكن ألمانيا قوة فاعلة إلا بعد أن وحّد بسمارك الدويلات المتفرقة في كيان واحد. أما أمريكا اللاتينية، فما زالت حتى اليوم مثالًا حيًا على أن الانقسام يبدد الطاقات ويترك الدول نهبًا للتدخلات الأجنبية.
الخلاصة من كل هذه الأمثلة أن التاريخ يعلمنا قاعدة لا تتغير: الأمم لا تُهزم إلا إذا انقسمت على نفسها، ولا تنهض إلا إذا توحدت خلف ثوابت جامعة.
بالعودة إلى الأردن، فإن هذه القاعدة كانت واضحة منذ التأسيس قبل مئة عام. فقد اختارت الدولة الأردنية لنفسها ثوابت واضحة رسخها الهاشميون: أن الأردن لكل الأردنيين، من كافة الأصول والمنابت، وأن القيادة الهاشمية هي الضامن لوحدة الصف والجبهة الداخلية. هذه الثوابت لم تكن مجرد شعارات سياسية، بل كانت ولا تزال الحصن الذي حمى الأردن من الفوضى والانقسامات التي ضربت المنطقة.
من هنا، فإن الرد على أوهام “إسرائيل الكبرى” لا يكون بالخوف من خرائط تُرسم على الورق، ولا بتضخيم قوة عسكرية قائمة أساسًا على دعاية أكثر منها على واقع، بل يكون بتجديد الالتزام بوحدتنا الوطنية، وتحصين جبهتنا الداخلية ضد أي محاولة للاختراق. فالعدو يراهن على الشقاق، لا على الدبابة. وما دام الأردنيون يدركون أن قوتهم في تماسكهم، فلن يفلح أي مشروع توسعي في اختراق صفهم. دون أن نغفل بطبيعة الحال أهمية التهيئة العسكرية والاستعداد للمواجهة والحرب بطابعها التقليدي من خلال التعبئة والتدريب والتسليح او بطابعها العصري من خلال التطور التكنلوجي والهندسي والفيزيائي.
إنها مسؤولية جماعية، مسؤولية كل فرد من أبناء هذا الوطن أن يتمسك بثوابته، وأن يورّثها للأجيال القادمة، ليبقى الأردن نموذجًا في الصمود والتماسك. فالتاريخ لا يرحم المنقسمين، لكنه يكافئ من يحافظون على وحدتهم. والأردنيون أثبتوا على مدى قرن أنهم يعرفون الدرس جيدًا، وسيبقون صخرة صلبة تتحطم عليها كل الأوهام.